وريث الضلآم للكاتبة Đάrkήεss Άήgεlά الجزء الثاني من امير الظلام

مقدمة

..هناك ذلك المصدر الغريب من البؤس ... يتدفق في الحياة ليشوبها ... لا ندري من أين يأتي ... 
و ما سببه لكننا نضطر بقسوة على التعامل معه ... كل على حده .... 

... و بالنسبة لحياتي , فقد ظهر النبع فجأة و أنا التي ظننت أني أعيش في مثالية حياة بسيطة مثالية ..... 
شوه لي صفحاتي و سبب لي تعثرات كثيرة .... كان من الواضح أنني لم أتعامل معه بشكل جيد ...
لقد تسبب في تغيير صقل شخصيتي و افسد لمعانها !, و ها أنا ذا أحاول تركيب حياتي مجدداً , 
لعله يتسنى لي العيش بسلام.. بعيداً عن نبع البؤس و تيار القسوة ومن .. حولي .. 

------

يالا السخرية , الوضع من شدة بؤسه يدعو للضحك !, من شدة الألم تفقد الأحساس و تدور وسط هوة من الظلام ,
بلا بداية ... و لا نهاية ... ألم و تعاسة تستمر إلى الأبد ... تعايشنا معها بشكل مسكر ... نترنح بينهما ... بلا حول ولا قوة... 
كان اليأس يدخل و يخرج كيفما يشاء , يصيبني لحد الاستنزاف و يقف عندما أصل إلى مرحلة الانطفاء الكلي...
أي أكون خالية من الحياة ...
و لولا والدي ... لمت منذ زمن بعيد ... و عندما كانت هناك "جيني" الصغيرة ... نقاء و براءة حقيقية ...
,,,
أخذت شهيقاً متقطعاً و أنا اشعر برئتيّ تنشقان وكأن سيكن يمر بهما .. فتوقفت بسرعة بمنتصف الطريق و الألم الحاد ضربني ,
اصابني الدوار حتى و أنا وسط هذه البركة من الظلام ... حاولت مجدداً و أنا لا أعي ما حولي ...
فقط الآلام متعددة في داخل جسدي و خارجة... زفرت أولاً ببطء .... ثم أخذت شهيقاً بطيئا قصيراً لا يكفيني ...
توقفت و أنا أشعر بألم في عيناي و ظهري كأنه منقسم نصفين ... زفرت بتعب و الحرارة تأكل وجهي....
آه لمَ عليّ المحاولة وسط هذه الآلام ! , سأترك الأمر و سأسبح في الفراغ الأسود المريح هذا...
لا أدري كم مر من الزمن دون محاولة مني لفعل شيء بسيط كالتنفس ... كنت فقط لا أفعل شيئا , و لكن الآن 
هاجمتني ضربة قوية صعقت قلبي و شيء قويّ اضاء بعيني غير أني لم أرى سوى بقعة مؤلمة من الضوء الغبي 
الذي اقتحم علي سباحتي وسط الظلام ... و طنين غريب ... ثم اقترب و اشتد الصوت حتى سمعت شيئا ما لا أفهمه ...
ترددت الصوت ضعيفاً بعيداً....
قلت بداخلي " آوه هذا لا يكفيني أحتاج لخارطة هنا..."
ضربة أخرى على قلبي وهذه المرة كانت قوية اهتز جسدي كله وانتفض فتأوهت رغما عني و انشقت
رئتاي بألم حاد و ظهري شعرت بأنه يتحطم ... آآه ساقاي تقتلانني و كأن عليهما تنهار السيوف !...
الطنين المزعج اشتد و اشتعل الضوء في عيني ... شعرت بالانزعاج و الألم الفظيع .. حاولت التحرك لكنني ضعيفة للغاية فلم أقدر...
. لم أقدر على المحاولة حتى... 
الصوت الضعيف الذي كان قبلا ظهرت مجدداً و بوضوح سمعت صوته !!! , أنه أبي !! يناديني ... أبي ؟!...
جاءت صورته باهتة في عقلي المنهك و بصعوبة شهقت نفساً و حاولت مناداته ... لكن لا أمل ... 
قطع النفس رئتيّ مجدداً....
صوت آخر ينادي ... ضربة قوية على رأسي جعلتني اصرخ بقوة متألمة , ما كان هذا ؟! تبا إلا يدعونني و شأني ؟؟!!

ببطء بعد صراخي , تلاشت الضربات و انحسرت الآلام ببطء... و كان ألم ساقاي ينحصر ببطء شديد...
و أحاطني الظلام الهادئ مجدداً , و أنا رحبت به بارتياح ...

              [ ضيــاع و ظـــلآم ! ]                        


مر وقت ما ... ثم بدأت صور غريبة تمر برأسي هذا ! .. ألا يؤثر به الظلام و يتركني ارتاح منه ...؟! ,, رأيت اشياء فضيعة ,,, سمعت أصواتً أولاً ... صراخ امرأة ! , ثم نور قوي وعينان ..! عينان حمراوان يظهر انعكاسهما بالمرآة... !! 
بعدها صوت اصطدام فجر رأسي ّ... تأوهت رغما عني و شهقت .. و الغريب أن نفسي لم يؤلم رئتاي هذه المرة ... و شعرت بالصمت و الهدوء و الثقل أيضاً ... بقيت الصور تدور و تدور ... 
شعرت وسط الظلمة بأن هناك شيء ما خلفي يسحبني بكل قوة بعيداً , حاولت الصراخ بلا جدوى , قاومت بكل ذرة قوة أمكلها لكن الشيء قوي جداً , وأخذ يغوص بي بعيداً , اختنقت بشدة و ايقنت بأني سأموت ... لكن الذين يجابهون الموت يتحدثون عن ضوء أبيض أمامهم لا شيء يسحبك للظلام !!...
آلمني قلبي و علمت بأني لن أقدر على المقاومة أكثر ... سوف أموت الآن ... 

_" لا !! "
أحدهم صرخ وأنا واثقة بأنه ليس عقلي , شعرت فجأة بشيء قوي يقبض على كلا ذارعي من الأمام و يسحبني كما يسحب الغريق إلى الأعلى بقوة سببت لي ألماً شديداً برأسي وكأنني بسيارة مسرعة جداً ثم توقفت فجأة ليصطدم الرأس بالزجاج !!. 
تأوهت بألم : آآه !! 
_ ألن تستيقظي كلارا ؟!.
ظل الظلام جامداً لثوان .. ثم تنفست و همهمت بشيء ما لا أدري بالضبط الألم انحسر فجأة !! 
_ جيد عزيزتي , حاولي فتح عينيك... هيا... 
حثني صوت متحمّس... لكني كنت مرهقة للغاية , بالطبع ليس هذا الصوت من أنقذني , لقد جرني شيء ما ليخرجني من لا أدري !!
مرة أخرى سمعت الصوت , لكني لم اقدر على الاستجابة ... و بعد وقت ما .. لا أدري أهو طويل أم قصير ..
فاجئتني صور كثيرة و شيء ما يدور برأسي , كانت حادثة !!!
و تلك المرأة التي صرخت كانت أمي ..!! و قد كنا معاً في السيارة و.... ظهر شيء ما ضخم !! شاحنة ...آه نعم ... و ضوئها قوي .. و قد .. انحرفت السيارة دوى الصوت القوي برأسي فصرخت برعب : لاااااا ...!! 
_ فتاة طيبة , افتحي عينيك عزيزتي أنتِ أفضل الآن .. لقد مر شهرين بالفعل...!
فتحت عيناي بقوة ضربتهما الأضواء فتأوهت و سالت الدموع رغما عني ... ظللت دائخة دقيقة كاملة , حتى توضحت الصورة ببطء كان الغرفة شبة معتمة ... لكن الظلام الذي غرقت به كان شديداً... لذا هذا المكان يبدو بضوء قوي...
_ لقد افاقت من الغيبوبة !! , لقد افاقت دكتــور ! .
ركض شخص ما مستبشراً , و توضح المكان حولي ببطء ... آه ه , زفرت بتعب , كمامة أوكسجين حول فمي و أنفي , و أنابيب كثيرة تحيط بي , رأسي , ذراعاي, و آآه ساقاي ... واحدة ملفوفة بجبيرة ضخمة و الآخر بلفافات بيضاء كثيرة .. و لكن مرفوعة قليلا و حولها الكثير من الأنابيب ... الغرفة بيضاء تؤلم البصر حتى لو كانت منخفضة الضوء .. 
مسح أحدهم على شعري , ولم انتبه للمرأة التي قرب رأسي سوى الآن...
همست بحنان : كنت شجاعة عزيزتي حمدا لله على سلامتك .
أشعر بعيناي متورمة و ذابلة جداً بالكاد أفتحهما , أتت الممرضة و أخذت تمسح جبيني و وجهي بقطن مبلل بارد... 
حدثني الطبيب بلطف ورقة : مرحبا كلارا ! , هل تشعرين بأي ألم ؟.
سألني بينما هو يراقب الأجهزة الغريبة التي تصدر طنينا خافتا منتظماً... همهمت و لم أقدر على تحريك رأسي قدر أنملة !. 
_ ماذا ألن تنطقي...؟! , قولي شيئا عزيزتي ...
كل ما همست به بتعب بالغ لم أشعر به سوى الآن : أمي ... أبي ؟!. 
_ كـــلآارا !! , ناداني صوت فزع حاد من بعيد... فانسحب الظلام متلاشياً و عيناي تعودان و أنا أرى شخصاً يهرع من باب الغرفة المحكمة هذه و يمسك بيدي و يهمس بأذني بإصرار :
_ كــلآرا صغيرتي !! , والدك هنا حبيبتي لا تخافي ..لا تذهبي أنا هنا...
همست بتعب وأنا أطرف بعيني : أبي... لا تذهب... 
بقي معي إلى أن نمت , لم أغرق بالظلام بل نمت بشكل هادئ ناعم و دافئ .. 
----- ))) 
افقت في اليوم التالي مساءاً و كنت أرى جيداً و أحرك يداي بتعب , لكن لم أقدر على تحريك رأسي و جسدي... سألت أخيراً مالذي حدث ... فلم يجبني أحد جيداً . الجميع يتهربون أو يجاوبون بشكل تلاعبيّ ... شعور سيء يراودني و أردت رؤية أمي و والدي , لكنه سيأتي بعد ساعتين كما أخبروني.. 
فأغمضت عيناي و تذكرت الحادثة السيئة ... الوضع المريع الذي أنا بوسطه بسبب أصابة رهيبة في ظهري و العمود الفقري أصيب أيضا و هذا ما أرعبني , صدمات على رأسي و عظام ضلوعي المحطمة بسبب التصادم .. لكن لم يخبرني أحد عن أمي .!
تذكرت أختي الصغيرة "جيني" لم تبلغ سنة كاملة , هي لا تزال تحبو !... من الذي سيعتني بها إن كانت أمي مصابة ؟!.
و مر الوقت بطيئاً ثقيلاً... و دخل طبيب ما و تبسم لي و حياني بلطف ثم أخذ يراقب الأجهزة وهو يقول بأنني أتحسن بسرعة بعد أفاقتي ... 
سألته بصوت مرهق خافت : لا استطيع تحريك رأسي ؟!.
أتى أمامي و نظر إلى بعطف أو شفقة لم تعجبني , قال برفق : لقد كانت آخر عملية , كان هناك نزيف داخلي برأسك ولكن الحمد لله ليس بالدماغ لذا لا يجب أن تتحركي اليوم فقط لأجل جرح العميلة لاحقاً سيمكنك فعل الكثير... 
وهو ينظر بأسى نحو ساقي المجبرة .. جرح , نزيـف ~~ . آآه يا ألهي , لكن هذا لا يهم سأشفى كلياً قريباً... مع أنني أشعر بشيء رهيب سيء قادم ... و شعور أسوأ نحو ساقي هذه فأنا لا أشعر بها أبداً من ركبتي فما أسفل !!.
همست مجدداً بتعب : ماذا عن ..أمي ؟!. 
لم يرفع رأسه , و بقي مطرقاً لثوان , ثم اجابني بهدوء : كلارا , أنت في المستشفى منذ شهرين تقريباً .. لقد أخرجوك بصعوبة من تحت الحطام !.
حدقت به و أنا أشعر بعيناي تحترقان "حطام ؟!" ... أكمل هو : لقد كانت شاحنة نقل ضخمة و كان بها الكثير من براميل الزيت .. لقد أنفجر كل شيء و كأنها قنبلة كبيرة ! , حتى بعض المسعفين اصيبوا بشكل خطير .. 
سمعت نفسي أقول بحده خافتة أحرقت حلقي : سألتك عن أمي !!. 
أغمض عينيه وهو يقول بأسف : آسف .. لأن أمك لم تنجو !!.
توسعت عيناي و فقدت نفسي ! , أمي .... أمي ....!! ,, لا ... لا هذا غير صحيح ! ... أمي لم تنجو !! بم يهذي !!!
ارتفع صوت طنين ما , تحرك الطبيب وهو يقول بتوتر : آآه كلارا ليس مجدداَ , لا ... لا تذهبي وتتركي أباك و أختك ...
سقط رأسي على الوسادة الباردة لكني لم أنم , أغمضت عيناي بقوة و بكيت بصمت و أنا أرى صورة أمي ... لقد رحلت ... 
_ هشش صغيرتي .. 
فتحت عيناي و رأيت وجه أبي بصعوبة , قلت بتعب : أبي !. 
_ نعم يا حبيبتي ! أنا هنا لن اتركك ... 
فجأة سالت الدموع و أنا أشهق قائلة : أمي... أمي... رحلت !!.
بقي والدي بجانبي يهدأني و يمسح علي و كنت قد حركت رأسي و ذارع أبي حوله , لا شك بأنه تجاوز الوقت الأسوأ على الأقل , لقد مر شهرين .. وفي اليوم التالي هدأت بل أصبحت أكثر برودة ... و تحسنت أكثر كذلك ساقي اليمنى المجبرة لا تزال مخدرة بشكل غريب بينما ساقي اليسرى احركها جيدا.. 
دخل طبيب آخر و كان جامد الملامح . حياني ثم تحدث مع الممرضة بصوت منخفض لا اسمعه بعدها خرجت الممرضة , رأيته يتفحص الجبيرة ثم سألني: أتشعرين بألم هنا ؟!.
هززت رأسي نفياً مرة واحدة و عيناي عليه , فأخذ جهازاً ما و تفحص أطراف أصابعي الصغيرة الظاهره... و مضى بعض الوقت ...
ثم قال وهو يتعدل : أخبرنا والدك بهذا الخبر قبل أيام , لقد تلفت الأعصاب لعضلات القدم ! , لن تقدري على تحريكها هذه مرة أخرى الأوتار تقطعت تماماً !.
توسعت عيناي بصدمة و فتحت فمي , و هاهي مصيبة أخرى !!!.. بحق الأله !!!
صرخت به بلا وعي أكذب كل شيء حتى نفسي ,
_أنت كاذب !! , فأنا أشعر بها !.
رد ببرود شديد و تمالك قوي : كلا , أنه شعور كاذب , و احمدي الله أن مفصل الورك جيد و العصب في الفخذ حي وقوي , لكن كاحلك لن يتحرك من تلقاء نفسه !.
حاولت التحرك و ودت لو أمسك بوجهه و أقطعه ! , كم هو بارد الحس !!.
قلت بحده أخفي يأسي : هذا لا يمكن !! , ساقي ستتحسن !.
رد ببرودته : كلا , يجب أن تتقبلي الحقيقة أنها أول مرحلة للمضي ! , أنها لن تتحرك أبداً إلا بمساعدة ذراعيك ؛ قويّ ساقك الأخرى و مع العكاز ستستطيعين المشي بعد التدريب و العلاج الطبيعي , أني أخبرك الحقيقة يا كلارا .. حتى لو ظننتِ عكس هذا و تقولين بأني شخص لئيم لكني أخبر الحقيقة لمرضاي و أريهم الحل أيضا !. 
حدقت به غير مصدقة , هززت رأسي و استرخيت على وسادتي و أنا أشيح بوجهي عنه ..
قال بهدوء فجأة : تقبلي الأمر و عندها سوف تقدرين على التعامل مع مشكلتك , أنتِ لن تنحصري بزاوية تبكين ماذهب , أليس كذلك ؟!.
التفت نحوه فإذا به قد رقت نظرته , همهمت بتعب و بكل ما أفكر فيه : ...والدي !.
تنهد الطبيب و قال : والدك متماسك تقريباً , لكني يجب أن تريه أنك قوية فسيقوى هو ... تفهمين ما أقول صحيح , أنت فتاة بالغة و ذكية في الخامسة عشرة من العمر. 
_ في السابعة عشرة !!. ’, رفعت أحد حاجبي وأنا أصحح له ببرود غريبة اجتاحت صوتي.
أومأ و قال وهو يهم بالخروج : فتاة طيبة , سأراك غداً . 
لم يأتي أبي لزيارتي اليوم و بقيت في الفراش بلا حول و لا قوة ~ أحدق بقدمي فقط !. لن تتحرك مجدداً , ترقرقت الدموع لاسعة عيني لكني لم اسمح لها بالنزول , رأيت مستقبلي و كان مظلماً قاتماً لا أدري له طريق ... شعرت بأنه هوة وحفرة عميقة ... 
لقد ضاع كل شيء ... آمالي , و مستقبلي و أمي ... والآن ماعساه يكون والدي .. 
وجيني الصغيرة لن تتذكر أمها أبداً... 

اشارات من نوع آخـر ! 
في اليوم التالي أتى والدي وبين ذراعيه , "جيني" الصغيرة ... احناها أبي فوقي فقبلتني على وجنتي و ضممتها أنا بذراعي... 
تلمست وجهي وهي تتمتم بشيء لا افهمه , هل تواسيني هذه الطفلة ؟!.
قبلتها بحب و كدت أبكي لكني تماسكت , أبي هنا و جيني تشبه أمي كثيراً... أنا لا أريده أن يتذكرها ! , لكن ؛ لقد مر شهران طويلان ... 
شهران من حياتي لم أكن فيهما حقاً !.

همست بقلق بعد أن أستقر فوق الكرسي وجيني بحجره : أبي من .. يعتني بـ "جيني" ؟!.
تنهد ببطء وهو يمسح على يدي و بذراعه الأخرى ثبت جيني فوق ساقه , رد بهدوء شديد : السيدة لويز تساعدني. 
حركت رأسي قليلا باتجاهه , و قد بان على وجهه الشحوب و التعب و قد غارت عيناه الزرقاوان بين دوائر رمادية , لقد مر بوقت عصيب ...
تأوهت بأنفاسي و اعتصر قلبي عندما تذكرت عاهتي ! , و الآن أنا أيضاً سأزيد العبء عليه ...
حاولت كتم دموعي بصعوبة و قتال , و أنا أنطق بارتجاف و صوت خافت : آسـفة !.
رفع عينيه إلي و قال متعجباً متعباً : ماذا قلتِ حبيبتي ؟!.
عضضت شفتاي المتيبسة و قلت بتعب وأنا أزفر الحرارة التي اجتاحتني : آسفـة أبي ! , لقد .. ذكر الطبيب أني ... و لكن... عجزي...!
أمسك بيدي بقوة و قال مقاطعاً : توقفي عن الكلام كلآرآ ! , مالذي تتفوهين به وكأنك كنت تقدرين على تغيير شيء ! , إن ما حدث قد حدث و انتهى !... 
علينا... المضي للأفضل فقط... أتسمعينني ؟!".
شهقت و دموعٌ حارة تسيل على وجنتيّ : أنني لن أقدر على المشي مجدداً , آ آه ه... 
وضعت يدي على وجهي كي أغطي شيئا لا أعرفه ! , ربما شعوري بالخزيّ لأنني سأكون رغما عني شخصاً آخر بعاهة و يسبب الثقل و القلق لمن حوله ... 
لا اقدر على رؤية أي جانب مضيء و لو بشكل باهت ! , كان كل شيء أسود ...مؤلم !!. 
ضغط على يدي و مسح على شعري وهو يقف نصف وقفة بسبب جيني التي تضايقت أيضاً بسبب الجو ,و أخذ والدي يهدأني و يمسح علي بحنان 
بعدما هدأت و مسحت وجهي بالمناديل التي بجانبي .. عاد للجلوس . 
قال بهدوء و تفهم : يا طفلتي ,ما بك قد هولت الأمر , كل شيء سيكون على ما يرام , و من قال بأنك لن تستطيعِ المشي ! , أنتِ ستستخدمين عكازاً فقط .. 
و تذكري بأن المعجزات تحدث و أنك فتاة قوية لا تضعف هكذا .. "
ناولني كأس من الماء فجرعته كله و تنهدت و أنا استريح , ربما البكاء و التصريح بما في القلب اراحني . يجب أن أتحمل و أن أكون قوية لأجل والدي وأختى الصغيرة .. 
انتهى وقت الزيارة مع الأسف سريعاً و خرج والدي بعدما عانقني و قال بأنه سيتصل كثيراً ... و بالفعل لم أكن أنام إلا على صوته , 
شعرت بالأشفاق والغضب على نفسي .. كنت كالطفلة الصغيرة , كان يجب أن أتماسك و اؤمن بقلبي أني سأكون بخير ... 
مر أسبوعين و أنا في العلاج بالأدوية , حتى كانت ساقي اليسرى قد عادت لطبيعتها بعض الشيء وظهري كذلك , لكني أشعر بالغصة دوماً عندما أنظر لساقي اليمنى التي بلا حياة ...
قالوا بأن وضعها كان سيئا و رهيباً ولكن أعادوا شكلها الطبيعي في النهاية ... حمدت الله كثيراً ... 

في محاولتي الأولى للوقوف كدت أموت ألماً و لا أدري مالسبب , جسدي كله ينهار لم أقدر على التماسك , شعرت بأنني كإناء زجاجي مكسّر لكنه
محافظ على شكله و عند أي لمسه ستسقط اشلاؤه !... كنت ارتجف كورقة يابسة بمهب الرياح الباردة...
قال والدي مشجعاً و كان بدون جيني , بينما الممرضة و الطبيب معيّ يمسكان بذراعي 
_ هيا حبيبتي ستفعلينها...
وضعوا لي العكازين تحت ابطي , و كنت ارتعد و كأنني ممسوسة بالكهرباء... شعرت بألم رهيب في كل عظامي.!
قلت بصعوبة ارتجف : لـ..لا .. , لا أقدر... إن عظامي... تـ..تتفتت !!!
شجعني الطبيب بلطف : كلا عزيزتي هذا شعور يمر سريعاً .. لأنك لم تقفِ مدة طويلة , هيا ثبتي قدميك على الأرض و اقيمي ظهرك ما استطعتِ .
حاولت فعل ما قال صدقاً , لكن ألم رهيب كالنار يسري في عظامي و لم أشعر بقدمي اليمنى قط !! فكيف أثبتها ><؟؟ بينما الأخرى تؤلمني بشكل مستمر...
تماسكت و تنفست مرات عدة بقوة و يدي من شدة أمساكِ بالعكاز أشعر بأنهما تيبستا كخشب قديم .. همست لي الممرضة بأني أقوم بعمل جيد...
لكني لا أرى أي عمل قمت به >< ؟!.
وقفت فقط بثبات عندما... رأيت نظرة القلق الشديد في عيني والدي ففعلت هذا بكل قسوة على نفسي , لكني سمعت طقة في مكان ما بجسدي آوه cheeky !!.
تبسموا لي جميعاً و لم يكن يهمني سوى بسمة أبي , لقد فعلتها و وقفتُ وحدي ... 
قال لي الطبيب بمرح : الآن يمكنك الجلوس !.
حدقت به بعيون زائغة وعرق يتصبب ! , بعد كل ما فعلته و الألم !... يقول لي ببساطة عودي للجلوس !!! , فليحمد الله أن كلا يدي مشغولتان عنه !... 
جلستُ ببطء و زفرت مرتين بقوة و والدي يرتب علي و يقبل رأسي يشكرني ... 
ظللت أحاول أياماً طويلة مؤلمة , و مر علي أسبوعين , تعجبت من طول مكوثي بالمشفى , سألت الممرضة عن التكاليف ..
قالت لي ببساطة أن أبي من يدفعها بالطبع ! , فكرت بتعجب من أين لأبي بالمال لدفع كل هذا , لقد أمضيت ثلاثة أشهر تقريباً...
و اخيراً اتقنت المشي قليلا مع عكاز واحد مخصص لقدمي التي لم تنفك عنها الجبيرة بعد بسبب تقطع بالألياف .. ولكنني استطيع الخروج و أن علي العودة في المواعيد المحددة لأجل التمارين فقط و الفحص الدوريّ... 
أخيراً نزلت الدرجات البسيطة مع والدي الذي كان يريد حملي لكني رفضت بقوة , و تكفل عامل ما بجلب حقيبتي .. أجلسني بالسيارة و أخذ يحاول مساعدتي في ربط الحزام ,
قلت معترضة : أبي !! , إن يدَيّ بخير !!.
_ آوه آسف صغيرتي !.
جلس بسرعة في مكانه و انطلقنا نسير , كانت السماء ملبدة بالغيوم و على وشك المطر , لقد أقبل علينا الشتاء البارد و شعرت بالضنى و التعب من كل شيء , قالوا بأن علي تغيير نمط الكثير من الأشياء بحياتي !. و أنني يجب أن أتأقلم مع وضعي مهما كان .. و شعرت بالحزن على نفسي , أنني من النوع الذي ييأس لكن ليس كثيراً , أنما أستغرق وقتاً بداخلي كي اجد السلام الحقيقي .. 
أما الآن فأنا اتظاهر بأن كل شيء جيد ! , لكن .. هناك مصاعب حقاً و حالتي النفسية عند أي ضربة ستنهار !. 
فكرت بأسى من سيساعدني في ارتداء ملابسي , و استحمامي و خروجي ودخولي و صعودي .. آه أنا لا أريد هذا قطعاً , أريد أن أساعِد لا أن أُساعَد !. و والدي من المستحيل أن أطلب منه بعض تلك الأمور الخاصة ~~" .كما أنه قلق جداً عليّ و ينظر إلي بعمق و كأنه يفكر بالمصاعب القادمة مثلي .. فهو شخص أيضا أقرب للشك و للحذر, أنه لا يثق بالحياة ! , و أحينا يتصرف بشكل غريب تجاه الأشخاص الأخرين , بشكل غير وديّ , كم مرة سمعت بأنه يتشاجر مع زملاء بالعمل وهو دوماً من يبدأ باللكم ! ؛ لأن أكثر شيء يثير غضبه الكلام البذيء , أنه لا يتحمله , .. عرفتُ من زمن أنه تزوج أمي عن حب من كان يظن !., هذا أبي "جاك " ... 
أما الآن و أنا أرى خطوطاً تحت عينيه الزرقاء الداكنة و هالات رمادية و حول شفتيه قد رسم العبوس و القلق علاماته , تنهدت بخفيه وحزن. 
_ إلى أين ....؟! 
حدقت بالخارج و لاحظت بأن أبي يقود في طرق أخرى غير طريق منزلنا !.
تردد بشكل واضح .. ثم نطق بتلعثم وهو يلتفت بعيداً : آه , استأجرت غرفً و.... 
هززت رأسي غير واثقة و قد انتابتني حالة ارتجاف وبرودة , تعثرت أنا أيضا بقولي : ما... ماذا حل بمنزلنا ؟!.
نظر نحوي لثوان وكأنه فزع من السؤال .. ثم ركز على الطريق بسرعة وعينيه تطرفان كثيراً , قال وهو يحاول ترطيب شفتيه الجافة : حسنا لقد بعته ! , أجل .. وفي الواقع كلآرا سوف أخبرك مالذي حدث... 
قلت بسرعة وحاولت أن أكون هادئة بالرغم من أن قلبي تضخم ليسد حلقي : بعت المنزل لتسدد تكاليف المستشفى و العمليات صحيح ؟! , و... 
قاطعني ببرودة غريبة : أنتِ أهم من كل شيء بالطبع , و يجب أن تنجي و تستردِ صحتك... 
قلت بحسرة اكافح الدموع : لكن أبي .. المنزل كله ذكريات ! و أمي كانت... 
تأوه بألم و تعب وهو يصر على أسنانه : الذكريات بالقلب و المنزل ذاك لا فائدة منه أنه كبير ... هلا نسيتِ أمره ..لقد استأجرت غرفاً بالطابق الأرضي إلى أن ننتقل ...
تعبت من النظر إليه وهو يقول لي كل هذه الأمور المفاجئة , أغمضت عينيّ وحاولت الاسترخاء لكن جسدي متشنج جداً !. 
همست بهدوء بعد ثوانٍ : ننتقل إلى أين أبي ؟!. 
_ إلى الشمال بمنزل جدك "براين" أنه ملك لي الآن ولكني بعدما فقدتُ وظيفتي يجب أن أجد شيئا هناك و شخصا يعتني بكما و...
قاطعته بهدوء كاذب وأنا لا أزال مغمضة العينين : أبي أنا يمكنني الاعتناء بنفسي و أكثر . لا أريد أن أكون عبأ عليـ....
أوقف السيارة فجأة جعلني ارتد قليلا للأمام .. التفت إلي قائلا بحده خافتة : مالذي تتفوهين به ؟! , أنتِ ابنتي و لستِ عبأ , لا أريد سماع هذا الهراء ؟!, أنا أعلم بأنني ربيت فتاة قوية و ذكية و أنك تقدرين على تدبير أمورك , نحن فقط نريد تغيير هذه الأجواء .. لقد تعبت من هذه المدينة اللعينة !. 
و نزل من السيارة , لاحظت بأنه توقف أمام منزل كبير قديم الطراز تقريباً ,لكنه جميل ,فتح لي الباب و نزلت بحذر و كما نصحني الأطباء أراقب قدمي اليمنى أن تثبت لأنني لا أشعر بها و كنت ألبس حذائاً طبياً رياضياً خاصاً بمقاس كبير لأجل جبيرتي ... 
أخرج والدي حقيبتي من الخلف و أنا واقفة انتظره ثم سرنا معاً في الممر العشبي , قال : صاحبة المنزل هي السيدة لويز...
فتحت الباب امرأة عجوز مبتهجة بين ذراعيها "جيني" الصغيرة الهادئة ... ابتهجت الطفلة وهي تراني و التمعت عيناها .. تبسمت بشكل باهت و السيدة تمسك بذراعي و تقبل وجنتي بحنان بالغ , لم أطق فقط نظرة الشفقة التي رمقتني بها في البداية بعدها أخذت تنظر لي بشكل أكثر تقديراً...
_جئتم تماماً على وقت العشاء ! , لاشك بأنك جائعة حبيبتي ! ,سأريك غرفتك حالاً ثم سنجلس بالصالون حتى أضع الطعام .
أومأت لها و أنا أخفض رأسي وأهمس : شكراً .. 
_ يا عزيزتي لا تخجلي .. تعالي معي.. 
كنت اراقب قدمي عند العتبة الأخيرة و لست خجلة ~~" . أخذ والدي جيني بين ذراعيه و أنا اسير بحذر خلف السيدة الحنون التي حملت حقيبتي التي لا تحمل الكثير, كان منزلها رائع جداً واسع و دافئ الأثاث و الأضاءة .. أتسكن لوحدها ؟! , لم يقل أبي شيئا... 
فجأة تحدثت و كأنها تعلم أفكاري : ابنتي مخطوبة تسكن معي لكنها في رحلة عمل هذين اليومين , مع الأسف اخبرني والدك بأنكم راحلون غداً .. 
حدقت بعينيها الصغيرة العميقة وهي تفتح لي باب الغرفة و تمشي قليلا لتضع حقيبتي فوق أريكة صغيرة , تمتمت بالشكر و أنا أتجول بناظري في الغرفة الجميلة الواسعة ..
السرير كبير جداً و فجأة راودني القلق من ارتفاعه و شعرت بالغصة ..
قالت السيدة برقة وهي تمسك بذراعي : كانت لدي خادمة لكنها بإجازة اليوم مع الأسف , لكني سأساعدك في تبديل ثيابك و سأريك الحمام إن أردت أن... 
قاطعها بخجل و أنا أهز رأسي : لا , شكراً .. لقد تعلمت بالمشفى ! , أنا أدير أموري جيداً جداً... 
حدقت بي لثوان وكأنها غير واثقة من جوابي , سمعت صوت أبي قادما يهتف : " كلآرا حبيبتي هل انتِ هنا ؟! ".
كدت اقول " و أين عساي أكون ~~ ". لكنها طريقة والدي في استئذان الدخول .. 
أطل برأسه و شعره البني الداكن كشعري , قال بشك وهو يرمقني بدقة عل هناك شيء ناقص بي : هل كل شيء بخير ؟!.
قلت بسرعة قبل أن تنطق العجوز شيئا : كل شيء بخير , سوف أبدل ثيابي بنفسي , السيدة لويز كانت ستأتي إليكم الآن.. 
ضحكت العجوز بخفه و عبس أبي , تفحصني قليلا بنظرته ثم أومأ وغادر .. 
_ آه كم أنتِ فتاة طيبة , أسأل الله أن يزيح عنك همومك و مصابك يا صغيرة , هيا سنتناول العشاء خلال نصف ساعة. 
و خرجت بهدوء لتغلق الباب خلفها بعدما تبسمت لي ... سرت لحقيبتي و اخرجت ثوباً طويلا داكناً لمنتصف ساقي و بلوفر أسود صوفي لأني كنت اشعر بالبرد , جلست بتعب و بدلت ثيابي و جمعت شعري برباط خلف عنقي بسرعة ثم نهضت و سرت ببطء نحو الباب و طقطقة العكاز على الأرض الخشبية اللامعة تزعجني , شعرت بأنني امرأة عجوز ضعيفة ..
سرت خطوتين بالممر و سمعت أصوات بالردهة التي ممرنا منها , أطلت برأسي فوجدت والدي جالس معه كأس شاي و جيني نائمة مغطاة بجانبه والعجوز جالسة على أريكة مفردة , عندما رأني أبي نهض . كرهت هذه الحركة بشدة... 
اقتربت منه وأنا أسير نحو أقرب أريكة , قلت ببرود : سأجلس فقط , هلا رجعت لمكانك !.
كان متجهماً أيضاً , عاد للجلوس ظلوا يراقبونني حتى استقريت فوق الأريكة , ونظرت نحوهم بتحدي وحدة خفيفة ... سكبت لي العجوز بعض الشاي و هي تتبسم بلطف , 
ثم أخذت تحدثنا بعض الوقت , بعدها نظرت للساعة و نهضت لتقول 
_ سأضع سفرة العشاء الآن , لقد اقتربت السابعة.

نظرت نحو أبي بعدما ذهبت السيدة لويز .كان شارد الذهن ينظر إلى الفراغ .. وبقيت فترة حتى بادلني النظر رفع حاجبه و قال بهمس 
_ هل أنتِ بخير ؟!.
_ أجل .
_ سآخذ جيني لغرفتنا و سأعود الآن. 
وقف ثم انحنى فوق الصغيرة و حملها بغطائِها و سار بهدوء خارجاً , بقيت دقيقة بلا تفكير حتى عاد , ابتسم بوهن و جلس قربي , 
قال بلطف : سنغادر غداً فجراً بالطائرة !.
حدقت به و معدتي تتوتر , لم أكن أظن بأن المسافة ستكون بعيدة ... قلت : بالطـائرة ؟!.
_ أجل , ثلاث أو أربع ساعات ربما , أأنت قلقه بشأن اصدقاءك ؟!.
قلت بلا مبالاة كبيرة : أني لم أرهم منذ بداية العطلة !. و حتى بالمستشفى .. 
زفر بهدوء ثم قال : جيـد ! , فهم لا يعجبونني على أية حال ..و المدرسة قد بدأت قبل شهر ربما...
و أخذ ينظر بعيداً مفكراً , أما أنا فكأن صاعقة ضربتني ! , المدرسة !! , لقد نسيت أمرها كلياً .
قلت بتوتر : هل سأدرس في... أكمل بـ....!
أومأ وهي يتأملني بحنان و وضع ذراعه حول كتفيّ , قال بلطف : بالطبع صغيرتي , سيكون كل شيء بخير , لمَ تفكيرك سوداوي هكذا و يائس ؟!.
كدت أقول " أني اتحدث عن الوقائع " لكن دخلت السيدة لويز و قالت بمرح : العشاء جاهز . 
بعدما تناولنا العشاء الشهي سرت للغرفة و والدي و السيدة لويز خلفي و كأنهم حرس ... شعرت بالغيض المكتوم ><...
قلت ببرود و أنا التفت نحوهم : هل يمكنني النوم فقط وحدي ؟!.
و أنا احدجهم بنظره باردة , هزوا رؤوسهم و قالت السيدة : آه , آه بالطبع !.
قال أبي بتوتر وهو يعبث بشعره : حسـنـا !.. ربما تحتاجين شيئـ....
قاطعته و أنا أحاول أن أكون لطيفة : لا احتاج لشيء بابا , شكراً , تصبح على خير...
واقتربت منه لينحني هو كي اقبله بين عينيه ليطمئن , دخلت الغرفة و ارتميت على السرير لأنام بعمق . 
بعد ساعات من النوم المتقطع و المتقلب , شعرت بأحدهم يدخل الغرفة , ليرفع الغطاء فوقي و يقبل شعري , تنهدت بتعب و عيناي مغمضة و ثقيلة .. 
_ أبي , جيني ؟!. 
_ جيني نائمة حبيبتي , نامي الآن. 
صوت أغلاق الباب , ثم صمت ثقيل , وبعدها , رأيت شيئا ربما حلم لكني لست واثقة من أنني نمت بهذه السرعة , لا أدري لكني واقفة في وسط منزل مظلم ,
بل شديد الظلام و الضوء الخفيف يأتي من النوافذ الزجاجية , ربما أنا في ردهة ما ..! 
رأيت الأرائك حولي و هناك منضدة عليها صورة ما يلمع زجاجها ... اقتربت و رأيت صورة فتى صغير ربما في العاشرة و الصورة قديمة جدا و ألوانها باهتة .. 
كان الصبي يضحك و يلبس بدلة رياضية , بين يديه كرة صغيرة و خلفه أشجار كبيرة ... 
فلتفت فجأة و رأيت والدي واقف في طرف الغرفة وقد كان ينظر بعيدا من النافذة كأنه يراقب شيء ما , وبدوت أنا أختفى في الظلام وكأن الحلم ينتهي , 
لكن قبلها رأيت ظلا شخص غريب طويل جدا عن المعقول . يقترب من خلف أبي بتسلل وكأنه خرج من زاوية ما ,ويرفع شيئا حاداً , كان على وشك أذيّة والدي...!!!
صرخت بقوة : أبــــــــــي !!!. 
نهضت بسرعة قافزة من السرير دون وعيّ أريد القيام لكن سقطت على وجهي مصدرة ضجة ! , تأوهت و أمسكت بساقي الملفوفة التي تصاعد الألم فيها بشكل غريب 
فتكورت على نفسي , سمعت أصواتً ثم فتح الباب و ظهر والدي و السيدة لويز !.
أتى نحوي فزعا بعدما ضرب أزرة الإضاءة و ركع بجانبي وهو ينظر نحوي بقلق رهيب و يلمس ساقي بتردد خفيف قال بخوف 
_ مالذي حدث ؟! , سمعت صراخك هل أنت بخير ؟!.
تماسكت بشدة و العجوز واقفة قربنا قالت بتوتر : هل اتصل بالإسعاف ؟!.
إسعاف !! , حدقت برعب إليها ثم إلى والدي و قلت بسرعة : لا لا أبي أنا بخير !! , لقد .. كان كابوساً الذي جعلني أصرخ ثم حاولت الوقوف وقد نسيت نفسي !.
حدق بي والدي مصدوما مرعوباً و نهض وهو يساعدني على الجلوس على السرير قال : ربما علينا أخذك لـ....
_لا , لا أنه حلم , أقسم بأنه لا يوجد ألم !. 
_ لقد رأيتك تمسكين بساقك ! لقد سقطت من السرير !. 
_ لا . أبي !! >< أنا بخير جداً لقد حلمت عنك ولهذا صرخت باسمك فقط !.
تدخلت العجوز بلطف وهي تقدم لي كأس ماء : لا شك بأنه مجرد حلم , و أن كنت بخير حقاً ستعودين للنوم. 
قلت و أنا أخذ كأس الماء متجاهله تحديق أبي : أجل ! , أجل سأعود للنوم , شكراً سيدة لويز !.
كان يحدق بي فزعا وعيناه واسعتان .. ثم هز رأسه .. قلت بسرعة وأنا أرفع الغطاء فوق : أني حقا بخير... 
اقترب مني و ضم رأسي وهو يقول : ياصغيرتي .. لا تخفيني هكذا مجدداً .. 
ازدرت لعابي و نظر في عينيه الزرقاء بعمق , كان الشعور قريباً جداً من الحقيقة ! , تقلص قلبي بخوف من احتمال أن يكون والدي بخطر , رباه لن أقدر على العيش بدونه... 
يا ألهي احفظ أبي...
فجأة ضممته فلف ذراعيه حولي يشد علي كي يشعرني بالأمان... همس ضاحكاً : يا صغيرتيلا يوجد ما يقلقك .
عدت للنوم , بقي قليلا جالسا عندي ثم نهض و غادر ... 
...في الصباح فتحت عيناي و أنا أسمع أصوات حديثهم , والدي و السيدة لويز و هم يتكلمون كثيراً و يسحبون أشياءاً ثم سمعت صوت ضحكات جيني و همهمتها .. 
رفعت جسدي قليلا و حدقت بالساعة ... السابعة صباحاً .. تنهدت و رغبت بالعودة للنوم لأنني لم أهنأ بنومي بالأمس كان متقطعاً و غريبا و انتهى بكابوس... 
فجأة طرق الباب و دخل أبي أعرف خطواته المنتظمة الطويلة , وقف قرب السرير و مسح على رأسي وهو يهمس :
_ كلاري حبيبتي هيا استيقظي ! , موعد الطائرة بعد ساعة تقريباً يجب أن تتناولي شيئا .. كلآرا ؟!.
قلت بنعاس : هل يمكنني النوم قليلا بعد ؟!. 
_هيا حبيبتي , يمكنك النوم لاحقاً .. أعرف بأنك مرهقة لكن هيا.. وإلا سوف استخدم جيني لايقاظك !.
فتحت عيناي و قلت بسرعة : لا , آه أنا مستيقظة !. 
ضحك برقة ثم قال وهو يتجه نحو الباب : سوف ننتظرك بالردهة عزيزتي لا تتأخري .
نهضت بتكاسل و حككت عيني كثيراً حتى افتحهما جيداً , أمسكت بالعكاز بجانبي و تحركت ببطء نحو الحمام , آوه سرت رجفة بجسدي , 
و شعرت بألم غريب في ساقي هذه ! , لقد قالوا بأن العصب تالف ! كيف إذن اشعر بالألم ؟!.... سأنتاول دواءاً مهدأ فقط إلى حين... 
كنت أحس بأن هناك أمر ما مخفي .. لا اقدر على تذكر الحادثة .. أو كيف أصبت , آه أغمضت عيناي فترة لكن لم أرى سوى السواد ... 
استحممت بشكل سريع و بصعوبة كنت أرفع ساقي و لا أمس اللفافات ارتديت بنطالا واسعاً من قماش ثقيل وقميص طويل و سترة خرجت 
وجدت السيدة لويز تقف بمنتصف الغرفة , حدقت بي و قالت بتوتر : لقد تأخرت .. جئت لأراك !.
_ أني بخير سيدة لويز , هل تأخرت حقاً ؟.
و نظرت للساعة كانت السابعة وعشرون دقيقة , آوه كيف تأخرت هكذا !. 
قالت بسرعة ونحن نتجه للردهة : لقد وضعنا كل المتاع بالسيارة بقيت حقيبة ثيابك . و جيني مستعدة جداً .
رأيت جيني في مقعدها الخاص تلعب بألعابها , تقدمت منها و ضممتها , صغيرتي اللطيفة وهي أخذت تنادي بـ"تاتا " كما سمتني من قبل ..
. جلست بسرعة على مقعد قريب و تناولت الإفطار على عجلة , قلت للعجوز التي كانت تدور حولنا : 
_ أين أبي ؟!. 
_ ذهب لشراء بعض الأمور من محل قريب , آه هاهو قد عاد ..! 
دخل والدي و هي يحيينا ثم تقدم مني و طبع قلبه على رأسي بينما اتناول الطعام ثم أخذ جيني من مقعدها وهو يداعبها قليلا قال 
_ يجب أن نذهب الآن حتى لا يعيقنا الزحام .
سلم جيني للسيدة لويز وهو يقول : سآخذ حقيبتك للسيارة كلآرا .
أومأت برأسي و أنا أشرب الحليب الساخن , ثم نهضت مستعدة ... لم نتحدث كثيراً ركبنا السيارة بعد وداع السيدة لويز التي طلبت منا زيارتها بأي
وقت نريد فوعدها والدي بابتسامة .. 
انطلقنا بهدوء .. في المطار كان هناك من ينظر إلي يشعر بالأسف أو يحمد الله على العافية ~~" لكني لم أبالي لهم وأبقيت نظري بعيداً عن كل شيء .
حمل والدي جيني وأنا أسير قربه وهناك عامل يساعدنا في الحقائب, و صعدنا الطائرة لأجلس قرب أبي و الطفلة بتحفظ شديد .
همس والدي بهدوء : أتحبين أن تجلسي قرب النافذة .
كانت معدتي تفور بتوتر رهيب فهذه المرة الثانية للسفر بالطائرة و كنت أشعر بالدوار و النافذة ستزيد الأمور سوءاً .. 
هززت رأسي نفياً وبقيت جامدة , كتمت شهقة عندما ارتجت الطائرة و ارتفعت ... مضت ساعة ثم داهمني النعاس .والدي يداعب جيني بهدوء حتى نامت هي و جلبت المضيفة بعض
الوسائد لنا .. أغمضت عيني و غرقت بنوم متردد و متقطع فتارة افتح عيني و أرى أبي يشرب , و مرة يقرأ .. و مرة جيني تبكي حتى يهدئها أبي ... 
تأوهت بضيق وبدأت ساقي توخزني بألم مستقبلي !, ربما حان وقت المسكّن ..
فتحت عيني و همست لأبي بتعب : أنني... 
و سكتُ لأنظر إلى الأسفل بخجل , رأيت وجهه المرهق جداً وهو لم ينم جيداً أيضا . قلت مغيرة جملتي : اعطني جيني قليلا... 
قال بتردد طفيف وهو يرمقني : حقا ؟! .
_ أجل , و أشرب بعض العصير .. أنا وجيني سنتحدث فقط .
ابتسمت لطفلتي الجميلة و أنا أقول : هاي حبيبتي , هل الطائرة تضايقك ؟ , جيني تحتاج لقبلة فقط .
و أخذتها أداعبها فوق ركبتي , بينما نظر إلينا والدي مطولاً , ثم همس لي : سأغفو قليلاً فقط حبيبتي ايقظيني عند أي شيء. 
أومأت له و ابتسمت بوهن لعله يطمئن , ففعل و وضع الكتاب على وجهه لينام قليلا , آوه والدي المسكين ..
أخذت أداعب جيني و قد هدأت قليلاً ؛ أخرجت بعدها علبة الدواء من حقيبة يدي وتناولت المسكن وبعض الماء ..
ثم استرخيت و جيني تلعب بسلسلة الحقيبة متجاهلة شخصي كلياً ... هذا يناسبني ^^" !. 
افاق والدي و نهض ليغسل وجهه سريعاً و يعود لكن بشكل مفاجئ جيني أخذت تبكي و تمد يديها له ! فأخذها معه قليلا و رافقتهما المضيفة ..
و أخيراً هبطت الطائرة و أنا أحبس أنفاسي .. 

ركبنا في سيارة أجرة إلى فندق صغير , يبدو بأن المسافة لا تزال طويلة .. عند الفجر جلب والدي سيارة مستأجرة صغيرة سوداء ركبنا بها و تابعنا طريقنا مع شروق الشمس ...
_ متى يمكننا أن نصل للمدينة ؟!.
سألت والدي بتعب من كل هذه الرحلات !. أجاب بهدوء و جيني نائمة في مقعدها الخاص بالخلف 
_ المدينة ؟! , نحن ذاهبون لبلدة قريبة بها منزل أبي بالتبني الذي تركه لي حبيبتي ! .
_ بلدة ؟!." كررت باستغراب و لم يعجبني هذا .. ثم قلت بضيق طفيف : قريبة من المدينة !.
_ آه , مسافة نصف يوم على ما اعتقد !. 
حدقت به و قلت بتوتر واضح : أبي ! .. أنها بعيدة للغاية كيف يمكننا الآن أن .. أن نتابع حياتنا هناك ؟!.
ألقى نحوي نظرة سريعة ثم عاد لتركيزه على الطريق الشبة مظلم فالشمس لم تشرق بعد .. 
_ أعلم بأن كل شيء مرهق بالنسبة لك كلاري ! , لكن صدقيني الهدوء و الطبيعة تساعد كثيراً ..
سألت بغصة : متى خططت لكل هذا ؟!. 
أطبق شفتيه بقوة ثم تنهد و قال بتعب : قبل .. اسبوع ربما. اهدئي يا عزيزتي سيكون كل شيء بخير وستحبون المكان.
زفرت بتعب و ارحتُ رأسي , همست بهدوء : هل.. تعرف أحداً هناك ؟!.
تردد ثانية ثم قال : اصدقاء لوالدي , لا اتذكرهم جيداً لكننا سنتعارف سريعاً .. سأبحث عن عمل مناسب قبل انتهاء المال و كذلك سأضع ملفك بالمشفى الذي لديهم حتى تتابعي 
علاجك عزيزتي , و كذلك ستدرسين اذكر بأن لديهم مدارس ممتازة وهادئة كما أنه سنعتني بـ ببرعمي الصغيرة تماماً و ستحيا بسعادة..!"
حدقت به مطولاً , هل خطط لكل شيء الآن فقط ! , أم أن والدي قد اخذته أحلام اليقظة بعيداً ...!!
قلت بتردد : مدرسة ! , آه لا أدري أعني.. أنا.. لستُ .. واثقة من قبـ... 
قاطعني بعنف غير مقصود : قبولك !! , بالطبع سيقبلونك و إلا سأرفع قضية .. ثم ألم أقل لا أريد الحديث عن تلك الأمور المتعلقة بالعجز أو النقص مهما كان !!.
قلت بعبوس : أنا لم أولد بهذا أبي ! , سوف أواجه مشاكل .. ربما أن بقيت اعتني بـ جيني و البيت و....
صرخ مصدوماً _ ماااااذا ؟!. 
و فجأة أتت سيارة سوداء أيضاً من الظلام مسرعة جداً أمامنا تماماً , صرخت برعب و أنا أشاهد ضواءاً أبيضاً يضرب عيني !!
انحنيت بشدة و ضممت نفسي و بيدي الأخرى قبضت على ذراع والدي بشدة وخوف ... والدي تمالك السيارة بقوة صدر صرير رهيب 
و شرار عالي ثم صدمة ما و توقف كل شيء ..

_ كلآرا !! كـلآرا حبيبتي !! كلارا....؟؟!. 
فتحت عيني برعب و أنا ارتجف .. لم نَمُت ؟!.

ضممت والدي بقوة اطمئن عليه أنه بخير .. مسح علي و قال بحنان : كل شيء بخير حبيبتي ما بك ؟! لقد انزلقت قليلا فقط لنصطدم بصخرة صغيرة , آآه كم أنا آسف .. أنا آسف وردتي لقد جعلت ذكرى التجربة تعود إليك... سامحيني !.
كدت أبكي لكني تماسكت بقوة و أنا أقول بارتجاف : بخير .. أنا بخير .. أبي...
استيقظت جيني فزعة و أخذت تبكي بصوت عالي , فلتفت والدي إليها... و رأيت من النافذة صاحب السيارة الغامقة يخرج و ظله الطويل يسرع نحونا ..
لم يصدم بالسيارة أنما افزع أبي الذي فقد السيطرة قليلا و أيضا كان هذا بسبب حديثي الأحمق إليه , يجب ألا أنطق بشيء أبداً في السيارة ...! 
. اقترب الرجل من نافذة أبي و قال بأسـف : هل أنتم بخير ؟! , آسف للغاية لقد كنتُ مسرعاً .. هل أنت بخير سيدي ؟!.
قال والدي بضيق وهو يهدأ جيني التي تبكي بحجره : نحن بخير , ربما نحتاج لمد الساقين قليلا...
قلت بتوتر و قلبي لا يزال يضرب بقوة : أبي أيمكننا أن نكمل...؟!
نظر نحوي والدي بتعب و جيني تسبب الصداع له و لنا كلنا حتى الرجل بان عليه الضيق وهو يقول بلطف : يبدو بأنكم مسافرون , ربما لو جلستم قليلا ترتاحون .. 
قال والدي ببرود وهو يتفحص الغريب : نعم مهما يكن , شكراً لك .
قال الرجل برفق وهو يخرج بطاقته : أنا أدعى فرانس , الدكتور لوك فـرانس. 
حدق والدي بتركيز متعب في بطاقته بينما تأوهت بضيق شديد و اخفيت العكاز الذي بجانبي ليراودني فجأة شعور باختناق رهيب ..
تحدث والدي بصدمة فاجئني : فرانس ! , أنت ابن جورج فرانس صديق والدي براين موند ! .
حدق الرجل غير مصدق و مد يده ليصافح أبي بسعادة وهو يقول : أذكرك و أذكر السيد براين !! آآآه كم هذه مصادفة رائعة !!.
شعرت بأنه سيغشى علي حتماً , صديق والدي القديم ... طبيب !! ... بل هي مصادفة من الجحيم !!
هذا ما ينقصني بالضبط ! , راودني كره شديد تجاه الرجل الذي يضحك .
قال والدي متأسفاً : آه هذين ابنتايّ كلـارآ وصغيرتي جيني ..!
ضحك الرجل بسعادة وهو يقرب وجهه قليلا مبتسما كانت ملامحه جميلة و طيبة جداً وهو يمد يده ليصافحني... 
مددت يدي بضيق و قال هو بمرح : اهلاً كلآرآ .. يالك من شابة جميلة ! 
همست بتوتر وعيناي متسمرتان عليه : شكراً .
_ آه ابنتك من النوع الخجول مثلك , ماذا عن جيني .. مرحباً يا ألطف كائن صغير !.
وضحكت جيني بسعادة وهي تلمس يديه , آه جيني أنها تسحر كل الشبان الوسيمين على عكسي !. 
حسدتها لثانية ثم كتمت ضحكة ساخرة على نفسي !... قال والدي بمرح : إذن لنخرج قليلا كي نمشي .. ما رأيك كلآرا ؟.
حمداً لله أنه تذكرني فقد شعرت بالنبوذ فجأة ! , لكن قلت ببرود لم أقصده : لا أريد الخروج...!
حدقوا كلهم بي حتى جيني , همس والدي وعينيه تبحثان عن العكاز وكأنه فهم ما يحدث : آه ! سوف نتمشى أنا و لوك هنا و معي جيني اخرجي قليلا حبيبتي !.
قلت باقتضاب : طيب !." و أنا لا أنوي الخروج إلى الأبد !. 
مشوا قليلا مبتعدين ولكن قبلها رمقني الرجل بفضول ممزوج بالعطف . 
تنهدت و أنا أرهم يقفون قرب سيارة الرجل الطبيب و شعرت بأن كلا ساقي تؤلماني بشدة ففتحت الباب بصمت و وقفت
بلا عكاز مستندة بشدة على الباب ..ظللت بمكاني صامتة كالفجر الذي بدأ يتسلل .. بدأت أحرك ساقيّ ببطء و أنا بمكاني ثم الأخرى و دلكتها بيدي .. 
فجأة اقتربت صوت خطوات , ثم صوت الرجل رقيق وهو ينطق : هاي كلآرا ! , أليس الفجر جميلا ؟!. 
ظللت منكسه رأسي ..أدلك ساقي التي لا أمل بها و قد اختفت لفافاتها تحت بنطالي الأسود الواسع... 
تابع بمرح خفيف وهو يتكأ بجانبي : الجو دوماً جميل متأكد بأنك ستحبين البلدة !.
قلت بخفوت : بالطبع سأفعل أن أحببها والدي . 
و كنت أتساءل برعب أن كان أبي قد ألمح له شيئا ما...! , نظر نحوي بلطف وقال : منزل جدك بالقرب من منزل والديّ , بالطرف الآخر بينما منزلي أنا وزوجتي و ابني بالطرف الآخر للبلدة قرب المستشفى !. 
توترت بشدة و غص حلقي لذكر كلمة مستشفى ! , قلت ببرود أغير الموضوع : ماذا عن المدرسة ؟!.
_ المدرسة في منتصف البلدة . هي تجمع الاعدادية و الثانوية بجانبها مدرسة المرحلة الابتدائية. 
أومأت برأسي و نظرت نحو والدي وجيني التي وضعها على الأرض المعشوشبة لتمرح الصغيرة تحت الضوء الخافت .
نظرت للرجل جيداً , شعر بني داكن ملامح وسيمة عينان بنيتان فاتحتان يبدو أصغر من والدي بسنتين أو ثلاث ..
ابتسم لي بسحر و قال : لنتمشى قليلا .. 
قلت باقتضاب : أبعد سيارتك عن الطريق !. " كنت أنوي قول ابتعد أنت عن طريقي !!. 
_ لن يمر أحداً من هنا الآن ؟!, تبدين لي دفاعية جداً , هل كل شيء بخير عزيزتي ؟. أكان هذا بسبب الحادثة قبل قليل ؟!.
هززت رأسي نفياً و صوت طنين يزعج أذنيّ . آه كنت فضة و مريبة !.
ثم نطقت بهدوء وأنا اتمسك بالباب بقوة لفتت انتباهه : سأعود للجلوس !.
قال بسرعة وهو يتحرك بوقفته : لا من الجيد أن تمشي قليلا ! , والدك أ.. أخبرني !.
حدقت به بسرعة و ابعدت عيني , قلت بحده خافته : قلت لا أريد...
_ كلآرا .. أنا أعرف أنه هذا جيد لك .. أنني طبيب عظام وأربطه !.
زفرت بقوة واضحة أمامه أبين تعاسة حظي ! .. قلت و أنا أهز رأسي مما جعل شعري الداكن يتحرك : لا أريد فقط .. 
_ أنتِ لم تحبي الأطباء صحيح ؟! , أنظري سأغادر و أنتِ أفعلي ما تودين فعله !.
قلت بضيق : هذا شأني !.
_ ربما سنتقابل كثيراً ..
_ لا أظنني أحب هذا >< "... شعرت برغبة عارمة بركل ساقه , يالا الأطباء الفضوليين يعشقون كل حالة مرضية !.
ضحك بلطف وهو يقول : لست أقصد المستشفى ! , في المنزل ربما... 
قلت ببرود وعيناي تشتعلان شراً : أننا نحاول أن نبدأ من جديد !!.
قال برفق وحنان : وأنا أريد مساعدة... صديقي و عائلته .
_ لستَ تقوم بعمل جيد قبل قليل !. 
قلت بوقاحة ولم أبالي بوجهه المندهش , لكنه بسرعة غير ملامحه للطف وهو يجيب بأسف : أنا آسف حقاً ! , لقد حذرني جاك قبل قليل من التحدث إليك وأنت بهذه الحالة !.
و اظهر ابتسامه كبيرة , شعرت بالحرج ! , أبي سأقتله >< لولا أني أحبـه !.
_ أجل و أنا آسفـة أيضاً , لكن هل ستحاول معالجتي في مواعيدي بالمستشفى لاحقاً ؟!.
رفع حاجبيه كلاهما و قال بفخر : بل لن أسمح بأي طبيب بأن يقترب من ابنة صديقي ! , أنا من سيعالجك بالطبع ^^.
ليست هذه الأجابة المريحة التي انتظرها , همست بضيق شديد : إذن تحمل نتائج ردود أفعالي !.
ضحك بمرح و قال وهو ينفش مقدمة شعري مداعباً : هيا عزيزتي , اجلبي هذه العكاز لتسيري قليلا...
حدقت به و قلت بعصبية : لن أفعل . سأنادي أبي الآن لنكمل السير...!! 
قال بيأس خفيف : آه صحيح , حسنا كما تشائين , سأغادر أنا الآن أيضاً , إلى اللقاء. 
ابتسم لي و بدوري حاولت ان ابتسم لكني لست واثقة هل خرجت مني ابتسامه و غادر الرجل إلى سيارته .. بينما والدي يقترب سلما على بعضيهما و كل ركب سيارته , 
قال أبي بتوتر مخفي وهو يضع جيني بالخلف ثم يعود ليفتح باب مقعده : آه كلآرا ! , هل كل شيء بخير حبيبتي ؟.
_ أجل أبي . 
قلت كاذبة و أنا أشعر بالضيق من كل شيء... حتى منظر الفجر لم يرق لي بل داهمني النعاس بقية الرحلة .
. 
--- بعد ساعتين .
_ صغيرتي !, لقد وصلنا .. كلآرا .. هيا افيقي !. 
سمعتُ صوت والدي ففتحت عيناي بثقل و نظرت نحوه أولاً , كانت جيني بحجره وهو يقود بيد واحدة و قد أشرقت الشمس !
قلت بضيق : أبي كيف يمكنك القيادة و...
قاطعني بابتسامه : أنظري من النافذة لقد وصلنا !. 
نظرت بتجهم و رأت منزل ريفي جميل كبير , أكبر من منزلنا بالمدينة ! , تحيطه اشجار السرو و الصنوبر الضخمة المعمرة ! و هناك ما بدا لي غابة ربما .. تضايقت بدل أن أفرح ولا أدري لمَ .. لكني تبسمت بصعوبة لأجل أبي الذي يراقبني !. 
توقف قرب السياج الخشبي الجميل و المدخل الواسع , و قال مفكراً : استطيع الدخول بالسيارة !.
قلت محتجة : أبي ستقتل الحشائش !!.
_ هي ميتة أصلاً ..! " قال بلا مبالاة . 
و دخل بسيارتنا الفورد الصغيرة حتى توقف بنعومة قرب المدخل , و نظر نحوي متحدياً مبتسما... فكشرت بوجهه !
قال بحماس وهو يفتح الباب : سيكون هذا رائعاً , تعالي يا جيني لنترك اختك العابسة خلفنا !. 
فغرت فاهي بغضب ! مالذي تقوله ؟, صررت بعصبية و لملمت شعري المنفوش جراء النوم برباط اخذته من 
حقيبتي الصغيرة و عندما رفعت رأسي لم أجدهما ؟!. كان هناك فقط اصوات العصافير و خشخشة الأشجار .. رأيت ساعة يدي تشير إلى السادسة صباحاً...!
خرجت بسرعة و أنا اتكأ على عكازي , قلت منادية : أبــي ؟!. جيـني أين ذهبتما...؟!. 
مشيت قليلا قرب المدخل و أنا أحدق بالمكان حولي , أنه جميل لكن ..هناك أمر مفقود ؟! , و إحساسي بالضيق غريب...
استنشقت الهواء ثم سمعت أصوات ضحكات من الجهة خلفي .. التفت ومشيت إلى هناك و لحظتها سمعت والدي يناديني 
_ كلآرا نحن هنا نلعب تعالي !.
فتقدمت من جانب المنزل و رأيتهما يلعبون بالأراجيح الخشبية القديمة المتدلية من غصن كبير لشجرة سرو ضخمة في منتصف الباحة !..
كانت جيني تضحك ملء شدقيها !. 
قلت بتوتر : أحذرا .. ربما هذه الألواح الخشبية مهترئه !.
قال والدي ضاحكاً : هـراء ! , نحن نمرح تعالي إلى هنا !!.
و نزل ومعه جيني ليتقدم نحوي , وضع جيني على الأرض كي تعبث بالحشائش و قادني رغماً عني متجاهلاً احتجاجاتي...
أجلسني على الأرجوحة ثم التفت خلفي ,, كنت ارتجف بقوة , 
قلت بتوتر : أبـي... أبي أرجوك كن حذراَ . تعلم بأني اخشى الارتفاعات أبــــــ .. آآآه...!!
و دفعني بقوة عالياً , صرخت رعباً و أنا أضم الحبال و أغمض عيني بينما ضحكات جيني ترتفع ..
اوقفني بعد عدة ارجحات وهو يكاد يموت ضحكاً ... قلت بتعب : وتعلم بأني لا أحب الأراجيح والأشياء التي تدور !.
كان لا يزال خلفي داعب شعري وهو يقول : آه يالك من طفلة ! , جيني لم تصرخ مثلك !. هيا لنرى المنزل من الداخل...
ساعدني للعودة للعكاز الذي لا أقدر على الاستغناء عنه فأصبح كالسجن المتنقل .. 
قال بمرح وهو يشير إلى باب زجاجي قريب : هذا باب المطبخ ! لندخل من هنا . 
بالطبع رأيت النافذة الطويلة الزجاجية للمطبخ و كذلك بعض آنية الزهور على إطارها .. تنفست بعمق وحاولت أن استرخي أكثر ...
دخلنا من الباب و والدي يراقبني كيف اصعد العتبات فنظرت نحوه بحده لاحظني ليتصنع أنه كان يهتم بـ جيني ...!!
متى يمكنه الوثوق بي تماماً ؛ أنا لم أعد طفلة صغيرة بلهاء أني أريد أن أعتني بهم لا العكس !. 
كان المطبخ جميلا عملياً , و واسع الأرضية من الخشب الداكن اللامع و الجدران بيضاء ,الأرفف والأدراج بنية فاتحة و الطاولة الكبيرة بالمنتصف كذلك حولها خمسة مقاعد خشبية أنيقة !.
قلت متسائلة بينما أبي ينظر حوله بسعادة : من كان يعتني بالمنزل ؟!.
_شركة التأمين عزيزتي , آووه جيني تريد النزول .
وضع جيني أرضا لتحبو حولها بسعادة وهي تتمتم بكلمات مرحة , مشيت خلف أبي لنقف عند الباب الداخلي للمطبخ المطل على ممر الردهة الذي رأيت مدخلها الجميل المقوس ..
وآآو لم أظن بأن منزل جدي بهذا الجمال !. 
_ تعالي يا صغيرتي.
قال والدي وهو يحمل جيني مجدداً و يمشي داخلاً الردهة , قال لي :
_ هنا في الطابق الأرضي غرفة واحدة للضيوف لكني سأجهزها لأجلك عزيزتي هي هناك آخر الممر و حمام تابع لها بينما ننام أنا و جيني في غرفة في الأعلى ..
قلت بضيق طفيف : أنا أستطيع صعود الدرج جيداً جداً أبي , يمكنني تولي مثل هذا الأمر البسيط.
_ لكني لا أضمن الحوادث وأنا لا أريد رؤيتك تصابين بمكروه مجدداً , لا أنتِ و لا جين.
عبست من خلفه هذا هو أبي لا يثق بشيء... لكنه قال فجأة بمرح مقاطعاً أفكاري : أنها جميلة أنظروا ...
كان يقصد الردهة الواسعة ذات الأثاث الثقيل الثمين كما يبدو و التحف الخزفية الجميلة و المدفئة الحجرية الضخمة , نظرت حولي ,
النوافذ مقوسة كبيرة و رائعة تطل على منظر الغابة الجميل محاطة بستائر ثقيلة داكنة حمراء كلون الأثاث ... وكان هناك منضدة جميلة عليها بعض الصور الصغيرة.... 
وضع والدي جيني أرضاً لتستكشف بنفسها وهو يسير خلفها بمرح بينما اقتربت بنفسي ببطء نحو المنضدة .
ضيقت عيناي و طافت ذكرى سريعة بعقلي , أين رأيت هذا الوجه الطفولي الجميل و الملابس الرياضية و الأشجار من خلفه .. طرفت بعيناي , أكان حلماً ؟! , أنه يشبه أبي قليلا .. نفس التقاسيم الأنف اللطيفلم أميز لون العينين بسبب بهوت الألوان وقدم الصورة ... هززت رأسي و رفعته لأنظر نحو مصدر القهقهة الجميلة , رأيت أبي يحمل جيني و ينظران من أحد النوافذ...!
الآن تذكرت !! رباه ذلك الكابوس !!!. 
دارت بي الأرض فجأة و تماسكت و أنا أنظر نحو الجانب ! , من الممر الأخر خلف المدفئة حيث ظهر ذلك الشيء المخيف في حلمي .. الشيء الذي كان يحاول أذية والدي ! .
لم يكن هنالك من شيء !! , و الممر كان يؤدي لغرفة البيانو أو مكتبة صغيرة كما هي العادة .. 
استعدت قدرتي على الكلام و قلت بصوت هادئ غريب : أبي ؟ , هل جئت أنا إلى هنا من قبل ؟!.
التفت نحوي واختفت الابتسامة الجميلة ليحل محلها عبوس للتفكير العميق .. قال :
_ كنت في الثالثة أو الرابعة صغيرتي , لا أظنك تذكرين ؟!.
سألته بتوتر مخفي : هل كانت هذه الصور هنا ؟!. و صحيح من يكون ؟!.
اقترب مني بهدوء وهو يحدق بالصور المؤطرة , قال بهدوء : آه لست أذكر , أظنها كانت هنا حقا من قبل , آوه هذا جدك "براين" حبيبتي , ألا تذكريه ؟!. 
_ أن به شبه بك أبي , و لا ..آه لا اذكره كثيراً. 
لقد توفي جدي عندما كنت في الخامسة ربما , وهل جئت إلى هنا قبلاً ! , حقاً لا أذكر أي شيء... ربما كان ذلك الحلم شيء من ذاكرتي الغابرة !. 
ربما كان الظل الذي ظهر أو ما شابه فقط من تكوين مخاوفي ... الأنتقال أو تغيير البيئة ..! 
أدركتُ بأني فتاة ضعيفة بهذه الأمور ... أنا لا أطيق التغيير ~~" .. لكن غريب , جدي هذا هو والد أبي بالتبني ! ,وليس والده الحقيقي !!.
الريب أن هناك لمحة شبة بينهما... والدي لا يعرف أبويه الحقيقيين .. لقد كان في السادسة عندما تُبني ..! 
_ هذه هي غرفة البيانو , هيا لندخلها .. 
قال بحماس و اتجه بسرعة إلى هناك , مشيت خلفه بثبات وكدت أقول له بجدية : وماذا عن الحقائب في السيارة ؟!.
لكني لا أريد أفساد متعته و مرحه فهو نادر المرح !. 
رأيته يجلس على معقد البيانو الأسود الضخم اللامع و في حجره جيني و أخذا يلعبان كلاهما بمفاتيح الآلة بسعادة ليصدرا صوتاً مزعجاً ... 
لا أدري كيف هذا الصوت يفرحهما ><؟؟!! .
اقتربت و قلت بعصبية : اعزفا جيداً ! , أنتما تجلبان الصداع !.
ضحك والدي بمرح و ازاح لي ليقول : أجلسي حبيبتي , تعالي... 
فجلست بجانبه وأنا ابتسم ثم عزفت لهما شيء تعلمته و أخذت جيني تفسد علي بسعادة...
_ آآآع جيني >< , ابعدي يديك.. 
حدقت بي بعيون زرقاء باكية , فوبخني ابي وهي يقبلها مرضياً : كلاري , لا تصرخي على اختك !., هيا قبليها لترضى... 
قلت بعطف وأنا أمد يدي نحوها : آآوه حبيبتي أنا آسفة تعالي إلي...
فضممتها نحوي و قبلتها على شعرها الأشقر الناعم جداً ثم أخذنا نلعب معاً على البيانو بينما نهض والدي يتمشى حولنا في الغرفة , 
بعدها ذهب ليجلب الحقائب و أراني غرفتي في نهاية الممر , كانت جميلة و واسعة . أثاثها لطيف ..و تطل على الجزء الأمامي للمنزل حيث أرى سيارة أبي . 
جلست مرهقة على السرير مع جيني و والدي يدخل ليقول : يجب أن نستحم الآن جميعاً , ثم نتناول الطعام لكي ننال قسطا من الراحة فكلنا متعبون , حبيبتي تعالي لتري الحمام هنا. 
قلت بهدوء وأنا أرى الصغيرة تتثاءب : أبي ! , أني سأهتم بأمري جيداً . لا تقلق.
_ حسنا . أنظري سآخذ جيني أولاً للأعلى أحممها ثم أصنع لها زجاجة لتنام ثم أهبط لأطمئن عليك....
قلت غير مصدقة : أبي !!! , لست بحاجة لتطمئن علي !! أنا بخير. أرجوك.
أظنه فهم قليلا فقد توتر لثانية ثم اقترب ليحمل جيني و يقول بعطف : أجل حبيبتي , حسنا... سوف نصعد الآن...
و خرجا , بقيت أحدق بحقائبي قليلا ثم سحبتها لأفتحها و انتهي من هذا الأمر ... دخلت الحمام و كان مرتباً نظيفاً وليس به الكثير من الأشياء وهذا يناسبني 
, فهو حمام الضيوف دولاب واحد قرب المغطس و علّاقة مناسبة ... 
تحممت بسرعة و لبست ثوبا خفيفاً بلون أزرق رمادي قصير قليلا لمنتصف ساقي , من فوقه جاكت خفيف ...بدلتُ ضمادة قدمي بعناية ووضعت الجبيرة المثبتة
التي تفك وتركب كما علموني.. وعندما خرجت , وجدت أبي يحوم في الممر قرب غرفتي ... 
شعرت بالغثيان لا تقولوا لي أنه هنا لعله يسمع صوت اصطدام رأس ما أو سقوط جسد !!. 
حدق بي و توقف وهو يقول بخجل طفيف : أرى بأن كل شيء جيد .. حسنا سأذهب أنا لاستحم سريعاً لقد نامت جيني .. ثم أنزل لنصنع بعض الطعام لنا... 
قلت بلطف كي لا أجرحه : أجل أبي , سأجفف شعري ثم أنتظرك بالمطبخ .
ابتسم لي بوهن ثم غادر للأعلى ... فكرت بأن أصعد للأعلى للاستكشاف الغرف بأقرب وقت حتى أكون على دراية تامة . 
فأنا لا أحب أن أجهل أشياء حولي كهذه...

(( رؤية في ضباب ! ))


لم أجلس بالمطبخ بل أخذت أبحث في الثلاجة و الأدراج , يبدو كل شيء معداً , ربما طلب والدي من الشركة أن يشتروا الطعام... دخل أبي و صنعنا معاً شطائر كثيرة و حليب دافئ لي و شاياً له , رغم اعتراضي لكنه يحتج بأن الحليب مفيداً جداً لساقي و عقلي . لقد بدأت أشك بأن والدي يعتقد بأن الاصابة بعقلي أو رأسي أشد من ساقي و هذا جعلني أعبس كثيراً !!.
_ هيا إلى النوم !.
قال أبي بسعادة مزيفة , قلت ببرود و أنا أراقبه بدقة : لا أريد النوم الآن فالوقت ظهيرة !.
_ إذن إلى القيلولة !.
_ لمَ لا تذهب أنت ؟!.
قلت ببرود , فعبس ثم فتح فمه ليجادلني لكن جرس الباب رن فجأة ....
حدقنا ببعضنا بدهشة فنحن قطعاً لا ننتظر أحداً , ثم نظر أبي حوله و نهض ببطء , قال لي بهدوء : أبقي هنا...
مشى بصمت , ورفضت طبعا البقاء جالسة فسرت خلفه بأقصى حذر ألا يصدر العكاز صوتاً. 
فتح والدي الباب و ظهر رجل عجوز لطيف المظهر و .... صدمت ... الطبيب .. ذلك المزعج طبيب العظام ><...
قال لوك فرانس بمرح : مساء الخير ! , آسف لإزعاجكم لكن والدي ما أن سمع بقدومك حتى أصر على رؤيتك سيد موند ... هذا هو أبي جورج فرانس ..
قال الرجل العجوز بمرح وعيناه الفاتحتان تلمعان بسعادة : جاك !! , جاك براين موند.. لا تزال عصبياً تكره المجهول هاه... 
وصافح أبي بحرارة كبيرة وكان والدي سعيداً وهو يرد عليه .. قال الطبيب فجأة بمرح وهو يحدق بي : وهذه ابنته الكبرى الجميلة .. كلآرآ !.
و أشار إلي , ثم غمز بعينه ضاحكاً وقال : كيف حالك عزيزتي ؟!.
ارتبكت وتغير وجهي هذا حالي دائماً عند التعارف الأول لأي شخص .. لأن كلهم يحدقون بي باستغراب أولي .. 
كان العجوز يحدق بي بتركيز غريب , ثم قال بهدوء وعينيه ثابتتان علي: أنها جميلة بشكل ما , لكنها تشبهك جاك .. غير أن عينيها تشابهان عيني براين .. خضراء باهتة . عساها لا تملك صفاتك ..
بادلته التحديق باستغراب و توتر بينما هم يضحكون .. 
عيناي تشابهان جدي بالتبني ! , أنه يمزح بلا شك ...هذه مجرد مصادفة .. 
قال والدي بسعادة : أرجوكما أدخلا . أني على وشك إعداد بعض الشاي ..
قال الطبيب معترضاً بلطف : لا نحن آسفون على الإزعاج , نعلم بأنكم للتو وصلتم لكن والدي أحب رؤيتكم فقط .. 
قال العجوز جورج بلطف : نعم سوف نراكم في وقت لاحق , أرجو أن ترتاحوا .. منزلنا شرقاً على بعد ميل واحد فقط تقريباً...
أومأ والدي وهو يقول برقة : آوه حسنا إذن. 
ودعانا و غادرا إلى سيارة جميلة زرقاء داكنة , هي سيارة الطبيب بلا شك .. قلت بنفسي بأسى آآآه يا ألهي لا يكفيني فقط أنه طبيب و ينوي علاجي بل صديق قديم أيضاً و ينوي زيارتنا كثيراً >< ... أين يمكنني الهرب ؟!. لاشك بأنه وأبي سوف يجتمعان كثيراً و سوف يخبره بكل شيء عما أعاني وفي النهاية سيرتعب أبي كثيراً ~ 
اطمئن علي والدي عندما اصبحت في سريري و تغطيت كلياً فارتاح وجه ..
قلت ببرود : هل ستبقى طوال الوقت هنا تراقبني لعلي أسقط على وجهي !!. 
حك شعره بتوتر و دقال : لا , لم أنتِ غاضبة دوماً و منزعجة ؟... حسنا سوف أذهب و إلا ستحرقني نظراتك . 
غادر إلى الأعلى لينام قليلا . لكني لم أنم أخرجت كتاباً ما و جلست أقرأ بعض الوقت .. حتى غلبني النعاس رغماً عني ... ورحت في دوامة ثم ظلام . 
سمعت ضجيجاً , حديثاً و خطوات حولي , المكان مظلم عندما فتحت عيني بكسل ثم أغمضتهما شعرت بأحد يدخل الغرفة و خطوات قرب سريري , ثم صمت بعدها خرجت الخطوات بهدوء .. مؤكد بأنه والدي دخل ليطمئن علي !. أن باله غير مطمئن .. 
تحركت أكثر ثم جلست و حككت عيني , بعدما صفت الرؤية كان الوقت ليلاً و الساعة بجانبي تشير إلى السابعة ! 
ياه نمت كل هذا ... انصتُ بتوتر ... همهمات جيني و صوت أبي يحدثها .. تلفتُ حولي وجدت وعاء من الماء و كأس صغير ... بللت منديلي و مسحت وجهي ثم رتبت شعري و ثوبي ... 
خرجت إليهم بهدوء .. كانوا في الردهة و والدي يتحدث بالهاتف بينما جيني تلعب على الأرض بألعابها .. رأتني فسعدت بي و أخذت تناديني " تاتا .. تاتا ... " < فهذا اسمي عندها 
اقتربت منها و والدي يلتفت و ينظر إلي بينما يستمع للهاتف .. جلست على الكرسي ثم حملت جيني إلى جانبي .
أغلق ابي الهاتف , فقلت له : لمَ لم توقظني لقد تأخر الوقت .. 
هز كتفيه بشكل عادي ثم توجه للطاولة الصغيرة لاحظت أن عليها أبريق صغير من القهوة و فناجين , سكب لي فنجان و اعطاني ... قال وهو يجلس على أريكة مجاورة وبين يديه فنجانه :
_ اردتك أن ترتاحي فقط ..هل تشعرين بالألم ؟!.
هززت رأسي نفياً , فأنا لا أشعر سوى بالثقل وأنا أسحب قدمي هنا و هناك ..
سألت وأنا أرى جيني بشعرها المسرح وثوبها الأصفر الجميل رائحة البودرة العطرية تفوح منها .. 
_ هل أطعمتها ؟!.
_ وما رأيك ؟! , أأترك طفلتي الجميلة تموت جوعاً , هل ترينني أحمق كلآرا .
كان يسخر مني وهو ينظر نحوي باستخفاف وابتسامة !, واو والدي يجيد جيداً الاهتمام بـ جيني ربما أفضل مني ~~" ! 
_ سوف نزور المستشفى غداً صباحاً و كذلك جيني لأن لديها بعض التطعيمات .
آوه تأوهت بداخلي فاجئني قوله وعودته للجدية بسرعة , هل يجب هذا ؟! . رأسي يؤلمني من كل هذه الأجراءات .. لا أحب أن اسمع كلمة مستشفى فما بالي بالذهاب إليه كل فترة ~~. 
_ لا تنظري إلي هكذا , يجب هذا عزيزتي , و كذلك المدرسة سنضع أوراقك بها أن أردتِ حالاً .. أو تحبين أن ننتظر بعض الوقت...
قلت سريعاً : لا أبي , لا بأس بالنسبة للمدرسة أحب أن أبدأ قريباً. لقد تأخرنا كثيراً .. " لقد مضت ثلاث اسابيع على بدء الدراسة ! " 
حك والدي جبينه يفكر وعيناه الخضراء الفاتحة تضيق علي .. تردد وهو يقول : ربما .. تحتاجين مرافقه أو ...
رفعت حاجبي دهشة أهذا ما يفكر به ! , قلت بسرعة معترضة : لا احتاج لشيء أبي !. سأكون بخير !.
رأيت نظرة التفكير بعينيه مجددا , فقلت بأقصى هدوء أملكه بهذه اللحظة : يجب أن تصدقني أبي , سأكون بحال جيدة .. أني أتدبر أمري تماماً مادمت لن آتي للمنزل مشياً... أن أمر المرافقة شيء اعتبره سخيفاً و مبالغٌ به .!
رفع أحد حاجبيه فابتسمت له ولدهشتي ابتسم هو أيضا و قال بهدوء لكن بتردد خفيف : حـ...سنا عزيزتي , غدا سوف نذهب للبلدة .. 
أنا أعلم تماماً بأن حسنا هذه المختصة بوالدي هي لا تقصد "أجل" , بل حسنا سوف أرى لحين !. لكني هززت رأسي ... 
وفجر اليوم التالي كنت غافية تقريباً و ظننت بأني سأغرق بالنوم مجدداً لكن سمعت صوت قادم من الخارج ... من الغابة في الليل , عدتُ للنوم وأنا أقاوم شعور مزعج بالضيق والبرودة التي تتسلل .. سمعت الصوت مجدداً وكأنه تنفس لحيوان ما مخيف , لكن رأيت أبي من النافذة يسير في الظلام خارجاً ... يا إلهي ! أين يذهب ؟! , كان هناك شيء ما يتبعه ! رأيت ظل غريب ... ناديته بصوت عالي خائف " أبـ... أبــــــــي ؟!!! " 
فجأة فتحت عيني بقوة على صراخ عالي .. "جيني" تبكي بحرقة و تنادي "مـ ...ما ما...ماما " !. 
ارتديت ملابسي على عجلة و يداي ترتجفان لا أدري لمَ بينما قلبي يخفق بقوة مرتبكاً , قلبي يرتجف رعباً أيضاً كان ذلك حلماً مزعجاً وكأنه تسلل لعقلي !, لم أشعر بنفسي نائمة !!.. . مالذي يحدث لي , ولمَ أرى أحلاماً مخيفة عن والدي ؟!!. 
خرجت للردهة .. رأيت أبي يحاول تهدئة جيني وهو بقميص و بنطال قطني خفيف .. كان واضح عليه الأرهاق و شعره مبعثر ... اقتربت منه بسرعة و قلت وأنا أشير للأريكة :
_ أبي , أبي اعطني جيني و اذهب لتغتسل .سأعتني بها...
لم يكن هناك من خيار , حملت جيني بين ذراعي بحرص شديد وأنا أجلس منهكة وكأنني كنت أركض .. بينما هرع أبي للأعلى وهو يقول : سأعود بسرعة...
هدأت جيني فجأة معي وأنا أضمها بحنان و أقبلها " يا حبيبتي الصغيرة , لا تقلقي بابا و تاتا لديك هنا... ". 
عاد أبي بعد دقائق سريعة ببنطال جينز و قميص أبيض وجاكت جينز بذراعه , قال بهدوء : هيا حبيبتي أجلبي معطفك سنذهب... 
وبينما أنا بغرفتي أرتدي بلوفر خفيف لأن الجو فجراً بارداً جداً و مظلماً .. سمعت أبي يتحدث بهاتفه .. لكن مع من ؟!. 
كان قد وضع جيني الهادئة في كرسيّها الخاص بالخلف , وظل يسير ورائي كي أصعد ...
قلت بتذمر : أنا بخير أبي.. 
_ أجل صغيرتي..
لكنه بقي يساعدني حتى ربط لي الحزام ثم دار حول السيارة ليصعد خلف المقود و لننطلق قبل شروق الشمس حتى .. كان هناك القليل من الضباب في جوانب الطريق قرب الأشجار .. مررنا بمنزل كبير قابع بالظلام و هادئ و جميل ... فكرت بأنه لا شك منزل السيد " جورج فرانس ".
فجأة قال أبي فزعاً وهو يلتفت نحوي : لقد نسيتِ تناول الإفطار !! يا ألهي ..
حدقت به فزعة من لهجته وليس بسبب كلامه , قلت بضيق : لا بأس أبي , سنتناوله لاحقاً , لكن جيني هل جلبت حقيبتها الخاصة... 
_ أجل أنها بالخلف , بها بيجامة احتياطية و زجاجتها وعلبة الحليب و أوراقها المهمة .. لكن ماذا عنك أنتِ حبيبتي. . 
كانت حقيبة ذراعي الصغيرة معي .. وبها نسخة من ملفي بالمستشفى وكل أوراقي ... 
_ إن الحقيبة ثقيلة من هذه الأوراق... 
كان ينظر إلي بقلق بعد كلماتي .. وصلنا للمستشفى وكان كبيراً جداً بثلاث مبان ضخمة وسط البلدة , ظننت بأنها بدائية قليلا لكنها متقدمة جداً و كأنني بالمدينة لكن أصغر قليلا و بأشجار جميلة تحيط الشوارع الخالية بهذه الساعة المبكرة جداً... 
فتح لي والدي الباب و ساعدني قليلا , ثم اتجه إلى الخلف وهو يحمل جيني بلطف و يعطيها لعبتها الصغيرة كي تلهو بها ,و تأبط هو حقيبة جيني الكبيرة , بدا شكل والدي غريباً ... أنه أبٌ مكافح .. مشى أمامي بكل نشاط وحذر بالرغم من أنه مرهق ولم ينم جيداً لكنه يقظ جداً ... 
أما أنا فشعرت بالدوار ومعدتي تغوص و تؤلمني ما أن شممت رائحة المستشفى ... الغثيان اجتاحني وأنا أحاول اللحاق بسرعة 
خلف والدي الذي يتوجه للاستقبال .. كان المستشفى خالياً تقريباً و الجو هادئ و بارد و ساكن... 
حدث والدي الموظفة و شرح لها ... لكنها قالت له بأن مبنى الاطفال هو الآخر بينما هنا هو البناء الرئيسي و أنني سأتعالج هنا ... فأخذت البطاقة الخاصة بي وبدأت العمل على الكومبيوتر ... نظر نحوي أبي و قال بهدوء : حبيبتي أجلسي هناك .. هيا. 
توجهت للمقاعد و جلست بطاعة وصمت , تحدث والدي قليلا إلى الموظفة وهو يعدل من وضعية حقيبة جيني الثقيلة بينما ذراعه الأخرى تلفها بعناية وقوة ... نظر نحوي مرتين بعبوس ثم تناول الهاتف من الموظفة و تحدث به !.
نظرت للساعة المعلقة .. كانت تشير إلى السادسة و النصف الآن , اقترب والدي مني و قال بهدوء : سنذهب أنا وجيني للبناء الآخر حبيبتي , لكن لا تقلقي أ...
قاطعته بهدوء : سأنتظر هنا .. 
_ لا , آه .. كلمت الدكتور لوك هو قادم الآن سيأخذك معه .
صدمة لثانية بالرغم من توقعي لهذا بالمستقبل لكن ليس الآن ! , قلت باعتراض متوتر ومعدة تغوص : أبي !! لا تتركني وحدي !.
رد بتعب وهو يهدأ جيني التي بدأت تنزعج وبوادر البكاء تقترب من الظهور : يا عزيزتي , أني هنا قريب , فقط سآخذ جيني و سنعود حالاً...
رأيت تعب عينيه وشحوب وجهه فخجلت من نفسي جداً ! , لا أزال اتصرف كالأطفال ..!! تبا مالذي يقلقني لهذا الحد ...!
قلت بسرعة شاعرة بالذنب والاستياء : حسنا , أبي آسفة جداً لأزعاجك .. سأذهب مع د.لوك . 
بعد ذهاب أبي بدقائق قليلة سمعت خطوات قادمة من خلف الاستقبال و ظهر لوك فرانس كان يبدو غريباً قليلا بمعطفه الأبيض لكن لا بأس به , رسم ابتسامة لطيفة حانية بينما أنهض لتحيته ... حياني بلطف وهو يشد على يدي و يضع يده الأخرى على كتفي .. 
قال بمرح : هيا لنذهب لمكتبي كي نتحدث قليلا... 
حدقت به و قلت بصوت خافت ضيق : ماذا ؟!.
_ أني سأقرأ ملفك عزيزتي و سوف نرى ما يمكنني فعله بنفس الوقت سوف تحدثينني عما تشعرين و ستساعدك لوسي. 
ظللت صامتة في المصعد و سأل هو عن أحوالنا و استقرارنا .. رددت بهدوء " كل شيء هادئ الآن ". 
دخلت بمكتبه ودهشت لكبره و جماله , يبدو بأنه ذو مكانة عالية ... كان لوك لطيفاً جداً ومهذباً للغاية ربما تذكر تحذيري له من ردات فعلي .. لكني كنت مرهقة وهادئة ولا أريد الدخول بأي مناقشة .. جلب لي القهوة و بعض البسكويت "كوكيز" ثم جلس يقرأ بالملف قليلاً .. نادى الممرضة التي تدعى لوسي , وذهبنا إلى غرفة الأشعة ...

بعدها انتهى كل شيء بشراب عصير بارد و مكالمة والدي الهاتفية... و موعد غداً ~~" !.
_ لكن.. أنا , غداً .. يجب أن أذهب للمدرسة .
قلت الكلمة الأخيرة بهمس يتلاشى و ضيق غريب بصدري , ظل ينظر نحوي بدقة غريبة تشبه دقة أبي عندما يقر بنفسه أنني شبة واعية !. 
_ حسنا , آمم . أخرجي باكراً كي نرى معاً الأشعة و نقرر بعد الأمور... أخبريني إذن أنتِ لا تشعرين بألم في ساقك هذه صحيح ؟
ترددت ثانية , أني أشعر بألم كالنار يأتي و يروح خاصة عندما آوي للنوم .. قلت كاذبة بسرعة : لا ألم . 
نظر بشك و قال بهدوء : هل أنتِ واثقة ؟!. يخيل لي الآن أنك تتألمين ...!
حدقت به و شعرت حقاً ببرودة في وجهي لا شك بأنني أشبه الأشباح ~~" , قلت بهدوء : آوه لا أني بخير.. 
ركبت السيارة بعد دقائق وكانت جيني نائمة بصمت في كرسيها بالخلف ... همس أبي بتعب وهو يصعد : لقد بكت كثيراً... رباه ظننت بأنها لن تسكت . قالت لي الطبيبة بأن لا نحملها مع ساقها التي بها مكان الحقنة ستؤلمها بشدة.. 
أومأت برأسي بصمت وظل والدي يقود بهدوء وهو ينظر بتركيز حوله ولم يسألني عما حدث بموعدي .. هذا أفضل ربما كلانا فكر بتجنب الكلام اثناء القيادة تحديداً .. فقط نظر نحوي مرتين و تبسم ثم طلب مني أن ألقي نظرة على جيني في كرسيها الخاص بالخلف ... ففعلت عدة مرات وكانت الصغيرة المسكينة نائمة بعمق و شفتيها الصغيرة الناعمة مقفلة بقوة وعبوس ...
اوه يا صغيرتي البريئة كانت تتألم ... 
فجأة توقف والدي بهدوء شديد قرب محل ما .. نظرت وقبل أن أنطق قال هو بهدوء : سأنزل لأجلب بعض الخبر و الفطائر حبيبتي انتظري دقيقة فقط ..
_ أجل أبي .. 
نزل والدي بسرعة الى محل الخباز المتواضع الذي خرج منه مشتريين بأكياس ذات رائحة طيبة ولذيذة ..
دخلنا المنزل بهدوء و والدي يحمل جيني بحذر شديد و قد بدأت الطفلة تتحرك منزعجة متألمة لكن ما أن وضعها فوق الأريكة حتى عادت للنوم بهدوء ... جلست بالاريكة التي بجانبها بصمت وخرج والدي للسيارة كي يجلب الفطائر ...
مر من مدخل الردهة وهو يناديني بهمس عالي قليلا ويشير بيده : كلارآ ! تعالي للمطبخ عزيزتي كي تتناولي الإفطار. 
شعرت بالتعب لا أريد النهوض و المشي مجدداً ~~"... فقمت رغما عني و مشيت بحذر و هدوء لأجلس بارتياح على أول كرسي خشبي لطاولة الطعام , كان أبي يضع أبريق الشاي فوق النار ... التفت لينظر نحوي متفحصا ثم قال :
_ هل كان لقاؤك بالطبيب لوك جيداً , ماذا حدث بالموعد ...؟
هززت كتفي بملل وقلت بهدوء : أجل كما أظن , لقد تحدثنا فقط في مكتبه ثم صورتين للأشعة بعدها موعد غداً .. 
حدق بي والدي مستغربا قليلا ثم قال مندهشا لكن بشكل خفيف : حقا ! , هذا ممتاز للبداية اعتقد بأنه طبيب بارع برؤيته لأشعة القدم سوف يعرف ما المشكلة تحديداً .. 
عاد ليسكب ماء الأبريق الحار في كوبين بينما ضربات قلبي تتغير بضيق ... كنت أحدق بظهره بتوتر ... هل يظن والدي...هل يعتقد بأن هنالك أمل ما بي ؟!... لكن هذا مستحيل ! أنني قد خرجت من مستشفى ضخم معروف في منتصف مدينة حديثة جداً وقد قالوا بأن لا أمل بعودتها طبيعية ! , فكيف يمكن لمستشفى عادي بوسط تاون بسيطة أن يحدث فرقاً .. !
أن لن أزعج نفسي بالتفكير بهذا الأمر ... ما حدث قد حدث و انتهى .. 
قبل أن أقول أي شيء التفت نحوي و قال بمرح غريب وهو يقترب ليجلس ممسكا بالكوبين : من يدري في هذه الحياة كيف تسير الأمور حقاً , أقصد لكل شيء وضعه و سببه . هممم افتحي هذا الكيس عزيزتي..
تناولنا الفطائر المحشوة باللحم و تحدثنا قليلا ببعض الأمور .. نهضت و أخبرت أبي بأنني سأتمشى بالمنزل فأنا لم يتنسى لي سوى رؤية المطبخ و الردهة وغرفتي .. حتى غرفة البيانو لم أتأمل بها جيداً .. 
دخلتها بهدوء .. كلاسيكية الطابع و ألوانها هادئة أحمر داكن و زخارف كل شيء الأثاث و ديكور الجدران ذهبي هادئ منطفئ .. ربما لأن الستائر الثقيلة مسدلة على النوافذ جائني شعور بالنعاس و السكون .. فخرجت منها بسرعة , أنا لا أريد النوم الآن ...
لم أرى أبي بالردهة ربما لا يزال بالمطبخ .. سرت بحذر شديد آخر الممر إلى الدرج .. رأيت بابين لغرفتين لكني تجاهلتهما ... أريد فقط الصعود للأعلى ...
وضعت قدمي السليمة فوق أول عتبة للدرج و... 
_ كلارآ ؟!. مالذي تفعلينه حبيبتي ؟. 
اوه لقد ضبطت بالجرم >< ".. قلت بدون أن التفت إليه : أريد الصعود للأعلى فقط ... 
_ كان عليك قول هذا , هيا بنا .. 
ماذا ؟! لكني أريد أن أكون وحدي .. أمسك والدي بمرفقي الأيسر وهو يسير معي بحذر أيضا كان ادرج واسع قليلا و مريح مفروش بسجاد أخضر داكن .. حسنا .. يميناً ثلاث غرف للنوم واحدة بها والدي و جيني .. و حمامين صغيرين .. و بالممر الآخر غرفة للرسم كانت مقفلة جيداً قال والدي بأنه أضاع المكان الذي وضع المفتاح به .. و الغرفة الأخرى مكتب صغير للعمل وحمامه المرفق... 
حدقت من النافذة في آخر الممر ... كانت تطل على أشجار الغابة ... 
_ ما هذه الغابة ؟!.
أتى والدي ليقف خلفي و ينظر من فوق كتفي قال بهدوء : آمم .. هي مجرد غابة معروفة للصيد بها بحيرة كما سمعت. 
_ تعني... هي ليس بها نمور أو... دببة و غزلان ؟!.
حدقت بأبي وقلبي يخفق لا أدري لم بدأت أفكر بأن سور هذا المنزل قصير وغير قوي .. لاشك بأن الدب سيحطمه أو يقفز النمر من فوقه ... أو... 
_ لا حبيبتي ... لقد عشنا هنا عشرات السنين لا وجود لهذه الحيوانات ! , هل أنتِ خائفة ؟!. هل الغزلان تخيفك أيضاً ؟
كان يحدق بي مدهوشاً وكأنه لا يصدق بأي أسأل هذا السؤال !, لكني محقة ...
قلت باضطراب خفيف : أأنت واثق ؟! , الغزلان تصبح مرعبة أحياناً... يمكن أن يتسلل أي حيوان ببساطة هنا ! آه ربي ماذا عن الأفاعي و الزواحف ؟!.
حدقت به بعيون رمادية قلقة جادة ... تخيلت لو استيقظ من النوم لأجد أفعى تشاركني الفراش....!!! سأموت قطعاً !.
لصدمتي أخذ يضحك , هذا الرجل ! ... ضمني قليلاً وهو يهتز من الضحك ... مالذي جرى له ؟!
_ لا يا حبيبتي الصغيرة الجبانة ! أنت بخير تماماً والمنزل مقفل و مؤمن تماماً .. لا تقلقي أرجوك كلارآ... 
هززت رأسي غير مطمئنة .. قلت بتوتر و عبوس : توقف عن الضحك رجاءاً أبي أنا لستُ جبانة ><"... على فكرة هل يمكنني النوم هنا في الأعلى... 
حدقت به بعيوني البريئة ... توقف و قال بهدوء وابتسامه رقيقة وهو يلمس أنفي : لا صغيرتي ! , ذلك من مصلحتك و ألا ترهقي نفسك .. هيا لننزل الآن. 
قطع كلامه بسرعة و أمسك بمرفقي حتى لا أناقشه يحب أن يكون المنتصر لكني سأرفع راية النقاش مجدداً...
تناولنا العشاء بهدوء و جيني قد أفاقت لمستها أنا فقط قليلا فانتابتها نوبة بكاء طويلة ارهقتنا ولم تنم حتى الساعة العاشرة... خشي والدي أن يحممها فقط اكتفى بتبديل ثيابها بحذر بالغ وبعد اطعامها هدأت ونامت...
بينما أقف أنا كالبلهاء بلا حول ولا قوة وعيناي تتبعانهما بتوتر ... يجب على والدي جلب مربية ما ! , لا يمكنه تحمل هذا أكثر سوف يصاب بانهيار عصبي ! , كما أنه سيعمل بالتأكيد...
بعدما هبط السلم بوجهه المتعب قال لي بهدوء : عليك النوم الآن كلارآ ! , غداً مدرسة و موعد بالمستشفى ...
انقبضت معدتي بشدة وشعرت بالدوار وأنا أقول بتوتر: ماذا عن... أعني... 
_ سنذهب معاً لأضع أوراقك هناك , لتلحقين الدروس .. هيا إلى النوم لقد تأخر الوقت. 
لم استطع النوم جيداً , كنت أتقلب كثيراً وصوت حفيف الأشجار الضخمة بالخارج توترني ... فبدل أن استرخي وأنام أشعر بأني مشدودة الأعصاب... 
تعبت أخيراً من كل هذا القلق و أثقلت جفوني .. لكن صوت غريب بين أصوات الأوراق... كان قادما تقريبا من داخل السور أو هكذا ظننت مباشرة , هببت من فراشي ..
و ببطء سرقت نظرة من بين الستائر ..
ليس هناك شيء سوى الظلام الشديد و حتى الأشجار لم استطع رؤيتها , كان الخارج مرعباً للنظر لكني لم أقدر على أبعاد بصري عن التحديق في الظلمة و الـ لاشيء !... 
بينما قلبي يرتجف بقوة و أحساسي يخبرني بأن هناك شي ما مختبئ... !
مرت ثانية أعنف بها نفسي بأني جبانة حقاً كما قال والدي , مرتعبة من التغيير و أكره الغرباء .. و الغرابة .. كانت عيوني متسمرة جداً بلا أي حركة على نقطة في الظلام .. 
أعلم بأن خيالي يجمح بشكل أخرق لكني واثقة أني في هذه الثانية أحدق بـ ...
مابدا كـ... زوج من اللؤلؤ الأسود يلمع من بعيد جداً قرب الظلال الكبيرة للأشجار...! كأنها نقطتين من العيون صغيرتين بعيدتين ... يبادلانني التحديق وبهما لمعان غير مطمئن ... 
خفق قلبي متضخماً رعباً...
ماهذا ؟! , هل لا أزال أتخيل ؟! , أتراه يكون حيوان ما ...؟! , ربما شيء ما يراقبنا ... أظنه يحدق بي أنا...! 
تمسكت بالستار بقوة أخفي كل شي ألا عيناي الجاحضتان ... قلت بهمس يرتجف : الويل لك أن كنت شيئا شريراً يريد الدخول . سـ... سا .. 
لكن انطفأ اللمعان و اختفت زوج العيون السوداء ... شعرت بأنني تخيلت كل هذا... آووه ماذا أفعل بنفسي...؟! 
عدت للنوم المضطرب مجدداً .. وبدأت معدتي تؤلمني و قلبي لا يزال يخفق بقوة , تبا لن أنام هكذا بينما جسدي كله مشدود... 
ظللت فترة طويلة هدأ استرخيت وهدأت لأنام بشكل هادئ وبلا أحلام ... 
_ كلآرا , عزيزتي هيا استيقظي الساعة تجاوزت السادسة !. 
همهمت بأني لا أريد النهوض ... عيناي مثقلتان للغاية و جسدي دافئ و النوم أصبح رائعاً الآن .
_ كلآرا !! .. هيا لا نريد أن نتأخر أكثر وفي أول يوم لنا أيضاً... 
فتحت عيناي رغما عني وأنا أحكهما متأففة وقد رأيت والدي يخرج وبتعب شديد بدلت ثيابي و سرحت شعري بيداي , آخ كم أصبح متكاسلة جداً في الصباح .. 
ولكن هذا ليس ذنبي !. أنه بسبب ليلة الهلاوس بالأمس...!!
جلب والدي جيني وثبتها بهدوء في مقعدها الخاص المثبت بالخلف وبين يديها لعبة ما وهي تبدو مرتبة وهادئة , بينما أقف أنا بصمت بجانب السيارة أحدق بالأشجار...
شعرت بوالدي يقف خلفي يحدق بي...!
قال بصوت هادئ متسائل : آممم ... كلارآ . أين حقيبتك ؟!. هل ستذهبين هكذا بلا شيء...؟!
تجمدت لثانية ثم التفتُ ببطء أحدق به بدوري , " هاه , حقيبة ؟! " رددت بداخلي ...شهقت فجأة : يوه نسيت حقيبتي ..!
كانت حقيبتي قديمة من سنتين وهي معي ..على العموم هي من نوع أصلي جداً ولم تتعرض لأي خطب ..
نظر إلي والدي نظرة معاتبة وأنا أهم بالحركة قلت بتوتر وذنب : سأجلبها حالاً.. 
_ لا آه كلارا أجلسي بالسيارة فقط , سأحضرها أنا , حقيبتك البنية في غرفتك جاهزة هاه ؟.
قلت وأنا أعض شفتي : أجل .. آسفة أبي... أنا...
لكنه لم يسمعني بل ذهب راكضاً للداخل... , تباً مالذي يجري لي ؟!. أتصرف كالبلهاء دوماً .. ولكن .. أنا لن أعود لطبيعتي أبداً . ليتني مت في ذلك الحادث ... 
كان والدي ليهتم بـ جيني فقط بدلا أن أزيد حملي عليه... 
قطع حبل أفكاري المشؤمة صوت جيني وهي تبكي فجأة !!... تحركت قليلا فقط لأفتح الباب بجانبها و أنحني نحوها قائلة بتوتر
_ صغيرتي مابك ؟... ياحبيبتي أسقطتِ لعبتك...آه هاهي... 
وانحنيت أكثر الى الداخل لأمسك باللعبة البلاستيكية في أسفل المقعد لكن ... آآه , فقدت توازني لأنني وضعت كل ثقلي على ذراعي الممسكة بالعكاز بينما أنحني ... فسقطت على المقعد أتشبث به لكن جسدي انزل بقوة إلى اسفل السيارة لم يساعدني العكاز بل عرقلني و اصطدمت كلا ساقي بشي صلب في الأسفل ...
موجة من الألم سرت في قدمي لاشك بأنها ضربت العجلة !.
جاهدت للنهوض وصراخ جيني يرتفع وكأنها عرفت بأن سوءً قد حدث ...! 
_ كلآرا ...!! - أتى والدي راكضاً بسرعة وبيده تتأرجح حقيبتي الفارغة ... لفني بذراعه و أوقفني بسرعة... قلت بصوت عالي متوتر : أنا بخير ما بك ...؟!
_ رأيتك تسقطين ! , مالذي جرى ؟! 
قال بصوت أقرب للغضب !, خفت قليلا و أنا أشعر بأن قدمي بدأت تخزني بشكل غريب ... قلت بشكل جدي :
_ لقد انزلقت قليلا فقط لأجلب لعبة جيني .. كل شيء بخير لمَ كل هذا القلق ؟, سوف أجلس الآن فقط... 
ظل يحدق بي بعيون مرتعبة وجبين ضيق حتى استقريت فوق المقعد .. , تبا بدأت تلك القدم ترسل أنذارات .. مادامت قدمي السليمة تألمت حقاً ربما ستترك كدمة متورمة ...
لكن ماذا عن القدم المصابة .. آه سوف تقتلني لاحقاً.. هل جلبت معي المسكن .. أظنه بالحقيبة... 
دخلنا البلدة التي تبدو كمدينة صغيرة هادئة و جميلة ... كانت حية بالحركة والنشاط والسيارات لا تنقطع .. لكن بلا ازدحامات ... بدا الجو بارداً قليلا وهناك غيوم في طرف الأفق البعيد .. 
توقف والدي قليلا ليسأل بعض المارة عن الوصف الدقيق للمدرسة . ثم تابعنا الطريق...



ارتجفت و سرت في برودة عندما توقف والدي خارج فناء المدرسة ... أبنية كبيرة , لا أدري كم عددها ربما أربعة .. والكثير من المراهقين يسيرون للداخل وهم يتمازحون و يضحكون ... وهناك الفتيات .. لبسهن ليس بالملفت كانوا يدلفون من هذه البوابة الكبيرة ... توقف والدي أقرب شيء ممكن لها ... 
ثم التفت إلي , قال فزعا فجأة : تبدين شاحبة للغاية , هل أنتِ بخير ؟!.
نظرت نحوه و انتبهت لنفسي .. كنت فاغرة فمي وعيناي زائغتان لا تطرفان وكأني وسط فلم رعب ... هززت رأسي بسرعة و حاولت السيطرة على تعابير وجهي ... قلت بضعف مخفي : لا , أنا بخير... 
بينما قلبي يضرب بقوة أضلاعي مرعوباً... ظل والدي بنفس نظرته الفزعة جعل لون عينيه الأزرق يفتح بشدة 
_ أأنت واثقة ؟! , سأنزل معك قليلا فقط للأسف لا يمكنني ترك الطفلة هنا .. كلآرا ؟!.
قلت مجدداً بآلية : أنا بخير والدي , أنها مدرسة وليست قاعدة عسكرية ...! 
عبس والدي ثم ألقى بنظرة على جيني كانت لا تزال تلعب غير أنها متململة قليلا .. نزل فجأة وفتح بابها ثم حملها بين ذراعيه بحرص... فتحت فمي مصدومة , لا يظن بأننا سنسير وسط المدرسة كلنا ...!!
نزلت بضيق ولكن ما أن وطئت قدمي اليمنى ارض حتى أرسلت موجة من الألم الحاد في جسدي كله... " آآه " تأوهت بداخلي وأنا أتمالك
نفسي و أعض على شفتي لأتمسك بالعكاز بكلا يدي 
_ كلارا ؟!.
التفتُ لأبي المتوتر ..مددت يدي لأقول بأقصى هدوء أملكه : اعطني حقيبتي أبي , وعد مع جيني أنا أعرف كيف أدبر أموري.
قال بضيق وهو يحدق حوله لكل الطلاب الذي يمرون قربنا ويحدقون بنا : لكن....لـ...
قاطعته بضيق و الألم يحرق قدمي : أسمع أبي... لا تنظر إلي هكذا وكأنني في السادسة ! .. أرجوك... 
شعرت بأن أمله خاب قليلا وكأن ليس بيده شيء ليساعدني... قال باستسلام : سأعود إليك قريباً.. دعيني أرى كيف تمشين .. 
مد لي بحقيبتي فأخذتها و ثبتها على كتفي اليسرى , ثم ابتسمت له بوهن و بصعوبة حركت قدمي وأنا أنظر لطريقي في الأرض. آوه كم يبدو شكلي مثيراً للشفقة ... كانت الأرض ترابية قليلا لكن مستوية و نظيفة من الأشياء... سرت بعض خطوات ضاغطة على نفسي وأحاول ألا أركز ثقلي على قدمي المصابة سوف تقتلني .. 

نظرت لأبي خلفي و ابتسمت مجدداً له , كان عابساً لكن أومأ برأسه و بقي ينظر نحوي. بينما أفكر أنا ألا يوجد مكان خاص كفاية ليصرخ أحد فيه من الألم حتى يهدأ ...
رأيت مجموعة من الفتيات و الفتية يفسحون لي الطريق بينما نظراتهم غريبة علي .
دخلت من البوابة بهدوء و أنا أنظم أنفاسي , آآه لقد انظمت قدمي الأخرى لحملة الألم في جسدي ... هيا لا توجد كراسي هنا في هذه الباحة , سحقاً ؟!
وظللت أحث السير البطيء نحو البناء الكبير الذي يدلف منه الطلاب ... ثم ألقيت بنظرة خلفي , ماذا ألم يغادر بعد ؟!. وقعت عيناي بعينيه فتوتر هو ... ظن بأني لن أراه من هنا ..لوح لي و بتردد واضح عاد ليضع جيني بالسيارة و ليصعد هو... 
تنهدت بغيض وحزن متراكم ... هل سيبقى حالي هكذا طوال حياتي ؟! معاناة لي و لمن حولي ..وهم و ثقل... و...
قاطع بؤسي صوت عالي فتى يقول : احذري هذه الحفرة !. 
توقفت بسرعة شديدة جعلتني اصاب بالدوار .. وحدقت حولي جيداً كان الصبي يمشي موازياً لي و من عينيه التين تلمعان علي يبدو بأنه كان يتأمل منظري و سيري... 
كان هناك بالفعل حفرة صغيرة أمامي لكنه كفيلة بأن تسقطني أنا و عكازي هذا... 
اقترب الصبي الأشقر وابتسم بحذر نحوي .. يبدو أصغر مني بسنة أو سنتين ولكنه طويل القامة و جميل المظهر... عيناه بنيتان مألوفتان قليلا... 
قال بهمس دون أن يلتفت كليا إلي : أنتِ جديدة . أعرف بأنه يجب أن تذهبي لمكتب الوكيل أولاً . 
كان عقلي مرهق و يعمل بكد... قلت بهدوء : شكراً لك , و... أن لم يكن لديك مانع أن تـ...
قاطعني بذكاء غريب وهو ينظر بعيناي : بالطبع ليس لدي مانع لأوصلك للمكتب. 
سار أمامي برشاقة وأنا أتعثر كعجوز , كان الجميع يفسح لنا و يحدقون بي مطولا وإلى جينزي الواسع القديم ثم جاكيتي الرمادي وحقيبتي البنية و حذاء رياضي أسود واحد بينما القدم المصابة في وسط جبيرتها المحمية والمخصصة للمشي .. كنت أغرب خليط للألوان , أقسم بأنه لو كان هنا مصمم أزياء لخر صريعاً...!!! 

فجأة تردد الفتى و توقف ليلتف إلي , كنت ألهث ألماً و تعباً وأشعر بأني اتصبب عرقاً في هذا الجو البارد ... لكني بسرعة أخفيت كل مظاهر بؤسي الغبية وتظاهرت بالتركيز والثقة !
_ أتظنين بأنك قادرة على صعود الدرج , أم أنادي الوكيل ليهبط إلى هنا ؟!.
كان ينظر نحوي متسائلاً , فقلت بكل برود بينما أعلم بأنني سأتألم كثيراً : استطيع الصعود لا بأس. 
نظر نحوي شاكاً قليلا ثم همس : طيـب .. 
صعد أمامي وأنا وراءه , في البداية تسمر جسدي رغما عني خوفاً , لكني بصعوبة تحاملت على نفسي و صعدت الدرج ... رباه كم كان هذا مؤلماً و مرهقاً... 
يا ألهي أن لم أصل حالاً سأسقط على وجهي ليغشى علي...!
_ أن مكتب الوكيل في آخر الممر... 
قال مصرحاً , ثم سار بهدوء و بطء من أجلي , بينما ألتقط أنفاسي تعباً ... و رأيت بعض مقاعد فتمنيت لو اقدر على الجلوس قليلا...! , أشار لي بالمكتب الذي في آخر الممر و توقف ليحدق بي... 
قال بتوتر : تبدين مرهقة للغاية و شاحبة , أجلسي قليلا... أتودين بعض الماء ؟!.
آوه كم كان هذا لطيفاً منه ... لكن لا ... كبريائي اهتاج فجأة ... قلت بابتسامه لم تظهر : لا أني بخير , سأدخل فقط ,شكراً لك... 
أومأ و غادر ببساطة ... هه أشعرني بأني عجوزة !. على العموم سأسير هذه الخطوات البسيطة فقط ...
طرقت الباب مرتين ثم سمعت صوتاً يقول " أدخل... "
فدخلت ... نظر نحوي رجل في منتصف العمر ببرود ثم عاد لأوراقه ... كنت على وشك ألقاء التحية لكن رفع رأسه مجدداً بسرعة و حدق بي مصدوماً قليلا... 
قال وهو ينهض : آوه المعذرة , هل أنتِ طالبة جديدة ؟!, أجلسي هنا من فضلك و أعطيني فقط أوراقك.. 
أومأت و جلست على الأريكة متنهدة بداخلي وشاكرة ... ثم أخرجت أوراقي لاحظت بأن يداي ترتجفان و أظافري مزرقة ... سلمته الأوراق بسرعة لاتفحص نفسي .. عندما يقولون شاحبة , ماذا يعني هذا تحديداً... 
فتشت بحقيبتي التي لا أعلم ما بداخلها ... أصابني الرعب , لم أضع بها شيئا !!! غير تلك الأوراق المهمة وأيضا والدي هو من وضعها وليس أنا !!... يا ألهي لم هذا الأهمال مني ...!! آوووه لا حتى قلم ><"؟!. آهئ أود لو ألقى بنفسي من الشرفة...
_ الآن يا كلآرا , سآخذ أوراقك للمدير و يمكنك البدء اليوم بالدراسة .لقد تأخرتِ كثيراً لكنك ستقدرين على المضي صحيح ؟!.
ابتسم لي بلطف , أومأت بصمت. 
_ سأخبر الآنسة ماري لتعطيك جدول صفوفك وخارطة للمدرسة مكتبها بالأسفل من الجيد لك , هلا نزلنا الآن . 
فكرت بعبوس " أريد البقاء جالسة قليلا بعد ~~" لكني نهضت و عاد الألم و تبعته وأنا أكتم آلآمي , أكاد لا أرى شيئا أمامي !. 
رحبت بي امرأة شابة بلطف بالغ اعطتني الأوراق و اصطحبتني لأول صف لي... كان صف العلوم الكيميائية . 
طرقت باب المعمل ثم دخلت برشاقة اتبعها أنا ببطء و اعتراني خجل شديد و توتر و ألم في المعدة .. كان المعلم يقف مشدوهاً قليلا يحدق بي والآنسة ماري تحدثه , ثم ابتسم بلطف من خلف طاولته ... بينما أنا لم أجرؤ على النظر ورائي حيث الطلاب يبدون كثيرون جدا ربما مكتملو العدد ...! 
اعطتني الانسة ماري ابتسامه مشجعة و غادرت .. قال المعلم بلطف : اهلا بك .. 
ثم وجه كلامه للطلاب الصامتين جداً : أنها كلارا موند وهي معنا في هذا الصف .. أرجوكم رحبوا بها وأفسحوا لها مقعداً.
رفعت عيناي قليلا فقط متوترة بينما قال بعض الطلاب بصوت واضح : اهلاً... والبعض همهم وهم ينظرون بفضول عادي. 
وجدت مقعد فارغ أمامي فجلست به بصمت .. لكن لم استطع الاسترخاء على مقعد المعمل الذي بلا ظهر . وضعت حقيبتي أرضا , و بدأ المعلم يشرح الدرس بهدوء .. فجأة سألني :
_ آه صحيح , لأي درس وصلتم به في مدرستك القديمة كلارا ؟!.
غاصت بطني و حدقت به بشكل افزعه قليلا كان الكل سكت فجأة ... قلت و أنا أشعر بصداع يعمني : أنا... أنا للتو أبدأ الدراسة. 
حدق بي لثوان مدهوشاً قليلا , ثم حرك رأسه : آه فهمت .. لا بأس .. سيساعدك الطلاب في الدروس الماضية ..
أكمل الدرس بينما أشعر أني وسط المجهول لا أفهم شيئا .. شعرت بالغربة والضيق أريد فقط العودة للمنزل . 
انتهى أخيراً بينما ألقي نظرة على جدولي , تذكرت شيئا ما اسعدني .. لدي موعد اليوم وسأخرج باكراً أي تقريباً بعد ساعة , لأول مرة في حياتي أشعر بأن الذهاب في موعد للطبيب أخف وطأة من الدخول في مدرسة لأول مرة .. سأطلب منه أن يعطيني وعداً غداً أيضا... 
نهضت عندما لاحظت أن الصف فرغ تقريباً وأن الجميع قد خرجوا .. آوه يجب أن أذهب لصف التاريخ في الطابق الثاني كما هو موضح مع الأسف !. , كانت قدمي ثقيلة مخدرة بشكل أخافني وثقيلة .. بصعوبة أرفعها و أخفضها بحذرة .. وهكذا أسير أبطأ من حلزون !. 
توقفت أمام الدرج أخيراً بعدما تجاوزت حشود الطلاب وأنا ألتقط أنفاسي .. حدقت بيأس بالدرج , هل علي أن... ؟! 
قاطع تفكيري صوت مألوف خلفي
_ كلآرا .. 
التفت ببطء و حدقت بالطبيب لوك فرانس , وبجانبه الآنسة ماري التي تشير إلي بمرح ثم تقدموا بسرعة قبل أن اتحرك بجسدي..
قال الطبيب بلطف وهو يتأمل وجهي : مرحباً كلارا , كيف حالك ؟! , تبدين لي مرهقة جداً .. جئت لاصطحبك للمستشفى بعدما حدثت والدك بالطبع .
قالت الانسة ماري : لقد أخذ الدكتور فرانس العذر لك عزيزتي يمكنك الذهاب الآن .
حدقت به و قلت بتوتر مخفي : يفترض أن الموعد في الساعة.. 
_ أنا أعرف , هيا اعطني حقيبتك.. 
أخذ مني الحقيبة و انتظرني لأسير بجانبه .. تباً لا أريده أن يلاحظ ... لكن ودعتنا الآنسة ماري و غادرت .. كانت الممرات فجأة قد خلت لأبتداء الصف الثاني الآن... 
مشيت بتعب ضاغطة على نفسي و فكرت بأني سوف أموت أن استمريت على هذه الحالة لساعة أخرى .. أن لتحملي حدود .. 
_ اووه أنت تعرجين بشكل سيء , لقد أصبت قدمك ... أليس كذلك ؟!.
قلت باضطراب وأنا ألقي نظرة خاطفة لوجهه المصدوم : لا , أني فقط مرهقة و...
قاطعني بجدية حادة وهو يقف أمامي كي اتوقف : توقفي عن الكذب على طبيبك كلارا أنا أعرف تماما عندما يكذب المريض وقد تجاهلت كذبة الأمس لكن اليوم .. هل تريدين الأصابة بالشلل وأنت تضغطين على أصابك بهذه القسوة ..؟! .... آنسة ماري.. 
نادي وهو ينظر من خلفي , لتأتي المرأة وهي تقول بتعجب : ماذا ؟!. 
_ أرجوك هل تملكون مقعداً متحركاً ... كلارا تشعر بالألم... 
_ آه أجل , سأجلبه حالاً... 
لم اقدر على النظر بوجهه , قلت بهمس بارد : لا تقل شيئا لأبي .. 
_ سيأتي لرؤيتك بعد الموعد .. والدي الذي قابلته يتحدث إليه بشأن عمل ما. 
جلست على كرسي متحرك مخصص للحالات الطارئة في المدرسة و دفعني الطبيب إلى سيارته لينطلق بنا للمستشفى .. 
_ آوه لا , .. لا ... 
و هز رأسه عابساً و مقطباً وهو يحدق بصور الأشعة , بينما سقط قلبي في هوة مظلمة و توتر لا نهاية له.. مالذي يراه ؟!.
رفع عينيه إلي وبدا منزعجاً جداً .. شعرت بأنه سوف يوبخني ... كنا قد انتهينا للتو من تصوير الأشعة واعترفت أنا له بأني ضربت قدمي هذا الصباح لكني لم أظن بأن الوضع حرج لهذه الدرج....!
_ كلارا !.. أنظري مالذي حدث بقدمك اليمنى .. لقد تورمت جداً و المفصل بحالة رهيبة فهو لم يعد قادر على حمل الثقل بينما الأربطة التي بدأت تتكون و تنمو مجدداَ تقطعت تماماً .. العصب الحركي لا يزال تالف بينما الأعصاب الحسية تعرضت لضغط شديد جعلها تتوقف عن عملها وهو نقل الأحساس والألم لهذا تشعرين بالخدر و الثقل الشديد بسبب التورم ... هل تريدين أن أطلع والدك على هذه الأشياء... سوف يفزع جداً... 
حدقت به برعب و فمي مفتوح .. لا أدري ما أقول أو أفكر...
_ أنتِ ممنوعة من السير يا آنسة لمدة أسبوع حتى يتحسن الكاحل ! , آوه نسيت أمر القدم الأخرى , أنها في وضع سيء , أنتِ تحملينها كل ثقلك .. أخشى بأنك أن استمريت هكذا سوف تتعب الأربطة و الأعصاب لتتلف بالنهاية .. بالإضافة إلى أن جسدك نحيل ضعيف ووجهك شاحب جدا يجب أن تتناولي الكالسيوم والمعادن ... سأصف لك كل شيء بالورقة .. الآن هيا نضع مرهما مخفف للألم و معالج للانتفاخات ثم نعيد التضميد بشكل جيد .. 
قلت بضعف و الممرض تأتي لتساعدني على الجلوس فوق السرير الأبيض العالي :
_أرجوك سيد فرانس . لا تخبر أبي بكل هذا ... سوف... سوف... 
_ اهدئي عزيزتي , أنا سأخبره بأن المشي الكثير سيضر قدمك .. لذا استرخي فقط ودعيني أفحص كاحلك . 
تمددت على السرير بينما يضعون على كلا قدمي الدهان و يلفانهما , لكن قدمي اليمنى حظيت بلفافات اضافية داعمة ... 
اعتدلت بجلوسي بينما هو يقف قربي يكتب تقريراً ما و الممرضة تساعدني في ارتداء فردة حذائي و الداعم لقدمي المصابة .. 
_ همم عدم المشي لأسبوع , و آه نسيت القول بأن بعد هذه الفترة أن اردت استخدام العكاز فأنا سأصف لك عكازين وليس واحداً , سيضرك هذا... 
حدقت به مصدومة و فزعة ... بضيق واضح قلت مرتجفة : لكن ... لماذا ؟!. 
_ لأسباب بسيطة و خطرة بنفس الوقت , العكاز الوحيد يشوه كتفك وذراعك معاً خاصةً أنهما بطور النمو ..بينما تـ...
قاطعته بصوت مرتجف وعيناي تقدحان : هذا يكفيني أني أتقيد أكثر و أكثر كل يوم .. أني أريد العودة إلى ماكنت عليه بأسرع وقت , كيف يمكن لوالدي أن يعود لطبيعته و للعمل ؟! , وأنا لن أحب الدراسة بهذا الشكل .. المصاعب لا تحتمل والنظرات أ... 
_ هذا يكفي كلارآ , الصراخ و الغيض مما آل إليه حالك لن ينفع .. عليك بالتعايش .. استرخي أرجوك و خذي عدة أنفاس عميقة... 
قلت بحده شديدة : ليس هو الحال الذي أنا به أنما فقدت قدرتي على معرفة مايجب علي فعله !!.
رد بضيق : لا تزالين صغيرة على تفكير كهذا أنتِ... 
قاطعته بنفس الصوت الحاد الغاضب : أكرهه هذا النعت !, كن مكاني لنصف يوم مقيده بالعكاز أحدق بأبي بعجز شديد بينما هو يحمل كل الثقل جيني بأحدى ذراعيه وبذراعه الأخرى يهتم بي...!
هز رأسه وهو يقول بضيق شديد : أنتِ لم تمنحي نفسك الفرصة و النظر لكيفية أصلاح الأمر ...
_ وكيف هذا ؟!. أني عاجزة للأبد .. على كل خططي للحاضر و المستقبل أن تتغير كلياً , بت لا أقدر على تخيل ماسيحدث لي لاحقاً... بدأت...
كدت أقول " بدأت أهلوس , " لكن عضضت على لساني بقوة و أحدجه بنظرات حارقة وعيناي محمرة من شدة الاحتقان , ظللنا نتبادل النظرات القوية إلا أن فجأة طرق الباب و دخل والدي .. 
طرفت بعيني كثيرا وحاولت أن أبدو هادئة بصعوبة .. تبادل تحية حارة ومصافحة مع الطبيب ثم وقف قربي وهو يمسك بيدي و يهمس بحنان لي : 
_ هاي حبيبتي , كيف حالك ؟!.
_ بأفضل حال أبي . ,,, ومنحته ابتسامه رقيقة جعلته يرد علي بمثلها بينما يدق قلبي بعنف ... كان الطبيب يراقبني ..ثم قال بهدوء يحدث والدي 
_ أريد التحدث معك قليلا جاك . جينا اجلبي هذه العربة و اصطحبي كلارآ للاستراحة ..
حدقت به بقلق شديد وعيناي زائغتان , بينما هو تجاهل نظراتي وبدت عليه ابتسامه توترني .. الويل له أن أخبر أبي... سأقتله !.
كنت جالسة على المقعد بصمت وظهري مشدود و أوجه عبوساً لاذعاً و نظرات قاتلة حادة لمن ينظر نحوي , يبدو بأن هذه البلدة السخيفة الهادئة لا يوجد بها أشخاص مصابون كفاية لأن يجلسوا على المقاعد المتحركة .. إذن أنا ككائن فضائي بالنسبة لهم . 
تبسمت لي الممرضة برقة وهي توقفني قرب المقاعد الخالية , يبدو لي المستشفى شبة خالي في هذا الوقت .. قالت برقة 
_ أتحبين أن أجلب لك بعض العصير ؟.
فكرت بقول "لا" بفضاضة , لكن مظهري وأنا جالسة أشرب شيئا ما وأحدق بوالدي بنظراتي اللطيفة سيجعله يسترخي .
_ آوه أجل أرجوك... 
وبالفعل جاء والدي يسير كان متجهما قليلا ,لكنه تبسم لي بحنان و شكر الممرضة التي غادرتنا .. حدقت بأبي وابتسمت بارتباك... 
_لا بأس عليك حبيبتي , هل تشعرين بالألم ؟!.
_ لا أني بخير ,لقد تناولت مسكناً قوياً قبل دقائق.. 
تذكرت جيني فجأة فقلت بتوتر بينما هو يدفعني للخارج : و أين جيني ؟!. 
تردد لثانية فقط ثم قال بهدوء : أنها ..عند السيدة فرانس .. أقصد والدة لوك جيراننا لقد أحبتها جيني من أول نظرة وهي تبدو بخير معها...
كنت مصدومة جداً لأرد ... لقد قال الطبيب بأن أبي يناقش أمور العمل مع والده "جورج" ولاشك بأن جيني بنفس الوقت تلاعب فوق حجر سيدة عجوز !... هذا أًصابني بالدوار , شئت أم أبيت علاقة والدي تقوى بسرعة مع هؤلاء الناس .. 
نظرت إليه , كان عابساً بنظرة غريبة , همست بتوتر : مالذي.. قاله لك الطبيب...؟!
ألقى إلي بنظرة سريعة شبة حادة , قال ببرود : مالذي تتوقعينه بما أنك لن تستطيعي المشي لأسبوع !.
كتمت شهقة ! , ذلك الرجل أخبر والدي .. قلت بحرج وضيق شديد : أبي .. أن الوضع كان ....
قاطعني بحده : كلارآ , هل تظنيني أحمق ؟! , أنا من رأيتك تسقطين صباحاً نصفك تحت عجلات السيارة !. لقد أخبرته بهذا عندما قال بأنك ستتحسنين لكن ببطء ... و أردت حقاً...
شهقت : عساك لم تلكمه !!. أبي !!!
_ اششش لا بالطبع .. هلا هدأتِ !. 
حدق بي و أكمل بجدية يائسة : هل تفكرين بأخفاء كل شيء عني ؟!, أين نوع من الآباء أكون ! .بحق الرب ربما تودين الموت دون أخباري حتى ... كيف أمكنك كتم كل هذه الآلام ؟ كنت أشعر بأن هناك خطب ما ..لكنك .. يالك من فتاة .. أتساءل من تشبهين ... إياك التظاهر مرة أخرى. 
شعرت ببؤس و حرج لم أشعر به منذ ...!..ضممت شفتي بقوة ولم أنطق بشيء , فقط زفر والدي بعمق و قال بعد دقيقة بصوت رقيق : سيتحسن كل شيء عما قريب صغيرتي , أنتِ تفتقرين للصبر , عليك فقط أن تصبري.. اتفقنا ولا مزيد من الخداع..
أومأت ببرود وقلت بقلبي " أنا لا أعدك " ... لكن والدي نظر نحوي وابتسم وهو يمد يده ليلمس أنفي مداعباً... 
_ ... آه صحيح نسيت أخبارك , نحن مدعوين للعشاء لديهم الليلة. أقصد آل فرآنس .. 
هززت رأسي دائخة أشعر بالتعب البالغ .. والدي ساعدني في الدخول للسيارة ,لقد حملني كلياً متجاهلاً اعتراضي 
الجزء الثالـث (( بلا سابق إنذار !! ))


كان هناك ذلك الشيء مجدداً ..! , الطنين الحاد القوي ثم ضوء يصيب العمى و ضربة قوية هوت بي رأساً على عقب ... في دوامة من الظلام و الألم ~ 
تأوهت و تقلبت ... ما كان هذا ؟!. 
..." ..... " همهمة غير معروفة تجيء من مكان ما .. حككت رأسي بقوة أحاول تصفيته من الطنين المزعج , ثم تلاشى الظلام ببطء ... رأيت ملامح منزل كئيب في الليل القاتم ... آه ... صراخ امرأة , ثم صوت ضربه وتعثر وسقوط مستمر على درجات السلم المظلم ... صوت صراخ المرأة ارعبني ... و استقر جسدها آخر الدرجات وهي شبة صريعة تقاوم الألم بصعوبة .. 
صرخت برعب : أمييييي !!! كانت أمي من سقط من الدرج الطويل وهي تتلوى أمام عيني وقد بدأت تنزف بشدة الدماء .
شعرت بأنني سأموت خوفاً عليها , مالذي حدث.. لم أرى شيئا ... هرعت إليها و أنا أتحسس جسدها برعب .. انتفضت وهي تقول : " كلارا ... استدعي اباك ... آه " و خرت صريعة من شدة الألم .. 
الشيء الذي لا افهمه هو رؤيتي لمنزل جدي بالتبني من الخارج .. كأنني أقف قرب شجرة ضخمة و الوقت ليلاً... و القمر بعيد و ضعيف خلف الغيوم ...آه يجب أن أجد أبي لأجل المساعدة بسرعة ... صوت بعيد يتنامى لسمعي... ثم علا ... أنها جيني تبكي من الغرفة ... نافذتها المفتوحة لغرفتها المظلمة ... 
أطل ظل مريع طويل منها قطعاً ليس والدي ... حدق هذا الشيء بي ثم عاد للداخل و أقفل النافذة .وكأنه يريدني خارجاً !!!. 
هززت رأسي مرعوبة مصدومة ... و ركضت نحو البيت أصرخ : أبييييي .... جينييي ... هناك غريب بالمنزل ..!!! 
كنت أصارع ما أراه وما يحدث ... وفجأة ظهرت شاحنة لا أدري من أين و ضربتني و مرت فوقي بينما جسدي يتقطع تحت عجلاتها ... صرخت بألم رهيب يجتاحني و حرارة فضيعة ... 

_ كلآرا ... كلآرا ... يا ألهي كفي عن الصراخ ...!! 

ناداني صوت مألوف بعيد وشيء قابض على ذراعي يهزني !... ثم رشة باردة على وجهي جعلتني انتفض و افتح عيني باتساعهما ... كان وجه والدي قريباً وهو يحدق بي شاحباً جداً خائفاً ... بينما جيني تبكي بقوة خلفه ..
_ كان هذا كابوساً حبيبتي لا تخافي... اهدئي ... اشربي هذا الماء... 
ادركت بأنه رشني بالماء , امسكت بالكأس بيد ترتجف بينما هو يلتفت للصغيرة , كانوا بغرفتي و الوقت لا أدري لكن الجو قاتم قليلاً... تنهدت بتعب بينما جسدي يؤلمني كله ورأسي يدور ..و يدور بصداع معذب ... ما كانت سلسلة الكوابيس المريعة قبل قليل ... أقسم بأنها أسوأ ليلة أمر بها حتى الآن ...
_ هل تحسنتِ ؟!... كلآرا ؟! 
سألني والدي وهو يرمقني بقلق ... نظرت نحوه وأنا أدعك جبيني المتعرق , قلت بارتجاف :
_ بخير ... لا بأس ... 
كان وجهه الشاحب و عيناه المتوترتان تقولان الكثير مما حدث .. لكني لا استطيع التذكر .. هل كنت أصرخ حقيقة ؟!. 
قال بتوتر خفيف : الساعة الآن السادسة مساءاً , إن كنتِ غير مستعدة للذهاب فسوف نعتذر و... 
قلت بترديد ويدي لا تزال فوق جبيني : ...للذهاب ؟! 
_ آ ... للعشاء الليلة ... منزل آل فرآنس !.
_ آها , لقد نسيت , آسفة أبي ... آه بالتأكيد سأستعد الآن . 
حدق بي بتركيز بينما هو يهدهد جيني التي تحدق بي هي الأخرى فوق ذراع والدي ... قال بخفوت :
_ هل تشعرين بالألم حبيبتي في ساقيك أو أي مكان ...؟!
قلت بهدوء أخفي تعبي : لا سأتناول الدواء الآن .. لا بأس علي .. 
عندما خرج , كنت لا أزال أتصبب عرقاً بارداً و انتفض لا أقدر على السيطرة على يداي .. لكني بصعوبة بدلت ثيابي لتنورة واسعة و طويلة وكنزة عادية , لملمت شعري وغسلت وجهي بمنديل مبلل و كدت أقف لولا وجود الكرسي المتحرك بجانب السرير ولا وجود لعكازي !. كما أن ساقي ارسلت إنذاراً مذكراً و محذراً أيضاً... 
تأوهت بضيق وأنا أتخيل نفسي أدخل لمنزل غرباء فتاة بكرسي متحركة و من خلفها والدها المرهق يحمل رضيعة بين يديه ..!!
ولم تعجبي الصورة أبداً ... هل هناك مجال للتراجع ...؟! 
وظللت أحدق بالكرسي الجلدي الأسود .. طرق الباب وظهر صوت أبي خافتا : كلآرا ؟!.. هل أنت جاهزة ؟.
قلت و أنا أقفز فوق الكرسي : أجل سأخرج الآن .. 
كنت أتولى قيادة نفسي , حتى توقفت برعب أمام الدرجات ,عائق لم يكن في الحسبان .. مر والدي من جانبي وهو يحمل جيني و حقيبتها الخاصة .. همس لي بشيء ما لم اسمعه .. كان الظلام يعم بالخارج و ضوء المصباح الخارجي يغمر سيارة أبي .. وضع جيني بمقعدها الخاص و حقيبتها .. ثم التفت الي و تقدم وهو ينحني ليحملني .. 
قلت محتجة : لا أبي .. اسمع .. اسندني فقط أنا... 
_كلآرا هيا لا وقت لدينا... 
تعلقت به وهو رفعني بكل سهولة ... ربما لأنني فقدت الكثير من الوزن منذ الحادثة ..ولأن والدي رياضي منذ زمن وهو يزور النادي بانتظام لكنه توقف حتما بسبب الحادثة .. غير أنني أشك بأنه يخفي رياضته المفضلة عنا "الملاكمة" , لأنه دائما ما يلكم الناس اذا غضب و يكسر أسنانهم !!. لذلك أحمد الله أنني ابنته لأنه يستخدم اللكم لحمايتي ^^!.
فكرت بصمت وهو يضعني في المقعد ... هل لهذا السبب أرى الشبان لا يقتربون مني >>"؟؟؟! لكن هذا مريح جداً...~ 
وضع كرسيي الخاص ثم عاد لينطلق .. جلس ثم انحنى للخلف يتفقد جيني التي بدأت تثرثر لنفسها و تعصر لعبتها المرنة 
فابتسم وهو يهمس لها برقة حسدتها عليها : من هي أروع كائن على وجه الأرض .. نعم هي أنتِ .. أنتِ تعلمين أليس كذلك ؟! .
كانت جيني تحدق إليه بعينيها الزرقاوان السماويتان الجمال وتضحك له بسعادة .. فضحكت أنا أيضاً .. لقد شعرت بشيء رائع يلف قلبي .. حدق بي أبي مبتسما و داعب مقدمة شعري ثم همس : وأنت أجمل شابة في الكون .. هيا اربطي حزامك حبيبتي... 
فأطعته بلا أي اعتراض حتى ولو كانت المسافة مترين ..! 
توقفنا أمام منزل كبير جداً و طراز كلاسيكي يشابه منزل جدي ... غير أنه حديقته نظيفة و مخضرة و الأنوار تسطع منه .. تضايقت عندما رأيت العتبات .. لكن جلب والدي المقعد و تبثه لأجلي حتى استقريت فوقه بصمت وقد بدأت التوتر يتسلل .. عاد ليحمل جيني و حقيبتها الصغيرة .. قمت أنا بدفع نفسي قربه و لأجل أن يبدو الجو أكثر طبيعية رسمت ابتسامه لم أعلم بأنها مزيفة إلا عندما ألقي إلي والدي نظرة غريبة متساءلة !. 
فتح لنا الباب .. وظهرت لنا سيدة جميلة المظهر رشيقة القوام حتى ولو كان نصف شعرها فضي اللون مرتب و لامع بشكل جميل وثوبها أنيق ... هذا غير معقول أهي السيدة فرانس ؟!.
تخيلتها عجوزاً قبيحة لا تقوى على شيء ...! لكني أنا و خيالاتي الرهيبة ~~"

قالت بسعادة بينما أقف أنا أمام أول العتبات خلف أبي الذي تقم و صافحها :
_ يا ألهي كم أنا سعيدة برؤيتكم مجدداً , شعرت بالفراغ من بعدكم .. آه جيني الفاتنة .. 
و اخذت الطفلة من ذراعي والدي بشوق وهي تقبلها بحنان بينما والدي يقول بتهذيب : مساء الخير سيدة فرانس . 
_ آآوه دع عنك الرسميات جاك أرجوك .. نادني فقط جورجيا .. 
شعرت بأني مختفية بينما والدي يحدثها و ظننت لوهلة بأنهما سوف يدخلون و يغلقون الباب أمام وجهي .. لكن تخيلاتي التعيسة مجددا مرت في اجزاء من الثانية أعلم بأن هذه اللحظات ستغذي تعاستي عندما أكون وحدي ليلاً و ستبدأ الهلاوس , لكني سأقاتلها هذه المرة إن عادت... 
التفت إلي والدي ونزل الدرجتين وهو يضع يده على كتفي و يقول بحنان : هذه ابنتي كلآرا .. 
حدقت بي المرأة بدهشة أولاً .. ثم قالت بعطف أو شفقة لا أدري : آوووه يا حبيبتي . آسفة لم أرك .. كم أنتِ جميلة . 
لكني رأيت الحيرة بعينيها , ربما لأني لا اشبه جيني و والدي كثيراً .. استغربت جداً , فأنا لم أنظر لنفسي من هذه الناحية .. جاء السيد فرانس و قال ضاحكا من خلف زوجته : أتريدين إبقاءهم خارجاً طوال العشاء , آوه يا ألهي . أرجوكم ادخلوا.. 
أنا أنكست رأسي لا أدري ما العمل , لكن والدي انحنى نحوي و حملني... آآه يا الإحراج ... فحاولت ألا أنظر حولي .. 
كانت السيدة فرانس تقول ضاحكة أيضا في ممر الردهة : آوه يا ألهي كم أنسى عندما تكون جيني الملاك بين يدي. 
وأخذت تداعب الصغيرة بسعادة و جيني تضحك , وهذا أشعرني بالحنق الشديد .. لقد وثقت جيني بالغرباء سريعاً .. لم يعجبوني عائلة فرانس أبداً ..وتمنيت من كل قلبي لو أنني في المنزل مع الهلاوس .. أشعر بأنها أرحم ><...!! 
كانت الردهة مضاءة جدا و فاخرة وجميلة التحف للغاية .. ل
كن هه بالطبع ردهة منزلنا أجمل و أفخم... لا أدري لم أشعر بالغضب و النبذ , لكني لا أحب الزيارات طبعا وأنا محمولة أمام غرباء ...!!

وضعني والدي بخفه فوق أريكة طويلة مريحة و همس لي : سأجلب العربة لأضعها في الممر ...
ابتسم للزوجين مستأذنا و خرج .. وبعده بثوان دخلت سيدة أخرى .. لكنها امرأة شابة وجميلة جداً شقراء وأنيقة للغاية ابتسمت لي بمرح و قالت بصوت ناعم وهي تقترب بسرعة بخطوات رشيقة حسدتها عليها :
_ لقد قابلت السيد موند قبل ثوان .. ياللروعة ظننت أنهم لن يأتون .. أنتِ مؤكد كلارآ .. 
صافحتني بحب و ظلت واقفة قربي لثوان .. شعرت بالأمتنان جدا لهذه السيدة الجميلة التي لم تعتبرني خفية من أول نظرة .. 
ثم داعبت جيني التي بحجر السيدة فرانس برقة و التفتت لتقول لي و للزوجين : سوف أجلب الشاي حالاً .. 
توقفت فجأة و التفتت لتقول بحرج وابتسامه خفيفة : اووه يالا قلة ذوقي ! , أنا جوليان زوجة لوك. ولا أدري أين ذهب أليكس لا شك بأنه يذاكر بالأعلى , سينزل فوراً .. 
قلت بهدوء و ابتسامه : تشرفت سيدة فرانس .. 
ابتسمت لي برقة و خرجت .. قالت السيدة فرانس العجوز بمرح في لحظة دخول والدي : لقد حدثنا لوك عنك كثيراً عزيزتي , كم أنت فتاة طيبة .. لا شك بأن أليكس بمثل عمرك .. 
ابتسمت بوهن و والدي يجلس بجانبي شعرت بالهدوء .. قال السيد فرانس معترضا : لا أليكس أصغر سنا بقليل .. أنه في الخامسة عشرة .. لم لا ينزل لقد أتوا الضيوف ؟!
تساءل بحيرة وهو يلتفت للمدخل , سأل والدي بهدوء : ألن يأتي لوك الليلة ؟!.
اجابته السيدة فرانس وهو تضع جيني على الأرض كي تحبو كيفما تشاء : آه لا مع الأسف لقد أوصل زوجته وابنه ثم غادر لديه عمل كثير... 
اومأ والدي و ظل صامتاً .. جلبت زوجة لوك الشاي و الكعك و جلست على الأريكة المفردة التي بجانبي وشعرت بالسعادة لأنها لم تتجاهلني كما يفعل الجميع وكأنني طفلة في الخامسة .. تحدثت إلي بكل رقة و لطف وليس بالشفقة .. بل شعرت من كلامها بأن هنالك أمل كبير بالتغير للأفضل... اعجبتني هذه المرأة جداَ... ثم أخذت تتحدث إلي والدي كذلك بسعادة .. 
فجأة أطل ظل شخص من المدخل .. و ظهر فتى أشقر طويل بجينز وتيشرت مرتب .. صدمت لدى رؤيته ... آآوه لا يمكن أن يكون هو ... التفتت إليه جوليان و قالت بسعادة : تعال يا عزيزي .. الضيوف هنا .
اقترب أكثر للضوء و بدا هو أيضا مندهشا لرؤيتي .. نظرت إليه من جانب وجهي و بقيت صامتة .. اقترب هو من والدي و صافحة مبتسما وهو يقول : اهلا سيد موند .. آسف لتأخري .. 
ثم نظر إلي و قال بتهذيب : مرحباً .. 
قلت بلا ابتسام : اهلا .. 
وجلس على أريكة قرب جده بينما أمه تقول مندهشة من برودنا : أليكس هذه كلارآ أنتما بنفس المدرسة , ألم تلتقيا ؟!. 
قبل أن أجيب قال هو بهدوء وهو ينظر في عيني : آه لا .. مع الأسف لم أرها. 
فشعرت بارتياح لا أريد أن يقول لهم كيف كنت تعسة باليوم الأول وكدت أسقط على وجهي .. 
أتبع الفتى كلامه : أننا في صفين مختلفين .. 
قلت ببرود وعيناي منخفضة : أنا في الصف الأخير. 
تأوهت السيدة فرانس الشابة محبطة و نظرت نحوي وهي تقول : تبدين أصغر سنا حبيبتي ,لكن هذا جيد لك سوف تتخلصين من الدراسة خلال سنة بينما بقيت سنة أخرى لـ أليكس .. 
و ظلوا الكبار يتحدثون و يثرثرون بينما أنا و أليكس صامتين و كلانا يشعر بالملل . لقد لمحته مرتين يتثاءب .. وجعلن هذا اتثاءب أنا أيضا .. ثم حككت عيني .. الكعك و الشاي خدراني و تمنيت لو أنني بالمنزل في سريري .. بينما جيني تتمشى أو تحبو بسعادة بين أقدامنا حملها والدي و داعبها كثيراً حتى ملت منه ثم قفزت لحجري وأنا استقبلتها بكل فرح ..
لكن السيدة فرانس العجوز شهقت فجأة قائلة بقلق : آووه لا .. جيني سوف تؤذين أختك .. أليكس خذ الطفلة قليلا... 
قلت معترضة بينما حدق بي والدي مثلهم : لا أنا بخير .. أننا بخير.. 
لكن أليكس نهض وقال مبتسما بقلق : لا بأس سأهتم بها .. 
ضحكت أمه لتقول : أنه يحب الأطفال .. أليكس سيكون والداً رائعا بالمستقبل. 
أحمر الصبي خجلاً و التفت ليعود للجلوس قرب جده .. و للتو لاحظت شيئا .. كان جده السيد فرانس يرمقني بنظرة غريبة .. نظرة متسائلة مرتقبة .. ليست عدوانية أبداً .. أنما كأنه يحدق إلى كائن غريب ولا يدري أهو مؤذٍ أم لا ... باختصار كان يتفحصني .. استغربت كثيراً و التصقت بوالدي وقلبي يخفق .. 
قال الرجل فجأة وهو يرفع فنجانه لفمه : جيني تمتلك عيني والديّها , لكن كلآرا تبدو مختلفة .. لكنك جميلة ياصغيرتي الرمادي لون هادئ كطبعك .. 
لا أدري ما خلف كلماته لكن والدي ابتسم برقة ,,, قلت بصوت بارد دون درايتي : أنها خضراء .. عيني .. 
قال والدي بسرعة و كأنه يشعر بشعوري : أن كلآرا بلا شك تملك عيني من عائلة والدتها .. رمادية مخضرة جميلة ..
_ حقا ؟! , أنها تبدو لي رمادية فقط الآن .
نظر نحوي والدي باهتمام , بينما فكرت بعبوس وأنا أحدج الرجل ما شأنك بلون عيني >< ..!! 
قال والدي بلطف يهدأ توتري : هذا شيء مميز حتماً , يبدو لي عميقاً .. 
همهم السيد"جورج" بلا اكتراث و عاد ليتناول بعض كعكه .. بعدها ظلت الأحاديث هادئة حتى حان وقت العشاء ... بعد العشاء بقليل و الجميع يتناول القهوة , سألني أليكس أن كنت سأذهب للمدرسة غداً .. حدقت به وأنا لا أدري حقاً... قلت بتردد " لست واثقة ربما سأذهب ..." . 
وفكرت بالأشخاص الذين رأوني بالعكاز ... لآتيهم في اليوم الآخر على كرسي متحرك .. ألن تتحسن هذه الفتاة أبداً ؟!. 
بدأت قدمي المصابة تؤلمني بشكل مفاجئ جعلتني ارتجف لثوان .. فقبضت على ذراعي بقوة و صررت أسناني مفكرة هل تناولت المسكن و الدواء .. لكني لم اتذكر شيء .. تباً ... أصابني الصداع ايضا وبدأت أنفاسي تضطرب من الألم المكبوت ...! 
انتبهت أن الجميع فجأة يحدقون بي... سألت السيدة العجوز بقلق : هل تشعرين بالبرد عزيزتي ؟!.
بينما يحدق بي والدي بتوتر مشدود .. حككت جبيني و قلت بصعوبة اقاوم الألم : لا . أنا بخير .. 
قال "جورج" فجأة وهو يتمعن فيّ : لا شك بأن الصبية متعبة جداً , يجب أن ترتاح كثيراً وتتمدد . 
كانوا كلهم يحدقون بي قالت السيدة جوليان برقة : اوه حبيبتي , ربما تشعرين ببعض الصداع لدي بعض المسكنات.
نهض والدي فجأة وقال برسمية وهدوء معتذراً : آسف حقا , الأمسية كانت رائعة , لكن جيني بحاجة للنوم أيضاً , وكلآرا امضت يوماً مرهقاً..
نهض جورج وهو يقول بتعاطف : نعم بالطبع .. لقد أرهقناكم .. لا بأس جاك. 
تبعونا كلهم للخارج و حملني والدي و أنا لا أزال أتألم من الساقين كلاهما بدئا يحرقانني وكأن هنالك جمر داخل اللفافات !.
جلست اتنفس بصعوبة في السيارة و يداي ترتجفان محاولة اغلاق الحزام , بينما والدي يعود ليأخذ جيني من يدي السيدة ... سمعت صوت حركة غريبة بعيدة , فلتفتت بتعب أحدق في الأشجار البعيدة المظلمة .. كانت الساعة تقترب من التاسعة .. عدت كي أربط الحزام .. لكن الصوت عاد و كأنه مشي ثم توقف .. رفعت عيني بإرهاق أنظر بتوتر فألمي جعل مشاعر مشوشة ...
لكني صدمت .. وأنا أرى بين شجرتين ظل طويل ... لشخص ما واقف يتطلع نحو السيارة , لكن كل شي مظلم فيه لا ملامح ولا عيون... عيون آآه تذكرت العيون التي بالأمس .. اللعنة لقد عادت الهلاوس أنها تتشكل لي تدريجياً .. 
_ حبيبتي ؟!.
حدقت بأبي الذي جلس وراء المقود و هو يعتدل و يساعدني في ربط الحزام .. قال معاتباً و قلقا بنفس الوقت :
_ لقد نسيت تناول دواءك أليس كذلك , آوه كلارا ؟!.
اضطربت و قلت مشوشة : أبي .. هناك شيء ما قرب الأشجار...!
حدق والدي إلى حيث أشير بأصبعي ولم يكن هنالك من شيء.. عاد ينظر نحوي وقال مكملا كلامه : سنعود بسرعة كي تتناولي طعامك و لترتاحي فأنت شاحبة جدا و مرهقة للغاية .. آسف لأرهاقك كان علينا رفض الدعوة الآن .
_ آه لا , أرجوك .. أنا متوترة فقط ولم اعتد على العكاز حتى يجلسوني على مقعد .. لكني أعدك بأن أكون افضل عما قريب... 
هز رأسه ولم يجادلني و وصلنا للمنزل .. حدق أبي بـ جيني الصامتة فوجدناها نائمة .. قال بهمس لي : سآخذها أولاً ثم أعود إليك .. 
اومأت برأسي بتعب .. فنزل و حملها ليدخل المنزل .. بينما بقيت أنا أسمع صوت الرياح .. و فجأة وخزني كاحلي المصاب بشكل قوي جعلني أتأوه ألماً و أنحني نحوه كي أمسكه بقوة .. لكن ظل يؤلمني .. قلت صارخة والدموع في عيني : هذا يكفي...!
" لا تصرخي !." 
جاءني همس عجيب مع صوت الرياح و حركة الأشجار في ظلمة الليل , شهقت و أخذت التفت حولي مرعوبة أقصى درجة أضم نفسي... و هاهو مجدداً , تبا للهلاوس .. أنه نفس ظل الشخص الذي كان قرب منزل آل فرآنس ... لكنه يبدو أقرب قليلا... غير أنه مظلم ... وقد تحرك ليضع يديه حول وسطه ... 
هذه ليست هلوسة !... منزلنا مراقب ..!! 
كدت أصرخ بـ أبي... لكن الهمس عاد ليقول بشكل أكثر وضوحاً " لا تصرخي و إلا سيعود !! " 
أخذت انتفض بمكاني و ظل الشخص مهما كان واقف على مسافة كبيرة ربما أكثر من عشرة أمتار كان ينظر بعيداً بحسب التفافة رأسه .. وكأنه يراقب شيء ما ... أخذ قلبي يقرع بقوة ... سمعت صوت والدي ينادي .
_ كلارا ...؟!
وفتح لي الباب لأرمي بنفسي عليه و أتعلق بعنقه... تفاجئ و قال وهو يحتضنني مهدأ : حبيبتي ما بك ؟!. آه أنتِ متجمدة... 
قلت بتوتر مخفي وأنا أرى الشخص يختفي في الظلام : أني مرهقة جدا أبي... 
ساعدني في دخول الحمام , لأخذ دشا سريعا حاراً ... ثم دفئت نفسي ببجامة داكنة ثقيلة و طويلة الأكمام ,ثم ساعدني أبي في ربط كاحلي مجدداً بالأربطة الجديدة بعد دهنهما , تناولت الدواء و كأس كبير من الماء .جلس معي قليلا يسألني أن كنت أشعر بالألم ... فطمأنته أنني بخير الآن وسط سريري و قد بدأ الألآم تختفي... قبلني على شعري برقة وهو يقول : سأكون بالأعلى أعمل على شيء ما .. تركت جيني نائمة في غرفتي .. استطيع أن اسمعكما كلاكما أن ناديتماني .. 
قلت بخفوت و تعب : آسفة أبي لأرهاقك .
_ لا عليك حبيبتي .. تصبحين على خير.. 
وغادر الغرفة ليطفئ النور ... ثم وضعت رأسي على الوسادة من التعب نمت سريعاً... 

لا أدري كم مضى علي .. كان كل شيء هادئ ثم فجأة دوى بأذنيّ صوت صراخ بعيد للغاية و كأن أحدهم يطلب النجدة !!. 
فتحت عيني بصدمة و حدقت حولي وشفتي تنطقان بلا وعي كلمة : أين ؟!. 
حدقت بنفسي و تذكرت كل شيء... ثم فجأة تراءت لي صورة أمي و تلاشت بسرعة وكأنني لم أرها منذ سنوات...! رفعت يدي و تحسست وجهي ... كله مبلل بالدموع ... سحبت الغطاء و مسحته بهدوء بينما يداي ترتجفان ... 
مالذي يجري لي ؟! .. شيء غريب و مخيف ... هلاوس أحلام مريعة كأنها حقيقية جداً .. ألآلام لا تنتهي ... لقد اكتفيت من كل هذا ...! 
حدقت بالساعة .. كانت التاسعة صباحاً .. فكرت ببرود فلتذهب المدرسة إلى الجحيم ...! رأيت الكرسي قربي فقفزت عليه .. و دفعت نفسي خارجاً بعدما اصطدمت بالباب وآذيت أصبعي و شتمت . لكني ظللت مستمرة 
حدقت بالردهة متكاسلة أن أدخلها. ناديت بهدوء : أبي ؟!.
لكن لم يرد علي أحد .. توقفت أمام الدرج الطويل الذي لا أمل بصعوده , كان الطابق يبدو مظلما هادئاً. غريب , ذهبت للمطبخ ولم أجد شيء , نظرت من النافذة فرأيت سيارة والدي ساكنة بمكانها ... ربما لا يزال أبي و جيني نائمين ..
عدت للمطبخ وأنا أقول سأصنع لهم الطعام .. أخرجت البيض و الأجبان وبعض الخضار للسلطة و بدأت العمل وأنا جلسة في كرسيي أضع كل شي بحجري و أقطعه .. آآوه أنا لست سيئة .. أبدو جيدة بهذا العمل .. 
صنعت عجينه صغيرة لأجل الفطائر بالجبنة و وضعتها بالفرن و قمت بصنع البيض المقلي و تقطيع السلطة و تجهيز التوست و المربى و الكريمة ... صنعت أفطاراً جيداً جداً.... ثم وضعت أبريق القهوة على النار بينما أشرب بعض العصير البارد كي اتنشط... 
اقتربت الساعة من العاشرة , وأنا أسكب القهوة في فنجانين كبيرين .. فاجئني صوت مذهول 
_ كلارآ ! , ماذا تفعلين ؟!.
التفتُ لوالدي و قلت مبتسمة بأشراق قدر ما استطيع : صباح الخير أبي .. وضعت لك قهوتك سوداء كما تحب. 
بالرغم من نظرة الذهول في عينيه وهو يحدق بالطاولة المملوءه بالأصناف - قال معاتباً وهو يرفع يديه باتجاهي :
_ لكن ... عزيزتي , قد تؤذين نفسك .. لا تفعلي هذا ماذا لو حدث لك شيء ما ؟!.
قلت بامتعاض وهو يقترب مني قليلا لينظر إلى الفرن خلفي لعله يحترق : أن كل شيء بخير , يداي كما ترى و عقليتي بخير جداً.. 
حدق بي قليلا ثم ابتسم اخيراً و انحنى نحوي كي يضمني بحنان و تقدير همس : أنتِ تفعلين دوماً مافي رأسك أليس كذلك ؟!
قلت بمرح : أجل ألستُ اشبهك طباعاً .. لا تتذمر إذن. 
ضحك بصوت عالي اسعدني ... ثم فجأة تعالى صوت جيني تبكي... قال بسرعة وهو يهرع للباب : أظن بأن الجميلة النائمة استيقظت...!
مر اليوم بسلام فقد خرجا في نزهة بالبلدة الجميلة بالسيارة و توقفنا عند عدة محلات يشتري منها أبي اطعمة , كتب , أدوات مكتبية لأجل عمله القريب , وجلب جهاز خاص للاستماع للأطفال عندما يكونون بغرفة بعيدة , فكرت بأنه مفيد جداً .. 
كنت استمتع بيوم العطلة الجميل هذا و جلسنا كلنا معاً على تلة جميلة قرب الأشجار و تناولنا الغداء ونحن نتحدث قليلا , استلقى والدي ليغفو وبقيت أنا و جيني نلهو قربه حتى فجأة اقتربت غيوم لتغطي الشمس ببطء ...
فتح والدي عينيه و حان وقت العودة للبيت ..


كان أبي يصنع العشاء بينما جيني تنام قليلا في الردهة أنا تسللت إلى غرفة البيانو .. وجدت آلة الموسيقى و مكتبة صغيرة بها تسجيلات وبعض الكتب الموسيقية ... لم آبة لها وأخذت أعبث بالأدراج .. وبينما كنت أمد ذراعي بطولها داخل درج ضيق ... لمست شيئا رقيقاً .. كأوراق مجمعة معاً... مندسة تحت كومة من الاسطوانات ..
سحبتها بحذر ألا تتمزق , و بالفعل ظهرت مجموعة من الأوراق القديمة الصفراء .. قرأت التاريخ , آوه يعود ربما لخمسة عشرة سنة و أكثر .. ضيق عيني .. خط اليد صغير وأنيق لكنه مستعجل جداً ومكتوب بالفرنسية أظن .. تباً .. أنا أبدا لم أكن جيدة بهذه اللغة >>!.

وضعت الأوراق فوق الطاولة , و تابعت عبثي بالدرج الطويل هذا .. تلمست اصابعي سلسلة ما... سلسلة صغيرة ناعمة و... 
_ كلارآ ؟؟!.
افزعني ابي فلتفت بسرعة و دفعت بالأوراق في الدرج و أغلقه .. ثم ظهر أبي ينادني بهمس عالي قليلا : ماذا تفعلين ؟!.
_لا شيء... 
_ هيا لتناولي العشاء .

بعد العشاء أخذ والدي جيني للأعلى و معه أيضا زجاجة حليبها في حال أن استيقظت جائعة ... جاء إلي وكنت جالسة على الأريكة في الردهة و بين يدي كتاب لا أدري ما عنوانه .. مر بي والدي سريعاً و قال بهدوء وهو واقف قرب مدخل الردهة المقوس
_ سأكون في غرفة المكتبة هنا أرى بعض أوراق العمل , ناديني أن اردتِ النوم . 
قلت بهدوء : حسنا " ... وأنا أفكر بأنني سأمر عليه فقط لألقي التحية لا لأجل المساعدة .. بعدما ذهب بدقائق لاحظت جهاز الاستماع الخاص بـ جيني على الطاولة البعيدة ... فكرت لقد نسيه والدي هنا .. لكن مؤكد بأن الآخر قرب جيني النائمة ... 
مر وقت طويل وأنا اقرأ و عقلي في خمول غريب ... لم يكن نعاساً أنما خمول حتى عن التفكير , نظرت للساعة فكانت الحادية عشرة .. صدمت لثوان , هل ظللت اقرأ لساعتين !!. يجب أن أنام باكراً حتى ولو لم تكن لدي نية للمدرسة غداً .. 
سحبت المقعد المتحرك قربي و جلست عليه بحذر .. ثم ذهبت لغرفتي و لبست منامتي و ربطت شعري الداكن ثم عدت للردهة اخذت جهاز جيني و اطفأت المصابيح ... دفعت نفسي لغرفة المكتب التي بآخر الممر و طرق الباب ثم فتحته .. فوجئت بـ أبي نائم فوق المكتب .. والضوء مسلط عليه وعلى شعره البني الداكن ..

_ آوه , تأوهت بخفه , والدي حبيبي العزيز يبدو في غاية الأرهاق .. فكرت هل اوقظه ؟! , لكنه سينهض و يعود للعمل .. اقتربت منه و اخذت معطفه الملقى على كرسي قريب وغطيته به ثم قبلت جانب وجهه .. يبدو الكرسي المكتبي مريح نوعاً .. لن يتألم من ظهره ان استيقظ .. 
غادرت المكتب و صعدت لفراشي غطيت نفسي جيداً و وضعت جهاز جيني على طاولة السرير ... 

ظننت بأنني غفوت لثوان , لكن شيء ما لمس جانب وجهي ففتحت عيني مرعوبة و بشهقة غير مقصودة ... نظرت في الظلام حولي ...لا شيء... تنفست بسرعة وأنا انصت .. متأكدة بأني سمعت شيء خفيفاً , صوت كـ .. غطاء يسحب على الأرض... 
نظرت للضوء الطفيف القادم من أسفل الباب , مصباح الممر لا يزال مضاءاً ... ظللت احدق بقلق .. فجأة مر ظل سريع يغطي الضوء ويعيده ... شخص ما يركض بالممر !!! . 
شهقت برعب لا يوصف !!. هنالك لـص في المنزل !!!. .. يستحيل أن يكون أبي ... نظرت لساعة يدي لتضيء بشكل خفيف .. تشير الساعة الى الثالثة فجراً ...!! 
انتفضت بخوف , والدي لا يمكنه أن يركض هكذا في المنزل بهكذا وقت .. ولمَ يفعل , الجزء المرعوب بعقلي يحاول أقناعي بأنه أبي و أن علي فقط أن أندس تحت الأغطية أدعو بمرور الليلة بسلام ...!
لكن صوت ما جعلني اقفز من مكاني ... 
" ... هسسس ...!! " وكأنه صوت أفعى ضخمة ... ثم " وآآآآء ....وآآآآآآآآآآآآآآآ "
صراخ جيني !! ... أنه صادر من الجهاز قربي... هناك شيء ما مرعب عندها في الغرفة وهي وحيدة ....ربما والدي لا يزال نائما في المكتب ... 

لست أدري كيف فعلت ذلك لكني قفزت على الجدار اتمسك به , وقد أمسكت بيدي بشيء لا أدري ماهو و ركضت أفتح الباب و ثم فجأة صرت أصعد الدرج بسرعة لا أشعر بأي شيء... لا أعرف أين تنام جيني لكن صوتها قادم من الظلام ... ركضت بجنون ودخلت الغرفة ... لأصقع بمنظر رهيب ...!

كان هناك شيئا ما ,, ظل طويل جدا يصل للسقف رأسه و يحيط به هالة من الظلام الأشد اسودادا من أي شيء رأيته في حياتي .. كان هذا الشيء يملك عيناي مشقوقتين حمراوين كالجمر , والذي أرعبني لحد الموت أن له يدان كالسيوف يحمل بهما جيني التي تبكي بخوف شديد ...
حدقت بي بعيونها الخائفة الباكية... اقسم بأنها تستنجد بي ... صرخت بقوة وأنا أركض إليه كالمجنونة : اتركهااااا .... 
و أخذت أضربه بكل قوة بالشيء الطويل الذي امسكه ظهر بأنه عكازي.. حاولت أن ادفعه بجسدي لكنه وجه لي ضربه بصدري ..وكأن سكينا من جليد اخترق قلبي فارتجفت كل اوصالي .. ان كان يظنني سأستسلم بسهولة فهو مخطئ مهما كان هذا الشيء....
تعلقت به احاول الوصول لـ جيني ... وضربت أحد عينيه بالعكاز الذي امسكه ...
لكنه اللعين رد لي الضربة وشعرت بالأرض تبتعد وأنا أطير عالياً ... اصطدمت بالجدار خلفي بقوة وسقطت على ذراعي التي التوت بشكل مريع . صرخت ألماً ثم رفعت رأسي بجهد جهيد و رأيت شيء آخر يقفز من زاوية ما ... 
كان ظلا بشرياً على الأقل , و لدهشي ذلك الشيء ذو العيون الحمراء تراجع بعيداً .. الظل البشري لم يفعل له شيئا سوى أنه قفز عليه و اختطف "جيني" من بين ذراعيه المرعبة ... 
صرخ صوت غريب للغاية من خلفي : اقتله !!. بحق الأله !!. اقتله...! 
دخت بشدة و صرخت ألماً عندما أمسك بي بقوة شيء من الخلف. 
_ بها خمسة كسور على الأقل ! . توقفي عن الصراخ .
لكمت المتحدث المزعج البارد ...على وجهه كما شعرت من خلف ظهري .. لكن جسدي ارتفع عن الأرض... 
_ الجحيم !!!. 
زجر صوت بارد مخيف من الواقف قرب النافذة . وهو يعيد جيني الى سريرها , وقد مسح بخفه على وجهها و فجأة هدأت نهائياً و أغمضت عينيها ..
تطلب مني الأمر خمسة ثوان لاستوعب ما يجري حولي .. هناك شخصين هنا .. و الظل ذو العيون الحمراء اختفى وكأن لا وجود له ...!! بينما أنا محمولة بين ذراعي شخص بارد للغاية .. أعني بارد فعلياً وكأنه تمثال جليد ...!!
شفتي نطقتا بلا وعي مني : النجدااااااااة ... أبــــــــي ....!!
_ أنها لا تدرك بأن النجدة هنا بالفعل .. ألم أقل اخرسي...!
اللعنه عليه , سوف أموت ألماً وهو يصرخ بي... ضربته مجددا على وجهه بذراعي السلمية .. وأخذت أرفس وأقاوم ...
_ هل تريدنني أن أسقطك أرضاً ... بحق الأله ! اهدئي الآن... 
قال كلامه بشكل أرق قليلاً بالرغم من حدته .. وضعني على كرسي كبير وارتد قليلا , كنت اترنح و أرى الأرض تقترب و تبتعد كما أن النجوم ترقص أمام عيني وفي رأسي حفلة من طنين رهيب مؤلم..
لكن زجر نفس الشخص الذي قربي .. فزعت حسبته سيقتلني ... لكن بسبب الدوار و مقاومة الأغماء اسمع الكلام متأخراً
_ لقد جعلته يفلت عمداً !! , أنت حتى لم تخدشه !!.
_ لن اقتله ! , أنه لم يقصد الأذية ...!! 
قال الصوت البارد ببطء و بكسل لا يحتمل , بينما لم استطع رؤية صاحبة جيداً , لكن ضوء القادم من خارج النافذة وضحت لي معالم لشخص طويل بجسد ممشوق وذراعين بعضلات مفتولة معقودتين فوق صدره ... لكن هناك... عيناه .. عينان مستحيلتان !! ... 
لا يمكن أن تكون ... ذهبي داكن يسبح حول بركة من الرماد المنطفئ... جمع أغرب لونين في الوجود ينكر كلا منهما الآخر " الذهب " ذو القيمة الرهيبة ..,..... "الرماد" الذي لا شيء ...!. 
زجر الصوت الذي قربي مجدداً فانتفضت من شدة حدته و برودته :
_ سحقاً , "دانييـل" ! أنت تراه يكاد يقتلهما معا .. لمَ لم تتدخل منذ البداية ؟. 
_ لن تفهمني "ليونارد" . أليس كذلك ؟! , أنظر لفتاتك سوف تموت حالاً ان استمريت بمجادلتي و تجاهلها !.
كنت ارتجف اضطراباً خوفا , بل رعباً و برداً , فالجو فجأة اصبح جليدياً قاتلاً .. بينما صاحب العينان البركانيتان تحدقان بي بحقد لا أفهمه !.. 
شعرت بلمسه خفيفة على كتفي .. ثم صوت هادئ قريب مني : هيه , كلآرا قاومي قليلا .. سوف اساعدك. 
واخيرا صوت لطيف بعض الشيء ~~"
ارتجفت وأنا اهمس بخوف : لا تؤذي جيني .. أرجوك... جيني... 
_ ستكون بخير , لا داعي للقلق...
قلت مجدداً وأنا اترنح لا أرى أمامي : والدي... والدي ... 
_ أنهما بأمان كلاهما .. حاولي ألا تصرخي اتفقنا , سأحملك. تماسكِ ..
عندما دس بذراعيه حولي شعرت بهما كالجليد والألم هاجمني بقوة من كل مكان حتى رأسي أشعر به سينفجر ...
أخذت اشهق كاتمة صرخاتي ... آآه الوضع لا يصدق ... أنه من أسوأ الأحلام أو الكوابيس أو الهلاوس... أنها أسوأ من الحقيقة أو واقعي الذي اعيش به... وضعت يدي السلمية بفمي أعضها بقوة من شدة الألم و دموعي تسيل كالنهر...
_ آسف جداً لما حدث , سأزيل الألم سريعاً عنك . 
قال بصوت هادئ للغاية , لكني لست واثقة بأنه آسف حقاً !! .. وضعني فوق سريري , و بالكاد رأيته , اقصد خياله , كان يشبه قوام ذلك الشخص , طويل ورشيق وقوي وصوت بارد ... لكن عيناه مختلفتان ... بلون بركة جليدية في الظلام... زرقاء باهتة هادئة و... متجمدة ...! 

همس بهدوء وهو يضع يده الباردة البيضاء على جبيني : أولاً يجب أن تنامي ..
الجزء الرابع [ صدمة متأخرة ! ]

-----



شعرت بيده تهزني و بصوته القلق يقول :
_ كلآرا .. عزيزتي , استيقظي فالوقت ظهيرة !!. كلآرا ؟!
تمتمت بتعب بداخلي : أشعر بأن عظامي متفتتة , لماذا يجب علي الاستيقاظ ..؟!
وضعت يد باردة على جبيني فانتفضت أنا .. سمعت تأوه ثم حركة قلقة ..
_ يا ألهي كان يجب أن أعرف , حرارتك مرتفعة جداً .. كلارآ صغيرتي قولي شيئا ..
همست بتعب : أنا ... عطشى ... 
_ سأجلب لك الماء حالاً و سأتصل بالطبيب . لا تتحركي... 
سمعت صوت خطواته خارجاً . فتأوهت بعمق ... ظهري صدري و رأسي و ساقاي و كل شيء يؤلمني .. تباً لهذا الجسد الضعيف ... مالذي يجري لي ؟! ..
وآه .. أريد التحدث لأمي فقط .. أين هي ؟!
استندت لمرفقي و ناديت بصوت مبحوح عالي : أمــــــــــي ؟!... أمـي ؟!.
ثم نهضت بتعب بالغ و ظننت بأني سأسقط لكني تحاملت على نفسي ملتصقة بالجدار .. أصبح الجدار صديقي... مشيت خطوات بطيئة و ناديت أمي مجدداً ... ترى كم الساعة الآن ... هل هي بالعمل و تركت جيني بالحضانة ؟!. ومالذي يفعله والدي عندي .. أليس لديه عمل أيضاً... آه لا صحيح , لقد لكم مديره و استقال .. ربما هذا من حسن حظي .. أشعر بأني مريضة !. 
_ ياااربي !!!... كلآرا !!!. 
فتحت عيناي جيداً لأراه يهرع نحوي و يمسك بي جيداً... صرخ بي : مالذي تفعلينه يا فتاة ! هل أنتِ بوعيك ؟!.
قلت متذمرة : لا أريد العودة للسرير , لكن بما أننا متفرغان أنا وأنت , أجلب جيني من الحضانة لنهتم بها... 
حدق بي مصدوماً ... : حبيبتي أنتِ تهذين ...!
نظرت إليه و قلت ببرود : حسنا ربما أنت لم تجد عملاً بعد .. لكنك جيد جداً بالعناية بالأطفال أبي , سوف ترى .. اتصل بأمي و أخبرها ... آه اتركني قليلا لأجلب كنزتي حتى أذهب معك ...
لا أدري لمَ شحب وجهه بشدة وكأنه رأى شبحاً .. حملني فجأة و عاد بي للسرير... 
قاومت معترضة : لماذا تحملني !! أبـــي !! أنزلني .. هل اتصلت مديرة المدرسة بك وأنت غاضب مني ؟!.
_ يا ألهي ساعدني ! , حبيبتي أبقي هنا لدقائق فقط... أنت محمومة .. سيأتي لوك فوراً... 
حدقت به باستخفاف .. أنا محمومة .. آه أبي مالذي يجري له ... ثم من يكون لوك هذا ؟!.. 
قال مجدداً برعب وهو متردد بمغادرة الغرفة : لا تتحركي سأعود حالاً .. 
_ ماذا ؟ هل تخشى أن أقفز من النافذة مثلا !!. سأنتظر هنا أبي و أين عساي أذهب....
هز رأسه مرعوباً و عيناه واسعتان بلونهما الأزرق الفاتح ... ثم اختفى ... بقيت ادندن لنفسي و أفكر بما سأتناوله على الغداء , ربما أمي ستجلب معها شيئا لذيذا كما تفعل دوماً ... اممم سأخمن . من المطعم الفرنسي , فهي تحبه جداً... 
دخل فجأة رجل طويل , خيل لي رؤيته بمكان ما ... حدق بي بريبة ثم اقترب خطوتين و والدي خلفه يهمس له بشيء ما ..
_ مرحباً كلآرا , تبدين مرهقة .. دعيني أقيس حرارتك...
بينما هو يضع المقياس بفمي , نظرت لأبي و ابتسمت له ففزع هو !! أهذا ما تسببه ابتساماتي ؟!. من الأفضل أن أصمت فقط !
قال الطبيب بعبوس : حرارتها شديدة , يجب أن أعطيها حقنة ثم تتناول الدواء و الماء لتعود للنوم والراحة. 
اقترب مني أبي و مددت له يدي الأخرى خائفة من الأبرة التي أخرجها الطبيب من حقيبته .. أمسك والدي بيدي يدعمني ..
قلت له بتوتر : أنا أكره الإبر .. أريد الحديث عن أي شيء .. >< .. ما رأيك , مالذي ستجلبه أمي معها اليوم... أنا أراهن أنه المطعم الفرنسي وأنت...
تمتم والدي بشيء ما و انحنى ليقبل رأسي ... مابه ؟! يبدو خائفاً جداً و حساساً...
حدق بي الطبيب بغرابة , و سألني بهدوء : كلآرا , أتعرفين من أكون ؟!
بادلته التحديق و قلت مخمنة : صديق لـ والدي ...!
_ حسنا... تخمين جيد... لكني أقصد .. ما اسمي ؟!.
ضيقت جبيني اتفرس به , ثم هززت كتفي و قلت ببرود : لا , لم اتشرف بعد ..
رأيت عيناه يتوسعان صدمة ... ثم وقف ليشير لأبي ... خرجا معاً و تحدثا طويلا في الممر اسمع همهمتهما ... ثم عاد الطبيب بينما لمحت أبي يذهب باتجاه الردهة...
اعطاني الطبيب الدواء بصمت ... ثم تبسم بوهن و قال بخوف : أنتِ تعانين صدمة عزيزتي... بعد النوم المريح سوف تتذكرين كل شيء...
_ حقا ؟!. حقيقة أشعر بالنعاس , مالذي وضعته بالحقنة هاه...
ابتسمت له بمزاح فتوتر قليلا لكنه ابتسم , ورتب على رأسي ثم غادر... وضعت رأسي على الوسادة و نمت بعمق ..~ 
فتحت عيني بعد وقت ما , و رأيت ظل شخص واقف في زاوية الغرفة يراقبني ... ركزت النظر ولم أرى من ظلامه شيء سوى عيناه الزرقاء المنطفئة الهادئة ..
تساءلت من يكون .. اشار بيده بملل وكأنه يقول عودي للنوم .. التفتُ على جانبي وقد اعطيته ظهري ثم عدت للنوم ... ياله من حلم غريب !. 
_ كلآرا حبيبتي .. 
همهمت بسعادة و همست : نعم أبي.. 
_ ألن تستيقظي ؟ , أنه وقت العشاء .. 
فتحت عيني بدهشة , عشاء !. والدي يعاني مشكلة جدية بالنظر للوقت , رفعت جسدي قليلا و شاهدته يمسك بـ جيني واقف عند طرف السرير ... قلت بهدوء :
_ ماذا ؟!. 
رفع حاجبيه و قال بهمس بينما يبعد قبضة جيني الصغيرة عن فمها : الساعة السابعة ليلاً . 
نظرت ببطء إلى النافذة , الجو مظلم بالخارج .. قلت بتوتر طفيف : أعطني بعض الوقت .. 
لكنه بقي واقفاً بتوتر ينقل ثقله من ساق لأخرى .. سألني بخفوت و عيناه ترتجفان علي :
_ هل ... هل تدركين .. أين أنتِ ؟!. 
صمتُ وحدقت به بتركيز , قلت بهمس وأنا ألف شعري بربطة صغيرة : ما شأن هذا السؤال ؟!.
رد بصوت متوتر حقاً : قولي فقط كلآرا ...!
_ في منزل جدي أبي... أهناك خطب ما...
حدقت به بتوجس وأنا أشعر ببرودة غريبة داهمتني , لاحظت مرور نظرة رعب في عينيه ثم هدأ و قال بهدوء شديد :
_ منزل جدك , من ؟!.
كنت ألعب بأصابعي وعيناي مركزتان بعينيه , قلت وأنا اخفي ارتجافه : جدي براين .. هل أنت مرهق أبي ؟!.
أجابني بابتسامه مضطربة : لا .. سننتظرك بالمطبخ .. كوني حذرة حبيبتي .. آه هذا مقعدك قرب السرير...
كانت عيناه متوسعتين بشكل غريب وهو يراقبني ,بينما أنا ضيقت جبيني و جعدت أنفي عدم رضى وأنا أحدق بالكرسي المتحرك الذي نسيت أمره .. بدا وكأني لم أره من دهور... !
_ أجل أبي " همست له ثم جهزت ابتسامه خلال ثانية وأنا التفتُ إليه..
قال بهدوء وهو يبعد يد جيني عن فمها المتلهف مجدداً : حسنا , يبدو بأن جيني لن تنتظرك حتى تنضمي إلينا .. لكني سأفعل , أرجوك لا تتعجلي. 
ثم التفت و خرج بصمت , ظللت أحدق بظله الذي اختفى , ترى مالأمر .. لمَ يبدو مرعوباً جدا وكأنه حدث أ.........
و قطعت أفكاري سلسلة من الأحداث الرهيبة و الآلام .. الركض على الدرج ... ظل طويل بعيون حمراء ... طرت لاصطدم بالجدار و أهوي .. شخصين يتجادلان في الظلام ....!!
شهقت وأنا أحاول التنفس جيداً... ما كان هذا ..؟! ومالذي حدث بحق الآله...؟! هذا ليس حلماً... لا أنا واثقة .. وعندما... وعندما يحدث شيء مجدداً بل لن أجعله 
يحدث وسأصمد بقوة نعم... نعم .. ثم أن قدمي بخير , أشعر بها جيدة....
لكن ما أن وضعتها على الأرض لمستها فقط ارتفع منها الألم بشكل رهيب فشهقت مجدداً و رفعتها وأنا أمسح عليها شبة باكية من شدة غيضي ..

تمالكت نفسي و أخذت أنفاس كثيرة عميقة و مرتجفة ... ثم جلست على المقعد المتحرك و ذهبت إلى المطبخ....
بعد العشاء و في الردهة الدافئة بالطبع لاحظت نظرات والدي الغريبة المتوترة إلي .. و قال طالباً مني ألا أذهب غداً للمدرسة , فوافقت بلا مبالاة حقيقية ...
وفكرت بنفسي أنني سوف أكون في أسوأ وضع لتأخر دراستي أكثر وأكثر... طلب والدي هذا لم يأتي إلا من قلقه علي. 
بما لم يتبقى على الاختبارات الفصلية سوى شهرين ... لم انتبه إلا عندنا نهض والدي وبين ذراعيه جيني النائمة ليصعد للأعلى .. 
ذهبت لغرفتي ثم بدلت ثيابي بصعوبة لأن قدمي كانت تؤلمني , تناولت الدواء و تجهزت للنوم من شدة التعب
حتى عقلي لم يكن يعمل جيداً لأجل التفكير بتلك الأمور الغامضة ... دخل والدي اطمئن علي و غادر بتردد .. 


كنت غارقة بظلام النوم .. حتى سمعت صوتاً .. شخص ما يهمس .. و همس آخر يرد عليه... كانت الأصوات الخافتة و البعيدة تأتي من الممر خارجاً... فتحت عيني بثقل شديد و حاولت النظر بتعب الى الباب .. الممر مضاء و هناك ظل... بل ظلين متوقفين يقطعان الضوء القادم من أسفل باب غرفتي... 
حاولت التركيز على الهمس .. لكن صمتا فجأة ... كنت مرهقة لحد الموت .. لذا عدت للنوم سريعاً جداً ... 
ايقظني والدي مجدداً , وقال بأن الطبيب "لوك" هنا يريد رؤيتي .. عبست لكن قلت بتهذيب : سأكون حاضرة خلال دقائق... 
كانت قدمي مخدرة هذا الصباح , فارتديت بنطال واسع أسود وقميص أبيض من فوقه كنزة حمراء اللون ثم قصعةُ شعري الداكن المتناثر و الذي كان في حالة رهيبة ...عندما نظرت في المرآة كدت اشهق , توسعت عيناي ... يااه وجهي مرعب .. أبيض رمادي شديد الشحوب وكأنه رخام . وعيناي حولها هالات من السواد كما أن لونها مخضر بشكل غريب !!...
بالتفكير قليلا .. لون عيناي لا يفتح بهذا الشكل إلا عند الهلع .. أو أن المصيبة التي حدثت هي قوية جداً لواقعي ..!!
بينما شعري الداكن لا أريد التحدث عنه... أغمضت عيني لثوان طويلة ...لم أنتبه سوى طرقات لباب غرفتي ..
قلت بصوت عالي : قادمة أبي... 
في الردهة , وبعد تناول بعض القهوة .. أخذ الطبيب "لـوك" كل وقته في التحديق بي .. ثم سألني بضع أسئلة سخيفة لا أدري ما علاقتها بوضعي ... كـ... متى تنامين وهل تستيقظين لفترات في الليل ؟! , وماذا تأكلين ؟! , وهي تشربين الحليب يومياً وكم الكمية ؟! , ما رأيك بالمدرسة ؟! , و سألني عن دوائي وغضب قليلا عندما رأى أن بعض الحبوب يفترض أن لا توجد بسبب نظامي .. مما يعني أنني فوتها !!. 
بعد فترة صمت و راحة جلب والدي العصير لهم , ولي كأس ضخمة من الحليب الدافئ ... قبلته على مضض ><" لأجله فقط .. ثم جلب جيني من كرسيها لتجلس على حجره .. كانت جيني مفتونة بالطبيب ولأن والدي يجلس على المقعد المجاور له فأخذت تحاول بهمة لمسه و الضحك معه .. يالا الفتاة الجريئة هذا وهي طفلة .. 
لكني مسرورة لأن هذا الطبيب حول انتباهه لها وأخذ يداعبها قليلا و يريح والدي منها .. 
قال "جاك" بعد ثوان من تأمل شكلي : امم .. كلآرا , أريد أخبارك بأنني ..و لوك وجدنا آحم مُدرسة خاصة سوف تقوم بتعليمك بعض الوقت في المنزل... 
توسعت عيناي و شعرت بهما تحترقان من شدة دهشتي "مدرسة" ؟؟!! ... قال "جاك" بسرعة قبل أن أنطق النيران التي تكوني بداخلي :
_بالطبع سوف تذهبين للمدرسة .. لكن أنتِ تدركين حقاً بأنك متأخرة كثيراً جداً .. وهذه السيدة سوف تساعدك في دروسك السابقة... 
تحدث "لوك" قبل أن استوعب ما قاله أبي : أنها ممتازة جداً و طيبة للغاية كما أنها ستخفف عن والدك حمل جيني .. هي آمم مدرسة و مربية ماهرة... .
قاطعته بصوت يرتجف لا أدري لمَ : مهلكما كلاكما !.. أني لا أعاني مشاكل بالدارسة لأنني .. لم أبدأ حتى !!!
قلت الكلمتين الاخيرتين بصوت حاد ثم أكملت بسرعة : ..و جيني !! من أخبرك بأنها تحتاج لمربية ؟! , وكيف اتفقتم على هذا دون أخباري .. أبي ؟! , أنظر إلي هل أنا طفلة ؟!.
رد علي والدي بضيق : لا لست كذلك , بل أنتِ معـ...مصابة !! وتحتاجين للمساعدة شئتِ أم أبيتِ .. كفي عن هذا الكبرياء الأحمق... 
قبل أن يكمل كان قد صدمني بقوله وكأنني تحت عجلات سيارة , اهتج صوتي ببكاء وغضب وأنا أقول مقاطعة : أنا أعرف تماماً ما ترمي إليه ... لكن أعطني بعض الوقت... كي .. اعتاد .. أقسم لك بأنني سأكون جيدة كفاية ولأساعدك...
_ بربك كلآرا !! كيف تساعدينني ؟! ما هذا الهراء الذي تتفوهين به ؟!, أنا من يجب عليه أن يهتم بكما ..! أنت قادرة بالفعل على الكثير , لكن... يجب عليك تقبل الواقع أرجوك...
كتمت دموعي بقسوة وحاولت بجهد ألا أنظر بحده نحو الطبيب الصامت الذي يحتضن جيني يهدئها ... قلت بجرأة وقحة :
_ وبالطبع هذه السيدة ذات المواصفات الطيبة حد الشفقة علينا لم تكن سوى اختيارك هاه ؟!.
_ كلآرا....!! " صرخ أبي مستنكراً . 
بينما رد الطبيب بكل هدوء أعصاب : أنها فقط مرشحة و الخيار الآن يعود إليك...!
_ أخرسس !! ..." لآ أدري و أقسم بهذا كيف نطقت بهذه الكلمات .. أنا لست عادة من النوع المتفجر هكذا ...
صرخ بي أبي مجدداً وهو يقف : كلآرا !! , هذا يكفي ... لقد أرعبتني ليلة الأمس بما يكفي طوال عمري!! , لقد فقدتِ ذاكرتك لفترة و ظننت بأننا في العاصمة !. لقد أفزعتني !, أنتِ تعانين من مشاكل عدة وهذا بسبب عنادك و تكبرك على الحقيقة , الآن فقط عيشي كفتاة عادية و تقبلي ماحدث لك... و سوف تأتي المربية رغما عنك... وسوف تفتح عينيك ...
درات بي الغرفة و أبيض الجو فجأة ... لا , لن يغشى علي ... لأول مرة في حياتي كلها... سبعة عشر عاماً لم يصرخ بي قط ... لم أكن أسمع سوى صوته الناعم الهادئ... و لكن الآن .... أبي ..... أنه... يكرهني.... أو... الأقل يكره ما صرتُ عليه..... 
لا ... رباه.... هذا لم يحدث ....تباً !, الأمور التي لا تعجبني أنكرها... أنه محق !! .... آآه آه يجب أن أخرج من هنا ...قبل أن....
حركت الكرسي المتحرك و خرجت سريعاً جداً أكاد أطير من سرعتي... 
_ آه كلآرا.... مهلا .. عزيزتي !!! 
_ تحتاج أن تكون وحدها ,جاك... 
...بالكاد رأيت باب غرفتي , دخلتها بسرعة و أقفلت الباب بهدوء ألا يصد صوت ... حتى لا يظنني مجنونة تضرب الأبواب ...! ... بقيت ثانية فقط خلفه ... ثم أخذت أشهق ... و سالت دموعي ... وضعت يداي بقوة على فمي المحتقن أكتم الشهقات لا أريد أحد أن يعرف أو يسمع صوت بكائي... ظللت أشهق طويلا و دموعي المالحة ملئت وجهي .. بينما عيناي محمرتان جداً كما شعرت و حرارتهما تحرقني كليّ... 
مالذي أخطأت به ..؟! أني أحاول أن أكون جيدة كفاية ...؟! أقسم بأنني أحاول جهدي أن أعيد نفسي القديمة.... آه أريد أمي ... تراءت لي صورتها مشوشة جداً.... لكن بشكل ما حاولت الشعور بها فبكيت أكثر و أكثر... حتى مر وقت طويل ربما ساعة ...كان الوقت لا يزال صباحاً .. وفكرت بأن حمام طويل سوف يهدئني فأنا لا أزل حانقة و أن رأيت أحداً فسأعود لغضبي و صراخي....!
فتحت باب غرفتي و انصت ... لم أسمع شيئا... هل غادر ذلك الأحمق الطبيب ؟!... لا يهم.... 
كان الحمام قرب غرفتي لا يفصل سوى أربعة أمتار ... قطعتها بسرعة و ملابسي بحجري... دخلته و أقفلت الباب و قربت الكرسي الصغير البلاستيكي الذي وضعه لي والدي هنا – تحت الدوش ... 
بعد عشرون دقيقة أو أكثر خرجت و شممت رائحة طعام طيبة .. بالرغم من هدوئي بعد الحمام لم أرغب بتناول الطعام الآن ... أريد قرآءة كتاب ما .. أو النوم طويلاً .... 
بسرعة تسللت لغرفتي و أقفلت الباب خلفي.... آوه !!
كانت هناك صينية طعام ساخن لذيذ فوق الطاولة قرب سريري.... شعرت بالغصة وبعيوني تبدأ الاختراق... لكني تماسكت بقوة فأنا لا أريد العودة لأخذ حمام آخر... اقتربت من الطاولة .. و وجدت , رز أبيض لذيذ , ستيك لحم مشوي , بعض الحساء الأبيض الذيذ بالفطر و قطع خبر محمص وعصير فاكهة بارد , وعصير برتقال طازج , و كأس ما و طبق صغير به فاكهة صغيرة .... 
طرفت بعيني كثيراً .. قلت بصدمة : هذا جديد ...! حسنا .. هل يحاول أن يهدئني ؟! . 
حملت الصينية الكبيرة بحذر بالغ و ضيق لأنها ثقيلة , ثم فتحت الباب لأخرج ... بعدها بثانية وقبل أن أقطع الممر بعربتي هذه ظهر والدي من طريق المطبخ .. أولاً فزع وهو يحدق بي.... تباً دائما أفزعه ... من عذره فوجهي مرعب وشكلي بائس...!!
_ لا يا ألهي...! 
" آووه" قلت بقلبي وأنا أكشر بلا قصد .. اقترب مني بسرعة و أخذ الصينيه بينما هو يحدق بي بصدمة طفيفة ... كنت لا أنظر إليه بل إلى الأسفل ... عما ما أقول و كيف اعتذر.... 
لكن لساني نطق شيء مختلف تماما وبصوت خافت شبة مبحوح : دعنا نأكل معاً ... 
_ أجل. بالطبع حبيبتي... .
دخلت المطبخ بعربتي هذه التي أكرهها كره ال... من الأفضل ألا تعرفوا ... و اصطدمت !!
بأول كرسي طراخ ! , لكني بسرعة ابتعدت بتوتر بينما سمعت صوت تأوه والدي القلق... قلت بتعثر : آوه لا مشكلة !.
و توقفت قرب الطاولة التي كانت مرتفعة قليلا بالنسبة للكرسي الذي أجلس عليه .. وضع والدي الطعام أمامي بهدوء ثم مشى قرب الفرن ليسكب له بعض الشاي... أخذت المعلقة وبدأت الأكل بلا شهية فقط لأجله ... بينما هو يتكأ يراقبني للحظات .. 
قلت بعد دقيقة وأنا أنظر بحثا عن آوانٍ أو فوضى في المغسلة كما تعلمون... فوالدي لا يمكنه طبخ كل هذا خلال ساعة :
_ ممم .. هذا لذيذ , هل صنعت كل هذا ؟!.
رد بهدوء شديد : آوه لا .. جلبت سلطة الفاكهة و الرز واللحم من الخارج .. هل , اعجبتك الشوربا والعصير ؟!.
قلت بسرعة وأنا أنظر له نظرة خاطفة : آوووه لذيذ جداً , أعرف بأنك تجيد هذا أكثر مني .. حقا... 
كنت أعرف بأنه الرز والستيك اللحم من الخارج كما هو واضح لذا من البداية ركزت على تناول الشوربا كثيراً حتى يسعد هذا أبي مع أنني فاقدة لشهيتي وأفكر بالنوم... 
بعد دقائق سريعة انتهيت فتناولت العصير و الفاكهة بسرعة كبيرة كدت أغص , بينما أشعر بالتخمة ~~" .. بعدها استرخيت بالكرسي الغبي و انتظرت بهدوء مراقبة نقاط العصير في كأسي .. 
مرت ثوان ثم تحرك والدي وسحب كرسيا لقربي .. جلست عليه و قال هامسا بلطف : هيه حبيبتي كلآرا أنتِ تعلمين بأنك و جيني أغلى وجودي أليس كذلك ؟!.
التفتُ إليه و هززت كتفي برقة أي معلومة قديمة ... كان يحدق بعيني بغرابة و تركيز .. ثم أمسك بيدي يلاعبها وهو ينظر للأسفل ... قال مجددا بهدوء : يقول لوك بأنه عرض حالتك على بروفسور في طب الأربطة و العظام يعرفه ماهر جداً و يعمل بالمدينة .. قال هذا الرجل بأن هنالك أمل ما بعودتك إلى طبيعتك بعد الفحوصات .. سيأتي لرؤيتك بعد أيام.. آمم ما أريك أنتِ ؟!.
طرفت بعيني و قلت بجمود : لا بأس بالتأكيد من المحاولة... 
قال مبتسما بشكل واهن : أنها ليست محاولة صغيرتي , أنا واثق بأنك ستشفين كلياً .. لا تضعي قط في عقلك بأني أنا سأظل هكذا طوال حياتي ..!
قلت بنفسي "فات الآوان فقد تركزت الفكرة ببواطن عقلي ! " ... ابتسمت ابتسامه غريبة و قلت بهدوء : لست أدري لكني واثقة بأفكارك أبي .. وعندما تقول شيئا ما أشعر بأنه سيحدث .
اتسعت ابتسامته بينما برقت عيناه بدموع خفية ثم مال نحوي و ضمني بقوة وهو يقول بسعادة :
_ آوووه فتاتي القوية الحبيبة , أنا أحبك يا صغيرتي وسامحيني على صراخي عليك... 
ضمته بقوة لأني شعرت بأنه بحاجة هو أيضا للدعم , آه والدي العزيز ... قلت اتمالك دموعي :
_ لا يوجد شيء أسامحك عليه , أنا بلهاء أبي اعذرني .. أني لا أفقد أعصابي هكذا .. فقط كنت متوترة...
تركني وهو يكاد يضحك , قال وهو يقرص أنفي : أنتِ لستِ بلهاء , هذه إهانة لي أيضاً لأنك تشبهينني وتفكرين بكل المصائب التي لا يتخيلها أحد .. أنا أعرف بأن خيالك جامح عكس شكلك !. 
ثم أخذ يقهقه ... خيالي جامح عكس شكلي ... طيب يا أبي .. ! 
قلت ببرود : تذكر بأني اشبهك ...
_ ليس في الأفكار...!
_ و ما أدراك ! , أنت مخيف و غامض و تفعل ما يحلو لك... لا أدري كيف لكنك تعتني بنا بشكل ممتاز !.
حدق بي غير مصدق وهو يكتم ضحكة قال : طيب ما رأيك بهذا , أنت شريرة مع أنك تبدين بريئة ..! هاه تغلبي على هذا... 
هززت رأسي وقلت مصدومة : أنا لستُ كذلك ..
_ بلى ! أنت ترعبيننا و خاصة لوك يخاف منك ! آوبس لا تقولي له هذا !.
ثم ضحك بسعادة , قلت بعبوس : وكأنك تقول أنني أشبة الوحوش ! , ثم أن الطبيب لوك طيب جداً وأنا لا أكرهه ...
_ آوه هذا تحسن جيد ..^^ هو صديق طيب ..
_ أجل....
ثم أخذنا نثرثر كثيراً ولم يجلب أبي سيرة المدرسة الخاصة أو المربية مهما كانت ارتحت لهذا لأني أريد التفكير بهذا لاحقاً وحدي .. 
ثم خرجنا للحديقة , عاد والدي ليوقظ جيني من غفوتها ويجلبها هنا لنلعب .. و ظللنا نلعب و نضحك حتى غربت الشمس ... فعدنا للداخل و بدأت أنا ووالدي بتحضير عشاء بسيط ..



قلت لوالدي بأني أريد الذهاب غداً للمدرسة , فوافق هو بعد تردد طفيف .. ثم غادرت للنوم باكرة بعد أن جهزت حقيبتي , كان الليلة ساكنة على نحو غريب ولم أعد اسمع همسات غريبة أو أي شيء... هذا جيد يبدو بأنني اتحسن من الهلوسة و التخبط في الظلام ..! 
استيقظت فجراً قبل ظهور الضوء , فاغتسلت بأسرع وقت قدرت عليه , ولبست جينز مناسب وكنزة رمادية , تناولت المسكن ثم أعدتُ ربط الضمادات حول كلا قدمي .. جففت شعري سريعاً و عندما دخلت ممر المطبخ المقابل للردهة خيل لي سماع صوتٍ ما في الردهة . 
دفعتُ نفسي بسرعة إليها وحدقت بالمكان المظلم الهادئ ... ركزت بصري بتوتر وقلبي يخفق خوفاً .. لكن لم يكن هنالك من شيء.... هلوسة مجدداً , تباً .. لكن قلبي يقول شيئا آخر .. هناك شيء مريب وخطير يجري في زوايا الظلام حيث لا يشعر أحد .. أقفلت عقلي سريعاً عن التفكير في ذلك الحدث الذي جعلني أركض على الدرج...!! 
أني لن أفكر فيه و تمنيت لو محيَ من ذاكرتي الغبية هذه التي تحتفظ بأشياء لا معنى لها ... أنه حلم و هلوسة ممزوجة بأصاباتي العديدة ونفسيتي الغريبة و أظهرت لي تلك الأمور ...لخوفي الفضيع على جيني و والدي... آمممم سأذهب للمطبخ الآن...!
صنعت لي بعض القهوة وشربتها بسرعة قبل أن يفيق والدي و يعاتبني عليها , ثم صنعت الشاي و بعض الخبر المحمص والبيض .... وبينما أنا منهمك بوضع الجبنة فوق الخبر شعرت بشيء خفي يمر من ورائي فلتفتُ بسرعة ولم أرى سوى الممر!!
ذو الأضاءة الخافتة والسكون المريب ..!
ارتفعت ضربات قلبي بقوة , هناك أشياء بالمنزل !!! ... أشباح !! , شياطين .. وحوش مهما كانت فهي ليست جيدة !!!
هززت رأسي و تنفسي ينقطع من التوتر .... هلوسات ..... هلوسات ..... هلوسات !!!
_ كلآرا ؟!
_ آآه !! , شهقت بقوة وأنا ألتفت بسرعة لأجد والدي يحدق بي مصدوماً قليلا واضح بأنه للتو يستيقظ من بدلة نومه الداكنة وشعره المتناثر ..
_ حبيبتي ! ماذا تفعلين في هذا الوقت الباكر؟!.
قلت بعد أن تنفست جيداً : لقد اكتفيت من النوم , أفضل أن أكون باكرة ..
_ اوه . طيب صغيرتي انتظريني سأعود بسرعة...
اختفى والدي بسرعة و تابعت أنا تناول فطوري بصعوبة من شدة توتري .. و رأيت خطوط الفجر تظهر بوضوح مع أصوات العصافير ..
أوصلني والدي للمدرسة وبالطبع جلبنا جيني النعسة معنا... ظل يدفعني حتى أدخلني المبنى متجاهلاً كلياً نظرات الطلاب المندهشة ... حدثني قليلا يمطئنني بينما هو قلق على جيني في السيارة وحدها .. و ارتاح عندما رأى تلك الآنسة "ماري" التي اعطتني الجدول تتعرف علي من بعيد و تأتي نحوي للمساعدة ..
حيت والدي سريعاً و قالت بأنها ستهتم بي وليس هنالك داعٍ للقلق... أومأ والدي و غادر بسرعة بعد أن وعدني بالحضور لأصطحابي باكراً... 
مر الصف الأول بهدوء ولم يزعجني أحد وهذا اراحني كثيراً... ثم كان هناك صف الحساب لكنه بعد عشرة دقائق يبتدئ ... فتوقفت أنا في الممر الكبير أو "البهو" الذي يمرون من عنده حشود الطلاب و الاستاذة نحو الدرج الكبير أو الممرات الأخرى الصغيرة ...
وبينما أنا اشرب الماء وأتأمل جدولي المعقد شعرت بوخزة في قدمي المصابة جعلتني ارتجف لثانية , آه مالأمر لقد تناولت الدواء قبل ساعتين !! 
رفع عيني وأنا أنظر بعيداً إلى لا شيء... لكن ... كان هناك شيء.... وشيء ملفت للنظر و مرعب...!!! 
انقطعت حشود الطلاب لفترة ورأيت ذلك الظل المتكأ بعيداً جداً في أول المدخل , لكني لم أخطئ عيناه .. كان هو ... لقد عرفته .. في تلك الليلة التي أحاول محوها من الذاكرة ... صاحب العينين الغريبتين الحادتين وكأنه على وشك الدخول بصراع ما .. 
لكن هذه المرة كان هناك هدوء ما به ... ليته يقترب من الضوء قليلا ... عيناه المنطفئتان هذه المرة تحدقان بي .. حسنا !. نحن نتبادل التحديق من أكثر من عشرة ثوان وهو بلا شك يعلم بأنني أراه يحدق بي , لكنه كما يبدو لا يهتم سوى انتبهت أم لا لنظرته .. 
ياله من وقح .. !! آوووه لقد تحرك قليلا اخيراً. .. . اقترب من الضوء و ... آه !!.
فتحت فمي بلا قصد ثم سرعة ضممت شفتي بقوة ... غريب... غريب جداً .. أنه و تبا لهذا جيد المظهر... آه لاعترف بالحقيقة أنه ذو وسامة مذهلة , غريبة , فريدة , لا معقولة و.... تبدو خطيرة ... بالتأكيد أي عقل موجود بهذا الجسد الطويل الممشوق ...
ملامحه حادة الأطراف , عضلات ذراعيه و صدره بارزة من التيشيرت المناسب الذي يرتديه , يرتدي الرمادي بنفس لون عينيه الداكنة في هذه اللحظة و بنطالة الجينز الأسود .. بينما لآ أثر لـ ... حقيبة مدرسة , أو جاكت معه بالرغم من بروده الصباح !!. 
كان يضع أحد يديه على حزامه و يده الأخرى مستريحة بجانبه .. عندما رفعت بصري إلى وجهه مجدداً .. آوه مبيّض البشرة بشكل مميز وكأن الشمس مسلطة على وجهه الجامد هذا شعره حالك السواد وناعم كما يبدو من استرساله حول وجهه وجبينه .. أنفه مستقيم جميل وشفتين مطبقة بصمت ولكن بلا عبوس... و آخ ..
كان لا يزال يحدق بي .. آوه لم اعتقد بأن شخص مقعداً مثلي ملفت جدا لانتباهه !!
ضيقت جبيني و ارتجف قلبي وأنا ألقي بنظرة خاطفة حولي , أهناك من أحد لـ... ربما النجدة في حالة ما قرر هذا المجهول مهاجمتي ...! لا أدري ما السبب لكنه لا يبدو لطيفاً... أبداً... 
عدتُ بالنظر إليه و كأنني لمحت شبح ابتسامه هازئة ! , هل لاحظ توتري...؟! ولما يحدق بي هكذا هذا المعتوة الوسيم ؟!
قلت برعب وأنا أحسب المسافة نحو المدخل إلى الصفوف : ماذا تريد ؟!.
نظرت إليه بتوتر و صدمت برعب عندما دقق النظر بي بعبوس شديد وهز بكتفيه وكأنه يجيبني من تلك المسافة البعيدة... حرك رأسه بخفه بلا مبالاة وتحرك شعره الداكن ... بينما ومضت عيناه بلون ذهبي خطير وكأن أفكاره تغيرت...!
لكني أجفلت وحاولت التحرك بسرعة غير أن أوراقي التي بحجري سقطت متناثر على الأرض , عظيم !!... عظيم للغاية !!. 
شخص ما تحرك من جانبي وانحنى ليلتقطها كلها بحركة واحد .. ثم استقام ... 
نظرت لعينين زرقاوين فاتحتين جداً كلون سماء الفجر... كان هذا الآخر ... اللعنة أني لا استيقظ من الكوابيس بسهولة والهلاوس بدأت تتحقق .... كان هو الشاب الآخر في الظلام أنا واثقة... هو الذي كان يشاجر ذلك الآخر..
قلت بسرعة وبخوف شديد وكأنني محاصرة : ماذا تريد ؟!!!
تراجع خطوة عني لأنه كان قريب جدا ... وبدا هو أيضا واضح الوسامة والهالة المخيفة التي تحيطه , بشرته البيضاء و تقاسيمه الحادة و شعره ... مهلاً... شعره بني ذهبي فاتح قليلا ... وملابسه كان أيضا تيشيرت خفيف أزرق داكن وبنطال جينز أسود .. !!
مد لي بأوراقي بينما أنا أشعر بأنني محاصرة وعلى وشك الدخول بمعركة .. 
سمعت صوته يقول شيئا .. وتأكدت بأنه نفس الصوت الحاد الذي كان يزمجر بالظلام .. أريد أن أتحرك وأن أهرب لست واثقة مما , لكن لا أريد من تلك الهلوسة كما أظنها أن تكون حقيقية ..!! لم أكن مرعوبة منه لكني خائفة مما حدث أن يكون حقيقياً جداً...
شعرت بالبؤس .. كم أنا جبانة مرعوبة لا استطيع مواجهة ما حدث .. 
_ هيه ؟! 
سرت كهرباء قوية بجسدي , فحدقت به مجدداً , يبدو ألطف قليلا , بالرغم من عبوسه هذا الغريب... مد لي بأوراقي وهو يراقب وجهي بنظرات دقيقة .. 
خطفتها منه بسرعة و أخيراً تحرك دمي بذراعيّ وبدأت أو خطوات الهروب للنجاة ... وحاولت تحريك العربة لكنها لم تتحرك أنش واحداً حتى ... تبا ما الخطب ؟!.
انتبهت أنني أما عتبات صغيرة للمدخل الآخر .. أنه ليس الممر الذي جئت منه...!
_ تماسكِ سأرفعك.. 
_ ممـ... ماذا ؟!.
شهقت وأنا أشعر به خلفي يمسك بالعربة , قلت برعب : لا .. لا .. اتركني... مهلاً... 
صعد بي الدرجات وأنا مسحوبة الانفاس خوفاً كأنه لا وزن لي... وضعني أرضاً بهدوء ثم جاء أمامي ليقف. .. 
_ استرخي فقط , أنا لا أعض .. حالياً. 
أضاف كلماته ببرود مع ابتسامة ساخرة للغاية اضافت لوسامته كماً رهيباً . رغم هذا لم يكن مرعباً كذلك الآخر ذو العيون المميتة , نظرت إليه بتوتر أولاً ثم عدلت نظرتي سريعاً للحده , كان هناك بعض الطلاب يسيرون بعيداً ولم ينتبه أحد لهذا الشخص الغريب...
حسنا أن حاول فعل شيء فسوف أصرخ إلى أن أسمع أصوات تحطم الزجاج !!
_ نصيحة إياك أن تفعلي ما تفكرين به مهما كان . 
وذكرني هذا بصوت غريب أتى من الغابة في ظلام الليل ... أكان هو ... قلت بخوف وأنا أتراجع عنه قليلا : ماذا ؟!.
_ تراجعي أكثر وستسقطين على رأسك !. 
توقفت بسرعة , الدرج خلفي...!! , اقترب خطوة وبدا طويلاً جداً .. قال وهو ينحنى قليلا نحوي : 
_ اعتمدي علي , سأوصلك بسلام لصفك .. 
هززت رأسي خوفاً وأنا أشهق : لا .. ابتعد .. سأذهب بنفسي .
_ مشكلتك هي .. عدم الثقة بأي شيء... حتى نفسك .
قام بدفعي برفق وسهولة إلى الأمام بينما تشنج كل جسدي , قلت بصوت يرتجف : ما شأنك ! , أتركني قلت لك...!
_ صدقيني أنتِ لن تواجهي كل هذا وحدك كلآرا. 
تنفست بصعوبة من كل نبراته الباردة والواثقة , اعتصرت دماغي استرجع اللحظات المخيفة التي أحاول قتلها منذ زمن ... لقد ذكرت اسماء في تلك المحادثات القاسية .. اسم... آه ... كان هناك "دانييل"....! لكنه ليس هو ... "ليونارد"... هذا الذي خلفي .
وهم يعرفون اسمي .. وكانوا بمنزلي ... مع.... شيء آخر ...!
_ آآووه , تنهدت بضيق وخوف .. كل شيء حقيقي ! . والآن مالعمل ؟؟!.
_ ما كانت هذه ؟, استسلام للحقيقة .
سمعت نبرته الساخرة فرددت بحده : أنا لا استسلم لشيء . 
دخلنا الممر الكبير الذي به عدد كبير من الطلاب والفصول , ولاحظت بأن أغلبهم التفت ليحدق , ليس إلي أنما... إليه هو... 
همس بشيء ما وكأنه يحدث نفسه ثم عاد الجميع للانشغال بأنفسهم... وكأنه لا وجود لنا .. هذا يعجبني...!
توقف أمام أحد الفصول و مشى من جانبي بكل ثقة وكبرياء ليفتح الباب , كانت حركاته سلسة رشيقة وجميلة مثل وجهه ..
نظر نحوي وقال بهدوء بينما أنا أدفع نفسي للدخول : نحن في نفس الصف...
اوقفني هذا رغماً عني وحدق به بتعب لطوله الشديد , قلت بحده : ماذا ؟!.
_ دعينا نجلس و سأحدثك عن نفسي .. 
_ لا التحدث إليكم ولا رؤيتكم , فقط ابتعدوا عنا .. فقط هذا كل شيء. 
لمعت عيناه بشكل مخيف وتحرك أمامي للصف توقف جانباً و لزم الصمت وعيناه تراقبانني بتركيز يرعب .. تحركت بضيق و صرتُ خلف أحد الطاولات الخشبية وحاولت أن أتأكد من أوراقي ... لكنه تحرك بعد سكونه الغريب و جاء ليجلس إلى جانبي..!!!
نظرت إليه بخوف أولا ثم تمالكتُ نفسي... قلت بتوتر وكأني أخشى أن ينقض علي ويقتلني : ألم أقل ابتعد عني ؟!.
_ قلتها حتى الآن ثلاث مرات , وكان من الواضح أنني اتجاهل ما تطلبين يا آنسة .. فعندي واجب أقوم به .. لذا اهدئي. 
فجأة تملكني فضول مريع لكل شيء... قلت بتلعثم : مالأمر ؟!.
نظر في عيني بتأمل غريب وعبوس , فهمس : أمور .. وليست أمر واحد .. لكن المهم الآن أن تهدئي اتفقنا. 
لكني عدتُ وقلت : لقد .. رأيتكم من قبل . أنت تعرف أين .. 
كنت أريد التأكد من تلك الفضاعة التي حدثت , وضع يديه فوق الطاولة و قال بهمس طفيف : جيد وسيء بنفس الوقت .
قلت بسرعة : ما كان اسمك ؟!.
_ ليونارد , يمكنك مناداتي بـ ليون فقط ان احببت . 
هززت رأسي مستنكرة وهمست وأنا أرى طلاباً يدخلون : نحن لسنا اصدقاء , كما أني أشكر لك اهتمامك الغريب لكن...
قاطعني ببرود وسخرية : هذا ليس المطلوب . و لا يمكنني تركك قريباً .. سواءً اعتدتِ على وجودي أم لا .. 
قلت بغيض : يمكنني جعل والدي يلكمك بقوة .. 
_ لست اوافقك الرأي , في الواقع أظنه سيكون إلى جانبي عندما يعلم السبب... لكن....
نظر إلي بجدية اخافتني ... وأكمل : لكن .. يمكنك أن تكوني أكثر تكتماً إلى أن نحل المشكلة. 
بلعت ريقي وقلت : أنت و رفيقك ذاك ..!
_ رفيقي ذاك يدعى دانييـل .. وهو لا يحب أن تخرج الأمور عن السيطرة. 
قلت برعب وقلبي يضرب بقوة : أنا خائفة على والدي وأختى الصغيرة ..أنـ...
قاطعني بلطف غريب هذه المرة : قلت قبلاً ألا تقلقي بشأنهما أبداً أنهما أكثر حظاً منك .
نظرت إليه بشكل كسير بائس , كنت أعلم هذا .. لمَ عليهم تذكيري بأن حظي لعين ؟! .. 
تابع فجأة برقه أكثر وهو يميل برأسه : أعلمي بأني هنا للمساعدة , أنا لستُ العدو !.
ضاق جبيني قليلاً , وللبرهة نتبادل النظرات ... في الواقع هو لا يبدو شخصاً سيئا .. مع أنهم أخافوني حد الموت في البداية !! 
دخلت معلمة الحساب وهي تحيي الصف بمرح شديد قاطع الجو الغريب الذي يحيطنا .. فنظرت نحو هذا الفتى الغريب الذي يبدو أكبر من عمره بكثير , والوسيم بشكل يخيف أيضاً .. بادلني نظرة نهائية ثم اسند ظهره لمقعده ... حاولت الاسترخاء طوال الصف لكني لم أقدر ... كنت أمسك القلم ويدي ترتجف وعلمت بأن حياتي لن تعود قط.... قط إلى ما كانت عليه...! 
أنا لن أكون بخير , يا ألهي ساعدني...!
الجزء الخامس [ شيء خاطئ وعيون زئبقية ! ] 



دوى صوت خطواتي في المنزل الشبة مظلم وكأن الوقت الغروب , قلت مفكرة بدهشة , لقد شفيت بسرعة غريبة وأنا أقف على قدمي ... 
حدقت بالدرج الطويل المفضي للطابق الأعلى المظلم بشكل أشد ..
ناديت : أبي .. ؟!
لكن لم أتلقى رداً ... كان الصمت شديداً .. صعدت الدرج بتوتر غريب انتابني .. مالأمر , أين أبي ؟!.و أين جيني ؟!.
مشيت بالممر في العتمة وخوفي يزداد .. مررت من نافذة الممر و سمعت صوت غراباً عالياً فوق الشجرة قرب النافذة , حدقت بضيق في الغراب الأسود الذي بادلني التحديق بعينيه السوداوين .. فتشاءمت منه و شعرت بالسؤ ...
تبا .. أني لا اعتقد بهذا !... لكني على حافة الرعب !.
ناديت بأنفاس مقطعة وأنا أحدق بالممر الذي يغرق بالظلام أكثر وأكثر : أبي ؟! أ...أبي ؟!. 
مرت ثانية ثم سمعت صوت اجابني ..." تا...تاتا ... تاا ..."
شهقت وقلبي يقع من مكانه : جينـــييي !! 
وركضت بالظلام أناديها : جيني ... حبيبتي , أين أنتِ ؟!... رباه جيني .. 
رأيتها تزحف داخل غرفة ما مفتوح بابها , فهرعت خلفها اتخبط , لا أدري كيف لكن الطفلة وهي تزحف أسرع مني وأنا أركض !!
دخلت خلفها شبة ميتة من الرعب أتذكر الوحش ذو العيون الحمراء قد يقتلها...! 
لكن ما رأيته شيء آخر تماماً... 
كانت الطفلة تزحف نحو شخص ما واقف أمام النافذة التي يطلع منها القمر المكتمل الكبير ..ولم أرى ملامحه .. لكنه رجل كبير بمعطف بني , أنحنى هو و حمل جيني برقة ... شعرت به يحدق بي عندما اعتل منتصباً.
مد إلي بيده ... كانت تتدلى منها سلسلة فضية ناعمة للغاية , بنهايتها عقدة ما ... لم أفهم ....!!
حدقت به جيداً , ماذا يريد ؟!.. لكن الصمت كان مطبقاً هنا , .. كما أنني لاحظت لون عينيه الذي برق فجأة .. عينان خضراء رمادية عميقة ... وابتسامه صغيرة جداً...
_ آ آ ه ه ...!!
شهقت منتفضة بقوة هزت كل أوصالي...
_ آوه آسفة جداً , هل أنت بخير ؟!
انتبهت للخشب الذي أمام أنفي , دار رأسي لثانية ثم رفعته لأعود للواقع ... حدقت بفتاتين واقفتين قربي .. أحداهما بشعر أشقر داكن والأخرى بشعر بني محمر قصير , ينظران نحوي وكأنني مجنونة صعقت بكهرباء !.
قالت الفتاة الشقراء بأسف مجدداً : آسفة , كنتِ نائمة بعمق وقد انتهى الصف منذ وقت طويل..!
لكن الفتاة الأخرى قالت بصوت رنان منفعل قليلا : لكني لست آسفة !, بدا لي أنك تواجهين كابوساً , كنت ترتجفين فترة طويلة قبل أن نعيدك للواقع... 
ثم ابتسمت بذكاء .. فحدقت بها رفيقتها بخجل وقالت بينما أنا اعدل شعري المنفوش وارتب قميصي :
_ آمم المهم الآن كيف تشعرين تبدين شاحبة .. 
بللت شفتي واستعدت انفاسي لأقول بهدوء : آوه شكراً , أنا بخير...
قالت الفتاة ذات الشعر القصير بلطف : هل تحبين أن تشربي معنا شيء ما ؟. 
ترددت وأنا أنظر لهما , لست واثقة .. أيمكنني هذا . أشعر بأني أود العودة للبيت لأطمئن على جيني و والدي ..متأكدة أنه ليس الذي بالحلم الغريب...! وياله من نوع غريب من الغرابة !.
_ لا أظن أنـ...
قاطعتني الفتاة نفسها : صدقيني , ليمون بارد ممتاز جداً .. بالمناسبة أنا لونا وهذه ستيلا . أنت كلآرا صحيح ؟!
حدقت بهما بتوتر , عقلي يعمل بكد وتعب ... حسنا... 
ابتسمت بوهن و قلت : تشرفت , لونا , ستيلا .. حسنا لا بأس بالنسبة للعصير. 
سارت لونا بجانبي و ستيلا أمامنا .. وهما يبطئان السير لأجلي .. فحاولت ألا أبدو بائسة متعبة .. بينما أحداث الحلم تدور بعقلي .. جلسنا في المطعم الذي كان واسعا جداً ومكتظا ً بالطلاب والأصوات .. حدقت بالساعة بينما ذهبت ستيلا لجلب العصير .. كانت الساعة الثانية عشرة ظهراً , كما أنه بقي صف واحد فقط لمدة ساعة و أعود للبيت... 
شعرت بأني غائبة عن البيت منذ شهر ... أود بشدة رؤية أبي و جيني ... لكني لا أريد أن أكون حمقاء .. سأهدأ .. كل شيء بخير... ذلك كان مجرد حلم ... 
_ إذن .. كنا معاً في صف الحساب ^^. 
كانت لونا تبتسم لي , فبادلتها الابتسام .. قالت وهي تنظر حولها بحماس : هي , كان بجانبك شاب ما غريب , أعني جديد .. هل تعرفين من هو ؟!.
التفت نحوها فكانت تغمز لي مازحة .. شاب , من ؟!... عمل عقلي بتعب أكثر ولم اتذكر شيئا...
لكني عدت للنظر متظاهرة بالتفكير بعيداً نحو الشرفات التي تطل على الخارج . واتسعت عيناي , لقد رأيته و تذكرته فوراً , وكان هو أيضاً يحدق بي بعبوس وعيون حادة ضيقة ولامعه من هذا البعد ...! كان يتكأ وحده على جدار جانبي حيث لا يراه أي أحد ألا من موقعي أو قريب ...
اللعنة ! , قلت بقلبي وأنا أعض شفتي ... ماكان اسمه ... تبا كنت آمل بأن كل شيء حلم أو كابوس .. أو هلوسة غبية... 
كان يحدق بي بذقن مرفوعة وبرود , وكأنه يعرف ما أفكر به ويقول ساخراً شئت أم أبيت هذا كله حقيقي .. 
_ آه ..
_ ماذا ؟!... إلى أين تنظرين ؟!.
قالت لونا بفضول وهي تحاول النظر حيث أنظر , قلت لها بتوتر : آه لا شيء... فقط أردت فجأة العودة للبيت...
نظرت نحوي بعطف وقالت برقة : آه لا عليكِ بقيت ساعة واحدة , لنا جميعاً , آوه صحيح أريني جدولك لأرى أن كنا بنفس الصف , أنا وستيلا نأخذ نفس الدروس ونستمتع معاً .. ماذا عنك ؟.. سيكون جميلاً أن كان لديك صف تاريخ بعد قليل...
أريتها ورقة الجدول بهدوء وقلت بتهذيب : شكراً , هذا لطف منك .
_ آوووه ... تقريباً نفس الجدول . لديك تاريخ بعد قليل , هذا رائع . 
ابتسمت لها , و أقبلت علينا ستيلا بأكواب العصير .. شربنا قليلا , لكن الفتيات كما هو واضح فضوليات لأمري .. وأخذن يسألنني من أين قدمت وأين أسكن و من هم أفراد عائلتي .. 
من الجيد أنهن لم يسألن شيئا عن أصابتي .. أو مالذي حدث .. فقط كنت كالطالبة الجديدة الآن !.
سرنا لصف التاريخ كان واسعاً وعدد الطلاب ليس كثير جداً .. كما أن المقاعد متفرقة بشكل عامودي , جلسنا أنا والفتيات بمستوى واحد .. ودخل الطلاب ليشغلوا مقاعدهم .. ضاحكين مثرثرين مع بعضهم .. 
وفجأة دخل ... ذلك الشاب الغريب , ساد صمت غريب لثوان , ثم عاد الكل للكلام بصوت اهدأ قليلا وبحماس متوتر وعيون فضولية إليه ... 
آخ تذكرت اسمه .. ليونارد... طيب .. لا أزال لا أفهم مالذي يريده ...
سار ببطء وبرشاقة بين المقاعد مر من جانبي متجاهلاً إياي تماماً و جلس خلفي بصمت ... لقد تصلب جسدي وتوترت كثيراً بسببه .. لكني حاولت الاسترخاء أكثر وأكثر وأحاول أن استعيد حواري السابق معه....
أني مرهقة وما كان علي النوم في الصف , ولما لم يوقظني هذا الابله خلفي .. تركني نائمة وخرج .. , المهم ماذا كان يقول لي... آه ... آه ... شيئا ما عن... محاولة حل مشكلة ؟! , وأنه للمساعدة هنا....! 
أني لا أرى فيه شيئا يساعد =.=" ... 
دخل استاذ التاريخ , رجل بدين لطيف ... و بدأ الشرح من فوره , ولم يلاحظ وجود طلاب جدد .. هذا جيد بالنسبة لي... لا أحب أن يلاحظني أحد .. سيكون هذا مريحاً جداً... 
مر الصف بسهولة وسلام .. ثم قرأ الاستاذ الاسماء وانتبه لي و ذكر كذلك اسم ليونارد ..لكنه لم ينطق اسم العائلة .. هز رأسه عندما رآنا ولم يعلق على شيء... فتاة مقعدة تبدو كالأشباح , وفتى غامض يبدو كمصاص دماء ..!
عندما هممت بالحركة , سمعته يقف .. ثم اقترب إلى جانبي الآخر من جهة الجدار ... همس وهو ينظر بعيداً وكأنه لا يحدثني :
_ سأدفعك أنا , اطلبي من رفيقاتك الذهاب , أن سألن عني . قولي بأني صديق قديم .. 
رفعت رأسي أنظر إليه , آخ عنقي !.. أنه طويل . المهم أني سمعته لا حاجة للنظر إليه .. التفتُ لأنظر نحو الفتاتين اللتين تحدقان بنا بتوتر و غرابة ...
ابتسمت لهما وتحركت قليلا , فاقتربتا وقالت ستيلا : لقد انتهينا أخيراً الاسبوع المقبل ستبدأ الاختبارات التقويمية ... هممم هل نخرج الآن ؟!.
ابتسمت بتوتر وألقيت نظرة سريعة على الذي خلفي قرب النافذة , قلت بأسف أنظر إليهما : أجل لكن , هو سيرافقني... 
نظرن نحو بخجل , ثم قالت لونا : آه , هذا صديقك .. صحيح !.
قلت سريعاً : أنه مجرد ... صديق قديم . سيساعدني .. 
هزت الفتيات رؤوسهن تفهماً , فمن الواضح جداً لهن أن ليونارد غير مهتم أبداً سوى بالمساعدة... كما أن وجهه لا يوحي بأنه مستمتع بالأمر ...!!
قالت لونا بمرح : حسنا إذن . نراك غداً ^^
_ إلى اللقاء كلآرا...
ودعنني و خرجن سريعاً , ارتحت لهاتين الفتاتين الطيبتين ... وشكرت الله , لا تبدوان من أصحاب الفضول الشديد بل فضول طبيعي يمكنني التعامل معه... 
سأحدث والدي عنهما و سيسعد هو و يرتاح قلبه أن رآني أشق طريقي الطبيعي في الحياة !.. آه ياله من وضع ...
دفعني ليونارد فجأة فشهقت وتمسكت بقوة ... قلت بتوتر : هاي , من فضلك .. استطيع دفع نفسي .
_ كلا , ابقي هادئة .. 
رد علي ببروده فصمتُ وهو لم ينطق كذلك , عند العتبات كان يرفعني وكنت مصدومة جداً منه , أنه يرفعني بكرسيي وكأن لا وزن لي ..! كأنه يرفع كتاباً عن الأرض .. ثم يضعني بسرعة وخفة قبل أن يلتفت أحد نحونا ...! أنه غريب جداً ... ترى ما يكون ؟!
أصبحنا في الباحة المتربة ... أوقفني بمكان ممتاز بعيد عن سير الطلاب وقريب من البوابة حيث أرى السيارات ...
تركني و سار قليلا ليقف في ظل شجرة يراقبني بنظراته الغريبة الدقيقة .. وكأنه يتوقع أن أتحول لدودة أرض أو ماشابه !!
_ هاي كلآرا !.
التفت بسرعة نحو مصدر صوت هادئ لطيف , فرأيته .. أنه أليكس .. الفتى الهادئ... رأيته يترك رفاقه و يتقدم إلي ...
دهشت وهو يرمي لي بقطعة شوكولا من مسافة قصيرة ... امسكت بها مبتسمة بمرح .. 
قلت ضاحكة : آه شكراً ..
_ كيف حالك ؟!. 
توقف بجانبي وهو يراقب السيارات ... 
_ أفضل , وأنت ؟!.
ابتسم وهو يرد : جيد جداً , مع أنك تبدين شاحبة مرهقة , لكنك قد تحسنت .. كيف كانت الدروس ؟!.
مع أنه في الخامسة عشرة لكني أشعر بأنه أكبر مني بكثير... تنهدت وقلت بهدوء : لا بأس بها ...
بالطبع لن أذكر بأني نمت في آخر الصف ...حدثني قليلا عن دروسه وكم كانت مملة تجلب الصداع , ثم تحدث عن الجو الملبد بغيوم بيضاء لا تنذر بشيء سيء ... بعدها بثوان سمعت صوت والدي ينادي ..
كان يقف بالسيارة أمام البوابة تماماً .. جعل هذا بعض الطلاب ينزعجون .. لكنه لم يبال بهم بل اشار إلي بيده وقد رسم ابتسامه صغيرة ... تسائلت هل جيني معه ؟!
قال أليكس : سأساعدك ..
وأخذ يدفعني برفق نحو السيارة , في حين خرج والدي .. التفت بي وانحنى والدي يريد حملي , وأمام الفتية مستحيل ..
قلت بسرعة وخجل : لا .. لا أبي أنا أرفع نفسي ...
تراجع أليكس يكتم ضحكة من تعابير وجهي ... لكن والدي طبعا لم يستمع لي .. بل بسرعة خاطفة رفعني و وضعني على المقعد الجلدي البارد ... حدقت به بغيض لكنه تجاهلني و أخذ الكرسي... تقدم أليكس وقال بمرح :
_ اراك لاحقاً , كوني بخير ...
_ شكرا لك أليكس ..
أقترب أبي وصافح أليكس وشكره وعرض عليه أن يوصله أيضا , لكن أليكس رفض لأنه سيذهب مع رفاقه للدراسة بمكان ما ... صعد والدي وراء المقود و تحرك بسرعة ... 
_ هاي حبيبتي , كيف كان يومك ..؟!
_ جيد جداً , كان اليوم لطيفاً ..الدروس لا بأس بها وقد تعرفت إلى بعض الفتيات. 
تعمدت البدء بالثرثرة وحذفت ذكر ليونارد الغامض وتلك الأحاديث المخيفة ..!
نظر نحوي نظرة خاطفة وابتسم بحنان, علق قائلا وهو يحدق بالطريق : آوه هذا رائع .. سترين أنه يوما عن يوم ستتحسن الأوضاع بكل شيء... الزمن كفيل بعلاج الجراح.
_ واو يالها من حكمة عميقة . لا بأس أنت محق ..
ثم هززت رأسي وقلت فجأة : مهلاً ... أين جيني ؟!.
قال أبي بارتياح : نائمة بالمنزل .. للتو تغذت ونامت تلك المزعجة الصغيرة .. 
سألته بهدوء : ماذا عن عملك ؟!.
_ أني جيد تماماً بالأمور الادارية ..تعرفين هذا عزيزتي كما أن الوظيفة رائعة والمرتب ممتاز .. أنه لا يجعلني امتيازاً لشيء لأنه صديق قديم لوالدي .. لكن السيد فرانس رجل قدير جداً .
غاص قلبي فجأة وقد عادت ذكرى الحلم ... والد أبي... هو من كان بالحلم ...!! آووه .. لأن ...لون عينيه مشابه تقريباً لعيني أيضاً... ما ... ما شأنه ؟! , وما .. كان يريد.... وما شأن جيني ؟!... 
تقلصت معدتي اضطراباً , فحاولت أن اهدأ ... يجب أن اهدأ ....
حدق بي أبي وقال بتردد : حبيبتي ؟!.
هززت شعري ونظر إليه احاول الابتسام و طمظانته ...وصلنا للمنزل وقدم لي والدي بعض الطعام , ثم صعد ليطمئن على جيني ... 
دخلت بغرفتي وضعت حقيبتي ولم أبدل ملابسي ... فقط غسلت وجهي و لملمت شعري مجدداً .. ثم أخذت بعض كتبي للدراسة بالردهة ...
قفزت من كرسيي إلى الأريكة الواسعة بسعادة دون أن يراني أحد و يهلع .. ثم وضع كتبي على الطاولة وقربتها مني ... بدأت أحل الواجبات ... ثم ظهر أبي يمشي بسرعة ...
حدقت به وهو يفتح بعض الأدراج بعصبية يبحث عن شيء ما .. 
قلت بتوتر : مالأمر ؟!.

قال آسفاً بهدوء : آوه لا شيء مهم , أظنني وضعته بمكان ما ونسيت ..
_ ماذا ؟!
_ مفتاح الغرفة .. آه غرفة الرسم , بها أموراً أريد رؤيتها... لكنها مقفلة ولا أدري أين اختفى المفتاح !.
ضيقت جبيني .. غرفة الرسم .. اقترب مني و ألقى إلي بجهاز الاستماع الخاص بـ جيني ...قال 
_ ابقي هذا معك قليلا حبيبتي .. سأبحث بعض الوقت...
أومأت بهدوء وهو ذهب نحو غرفة المكتب .. عندما عدت لمحاولة حل واجباتي , واجهتني الصعوبة وكنت أحدق فاغرة لا أفهم شيئاً ... تأوهت بحنق ! .
أني بحاجة ماسة فعلاً لمدرس خاص أو مدرسة مهما كانت !!... وهم كانوا على حق .. تباً !. 
أغمضت عيناي بقوة و حككت جبيني , بعد ثانية سمعت شيئاً... فتحت عيناي بسرعة و حدقت بالجهاز اللاسلكي !.
لقد سمعت صوت تكة ما .. كأنه نافذة تفتح أو باب أو....
" تاتتا .. دوي .. مما.. ماما... تاتا... بابا...! آبا ... "
شعرت بكهرباء تضربني ... جيني مستيقظة , و كأنها تتحدث مع نفسها .. أو.... 
_ أبيييي !!!
ناديت بصوت عالي... فسمعت صوت خطواته السريعة راكضة .. دخل فزعا وهو يقول بعيون متسعة :
_ ماذا ؟! مالأمر... كلآرا ؟!
_ جيني ...!
فكرت قد يكون الأمر سخيفاً ... لكني تابعت بصوت مضطرب بينما والدي يحدق بي وكأنني قد جننت :
_ آه جيني ..لقد استيقظت كما يبدو , اسمعها تتكلم .. لقد افزعتني قليلاً ..
_ آوه !.
تنهد والدي ثم قال وهو يتحرك خارجاً : سأجلبها إن كانت مستيقظة ..
بعد دقيقة عاد و جيني تصفق بمرح بين ذراعيه ومعه بطانية صغيرة ولعبتها البلاستيكية وضعها على الأرض فوق بطانيتها وسلمها اللعبة .. ثم نظر نحوي وقال بوقار :
_ سأذهب لصنع القهوة , أتحبين أن تشربي قليلا ؟!.
قلت بهمس : أجل .. 
أخيراً لا يعترض على شرب القهوة .. تابعت بريبة خافتة : آممم بقليل من السكر والكريمة... ربما ؟!.
أومأ موافقاً و غادر , عدت لمحاولة حل واجباتي بينما جيني تزعجني بصوتها ولعبها , آه لقد بالغت في ردة فعلي مجدداً لم يكن هناك من شيء مقلق .. 
نظرت نحو الصغيرة ابتسمت لها فضحكت و قبضت على شيء ما في الأرض ثم وضعته بسرعة خاطفة بفمها , أنا صدمت رعباً وسقط فكي وأنا أحدق بها ... هي على بعد مترين تقريباً ... لذا وبلا تفكير كثير لانقذ الطفلة ..
قفزت من مكاني إلى الأرض إلا بي قربها مددت ذراعي أسحبها إلى حجري و أمسك بوجهها بين يدي وهي أخذت تقاومني بعصبية وقد أقفلت فمها بأحكام !!
صرخت بصوت مرعوب : جينيييي ! افتحي فمك ! مالذي بلعته ؟!... افتحي فمك يافتاة...!!
وحاولت أن افتح فمها ونجحت ثم سحبت بأصابعي ما كانت تحاول بلعه ... كانت قطعة فضية صغيرة .. تشبه جرس صغير جداً !
حدقت به ما هذا ؟!
دخل والدي فجأة وهو فزع قليلا وكأنه سمعني ... هرع نحونا وكان مرعوبا مني أكثر مما حدث لجيني ...
_ يا ألهي ! كلآرا مالذي حدث ؟! 
_ لقد أخرجت هذا من فم جيني ...
و ألقيت القطعة الفضية بيده , حدق بها قليلا بدهشة ثم نهض واقفا و رفع جيني من بين يدي ليضعها جانبا بسلام وكانت هي على وشك البكاء وعيونها الجميلة الواسعة تلمع بالدموع .. ثم ساعدني على الوقوف والجلوس مجدداً... 
_ هل تأذيت ؟! كيف اصبحت بجانبها ؟...عليك الحذر كثيراً حبيبتي.
_ أني بخير أبي لكن جينـي أ....
وقاطعنا صوت صراخها العالي و موجة بكاء شديدة فلتفت إليها أبي بسرعة و حملها يهدهدها بين ذراعيه لكنها لم تسكت بقي تبكي بحرقة وصوت عالي ... فجأة صدر صوت هسيس من المطبخ !
قال والدي فزعاً : القهوة !!!
قلت بسرعة : اعطني جيني ...
سلمني إياها رغما عنه و هرع يركض للمطبخ . كان الله بعون والدي .. أنه يعمل و يهتم بنا وبالمنزل بنفس الوقت !! .
تبا متى اشفى ><...! 
صرختُ متألمة عندما أخذت جيني تشد شعري بقوة بكلتا يديها وهي تصيح غضبا مني ربما لأني اخذت ذلك الشيء من فمها المتلهف !!
_ جيني !! آآخ توقفي عن هذا ><!!
امسكتها بأحكام لكن دون قسوة و حاولت تهدئتها ..
_ ياحبيبتي الغاضبة ! هل أنتِ غاضبة مني ؟ , آوه كم أنا سيئة كلآرا فتاة سيئة .. جيني الفتاة الأجمل على الأطلاق ..
أخذت تحدق بي بريبة وأنا امسح دموعها عن خديها الممتلئين المحمرين ..واقبلها بحب واضمها إلى قلبي .. ياحبيبتي ~ 
بعدها بشكل غريب هدئت وأخذت تلمس وجهي بلطف وتحدق بعيني بتركيز تتعرف إلى حالتي وشعوري نحوها ...
فابتسمت لها واظهرت اسناني ... فاستغربت وهي تكور قبضتها لتدخلها بفمي ..
_ اوه مهلك يافتاة !... هنا يجب ان تتوقفي هاها ها ..جيني !. 
ودخل والدي وهو يمسك بصينية القهوة يحدق بنا ..فابتسم بحب و وضع الصينية جانباً ليأتي وليجلس بجانبي ليضمنا معاً أنا و الطفلة ... 
_ مالذي تفعلنه أجمل فتاتين بالعالم ..؟! هاه كم أحبكما ..
ما أجمل هذا الشعور , يجب أن احتفظ به بالذاكرة لأطول أمد .. نهض والدي وحمل جيني السعيدة به ليجلس على أريكة مفردة قربي والصغيرة على ركبتيه , ثم سكب القهوة و مد لي بالفنجان ..
ظل هو وجيني يمرحان ويتحدثان معا و أنا عجزت عن المذاكرة لصعوبة ما أجده .. فالدروس هنا مختلفة وأشعر بأنها أكثر صعوبة ودقة ... كما أني لم أحب المدرسة كثيراً مع أن بعض المعلمين تعاطفوا مع حالتي أنني جديدة وفوت علي نصف الفصل الدراسي فقال لي أحدهم أنهم سيأجلون بعض الامتحانات الدورية من أجلي .. وهذا جيد .. لكن الصعوبة ستبقى كما هي...!
أتى المساء , قام والدي بتسخين بعض الطعام الذي جلبه مجهزاً و صنع العصير بينما أنا أعد السلطة وجيني خلفي بكرسيها الخاص ترميني أحيانا باللعبة كي التفت إليها فقط .. كما أنا تنادي أبي و تظل معلقة على الكلمة " بابابابابابابابباب...."
إلى أن يرد أبي عليها برقة : نعم يا ملكة روحي....
أو من تلك الكلمات الجميلة حتى تفرح و تصمت بعض الوقت , لتعيد الكرة برميي باللعب ><"... 
بعد العشاء اتصل أحدهم واستطيع ان اخمن من يكون ..
كنا بالردهة وجيني نسعِه جداً تشرب الحليب من الزجاجة فوق اريكتها وهي على وشك النوم .. اخيراً سينام مصدر ازعاجنا !
بينما أتأمل منظر الأشجار في الخارج من جانب الستار , كان والدي يحدث الطبيب "لوك" بالهاتف كلاما عادياً وتبادل تحيات ..
ثم فجأة سمعت أبي يقول بجدية : ماذا ؟! , غداً .. 
ألقى إلي بنظره سريعة جداً وكأنه لا يريدني أن انتبه له لكن عيناي تركزت عليه ..
_ آه بالطبع .. بعد المدرسة , هممم ... من ؟!
فجأة تغير صوت أبي ليكون حاداً فلتفتُ إليه بكامل جسدي بقلق ... نطق كلمة "من" بعصبية !!
رأيته شاحباً وعيناه ضيقتان حادتان .. تنفس بحده وقال بصوت حاد لكن منخفض وهو يلقي بنظرة قلقه إلى جيني النائمة :
_ آوه لا . لا . لا ... لو سمحت لوك .. لم نعرف هذا ولا أظننا نريده .. لا يمكنك فعل هذا بي !!.
فتحت فمي بقلقٍ ودهشة ... مالذي يحدث ؟!
كان والدي غاضباً بالرغم من أدب كلامه .. قال مجدداً : هي من اقترح هذا ! , عفواً لكني لا أعرف اختك !!!
خفق قلبي بقوة توتراً ... هي ! أختك ...! من .. وعما يتحدثان ><!! اكاد أموت فضولاً وقلقاً...!
_ تعرفنا ربما !.. لقد وضعت بعقلي سيدة عجوز ذكية .. لا شابة غريبة , آسف لوك , لكني لا أعرف عائلتك تماماً ..ولا أعلم بأن لديك أختاً حتى .. ولا أظن بأن فتاتيّ يعرفان ويتوقعان هذا... 
صمت والدي فترة طويلة وهو لا ينظر إلي لقد أعطاني ظهره وأنا أعرف عندما يفعل هذا .. فهي حانق جداً ولا يريد من ابنته رؤيته هكذا ...!
لكني رأيته من قبل كثيراً وأني معجبة بجانبه هذا , فلست قلقه .. عندما لا يكون غضبه نحوي ^^"!
قال فجأة وكأنه يقاطع المتحدث : غداً سوف نرى كل شيء ! , إلى اللقاء لوك . 
و أغلق السماعة وبقي ينظر بعيداً لفترة ... بعدها التفت واتجه إلى جيني ليغطيها جيداً , رفع رأسه إلي وقال بهدوء :
_ سأبقيها هنا قليلا فهي غافية قد تستيقظ إذا حملتها... ابتعدي عن النافذة حبيبتي , قد تصابين بالبرد...
أومأت بصمت أغلقت النافذة واسدلت الستائر ثم اتجهت نحو المقاعد ..
_ ما رأيك بحليب ساخن...؟!
وافقت بهز رأسي وأنا أحدق به , فسارع بالخروج ... عاد بعد دقيقة معه حليب ساخن بلا اضافات وفنجان قهوة صغير له ...
شربت قليلا وأنا أراقبه يضع فنجانه على الطاولة ويمشي يدور في الردهة ينظر إلى التحف الصغيرة .. 
قال فجأة وهو يقترب مني و يرفع شيء بيده : هذه .. أنها جزء من شيء ما لم أعرف ما هو احتفظي بها قليلا حبيبتي أنها فضية خالصة ..
و وضع بيدي تلك القطعة التي حاولت جيني التهامها .. جرس صغير جداً بحجم ظفر اصبعي الصغير .. قربته لأذني وهززت قليلاً لكني لم اسمع شيئا ..
_ لا أظنه صدفة حبيبتي !
حدقت بأبي و وجدته يقاوم الضحك , حسنا ! هل كانت حركتي بلهاء >>"...
_ ظننت جرس ما ...
_ لست واثقاً , سنرى لاحقاً .. آه يجب أن تنامي الآن .
نظرت لساعة يدي , الثامنة مساءاً .. قلت بهدوء : لا بأس , لكن أخبرني من كان المتصل ..لوك صحيح ؟! , ماكان يريد...؟!
حدثته بهذا بسرعة قبل أن يماطل أكثر ...
قال بتردد وهو يجلس على الأريكة القريبة , : غداً يريد رؤيتك بالمستشفى مع الاخصائي الذي حدثنا عنه .. 
حسنا أني أعلم تماما أن لوك تكلم مع أبي بموضوعين .. الأول يعنيني وحدي والثاني يعنينا جميعاً....
فقلت بهدوء وأنا أهز رأسي : حسنا لا بأس... و... 
ضيق عينيه وحك جبينه ثم خطف فنجان قهوته وجرعه بسرعة .. خفت عليه فالقهوة لا تزال ساخنة جداً..!
_ تلك ال... المربية لـ جيني وال... المدرسة لك بنفس الوقت .. ظهرت أنها .. أخت لوك , حسنا وهي امرأة شابة و بحسب ما يقول فقد تخرجت بشهادات عالية من الجامعة , تباً ..هذا لا يهمنا !.
شتم بقوة و نهض واقفاً .. دار حول مقعدة و زفر بقوة ثم هدئ نفسه بسرعة وعيناه على جيني النائمة ثم إلي ...
حسنا أنا كنت مصدومة لكني بقيت صامتة انتظره ينهي ما يقول...
_ تلك المرأة تعلم بالطبع عنا أخبرها لوك كل شيء... وهي متفرغة حسنا و تريد القدوم ظنا منها أنها تناسب الوضع . وهذا لن يروقني على العموم هي تبدو حمقاء لتتعامل مع أطفال , تعرفين نساء المدينة !! أنا لن أسمح لها بأن تدخل بيننا و تهتم بكما !.
حدقت به فكانت عيناه زرقاء جداً حانقة ... قلت بتردد : هل قلت بأنها هي من اقترح هذا...؟!
_ أجل .. حاول لوك المراوغه لكنه مضطر لأخباري لأن اخته ستأتي غداً... آوه حسنا لن يحدث ما يتوقعونه...
و حدق بشرّ في الفراغ , فهززت رأسي قائلة بنفسي نفس جملته .. أنا لا أحب الدخلاء الماكرين خاصة ..! لقد توقعت مثل والدي سيدة بدينة لطيفة ذكية و محترمة .. وليس شابة قادمة من المدينة كي تعتني بفتاة مقعدة و طفلة رضيعة لم تبلغ السنة !
جهزت لي بضعه ثياب كي استحم سريعاً بالرغم من برودة الجو .. لكني اشعر بالاختناق .. صعد والدي بجيني للأعلى ... 
قبل أن اتحرك صدر صوت رنة طفيفة لا تكاد تسمع من جيب بنطالي... دسست يدي واخرجت القطعة الفضية ..حدقت بها , اقسم بأني سمعت رنة ما ... وضعتها قرب أذني و انصت كل حواسي...
سمعت صوت تكة خفيفة من النافذة خلفي , فلتفتُ بسرعة...
كان المكان بالخارج شديد الظلام وكأننا تجاوزنا منتصف الليل , لكن فجأة خفت الظلمة و ظهر ضوء النجوم الخافت ... ضيقت جبيني ... واقشعر جسدي... شيء ما .. أشعر بوجوده .. مر سريعاً جداً فأظلم الجو بسرعة و عاد ...!
شعرت بشيء غامض ثم فجأة رن الجرس الصغير من تلقاء نفسه أقسم بأني لم احركه ... صدر صوت كـ .. ترن...!
مرة واحدة .. هززت رأسي متوترة جداً , و خفق قلبي... آخ الليل هنا لا يعجبني أبداً...!
وبعد هذه الرنة الخافتة للغاية ارتعشت الأضواء لجزء من الثانية , كدت أصرخ باسم أبي لكني أوقفت نفسي بقوة !!... ما هذا ...؟! و فجأة خطر ببالي ليونارد وذلك الشاب المخيف الآخر... 
فتحت باب غرفتي وشهقت عندما رأيت أبي... كان يطمئن علي فقط و يلقي التحية .. قال بأنه سيبقى مستيقظا بعض الوقت في الغرفة يقرأ .. وعلي فقط أن أصرخ باسمه أن أردت شيئا...
أومأت و غادر هو يصعد ... أخذت حماماً سريعاً ولم تكن المياه ساخنة كما يجب .. فارتجفت و خرجت بسرعة... كان شعري لا يزال يقطر.. ساعدتُ نفسي بنفسي و وصلت غرفتي لارتدي كنزة ما و أجفف شعري .. 
لكني توقفت بممر الردهة المظلمة وقد رن الجرس الصغير بجيبي رنتين حادتين لكن منخفضتين وكأنه جرس مزعج يرن من بعيد... فتوترت بقوة ... هناك صوت ما يقول لي بعقلي بأن هذا الجرس ليس عادياً وهو يرن قبل حدوث شيء ما... سيء أظن...!
حدقت بالردهة بتوتر ... و رأيت ظل شخص طويل قرب النافذة البعيدة .. في البداية لم أرى والآن ظهر لي وكأنه سراب... ركزت بصري و جهزت حنجرتي للصراخ لأبي... 
لكن الظل تقدم خطوتين و تعرفت إليه ... رفع يده ببرود وعيناه الذهبية تلمعان محذرتين.. مال برأسه وكأنه يتأمل شكلي جيداً...
ثم رفع بصره لعيني وشعرت وكأن مساميراً تثبتي بقوة ... ضاقت عيناه وأصبحتا رماديتان فجأة !
_ ما هذه بالضبط ؟!.
كان فمي مفتوحاً همسة لكن باردة , ما... ماا... ماذا ؟!... كأن يسأل شخص آخر... ولكن ...
_ أنها كلآرا ,.. الابنة الأخرى...
أجابه صوت عميق أتى من خلفي , وعرفت صوت ليونارد ... لكن.. هذا الذي أمامي .. 
اللعنة وكأنه وليد الظلام أو شيء ما كونته الظلمة وشكلته ليكون بين الناس !... هذا الشيء الخطير !!!

شهقت الهواء بصعوبة وحاولت التراجع .. لكن لم أقدر... ظللت متجمدة لا أقدر على شيء... 
_ دانييـل , توقف عما تفعله ..! 
تحرك خياله و أغمض عينيه ليفتحهما ويظهر لونهما الرمادي مجدداً ... عندها فقط تنفست مجدداً و شعرت بالدم الحار يسيري بداخلي أخيراً.... مالذي فعله بي ؟!... تبا...
_ .. هذه بها شيء خاطئ... لا .. ليست ما نرى !.
ظهر صوته غريباً خافتاً و بارداً .. وهو ينظر ورائي حيث رفيقه ...
تقدم ليونارد ليصبح بجانبي ثم انحني قليلا ليحدق بوجهي وعيناي .. ضاقت عيناه وكأنني لمحت شيئا ما أحمر يمر بزرقتهما !!
_ أنا... أيضاً لست واثقاً مما أراه .. سيكشف كل شيء قريباً ..
حرك الشاب المدعو دانييل يده في الهواء وقال ببرود وحده خافتة : لا يهم أن عرفت أو لا .. المهم ألا تؤذي وإلا سنقتلها !.
من الذي يتحدثان عنه ؟!... أهي أنا .. ولم هذا الأبلة المخبول يتحدث عني وكأني جماد لا حياة لي و جماد بصيغة الغائب أيضاً ... تبا لهذه الأهانات !! ... لكن مهلاً... هل قال نقتلها ××"؟؟؟ 
تحدث ليونارد بحده خافتة أيضاً : لن نقتل بشرية ليس بعد... 
_ لقد عملنا معاً طويلاً , لكن الآن نتجادل ... مالسبب ؟!.
و عادت عيناه نحوي وقد ومضتان بلون غريب... خفت بشدة هززت رأسي استوعب كل شيء... ثم نطقت أخيراً :
_مالذي تريده ؟!... مالذي يحدث...
أجابني بكل برودة اعصاب : لستُ أنا الذي يريد .. في كل الأحوال الهدف غامض قليلاً...!
اتسعت عيناي , وقلت بسرعة : أخبراني بوضوح تام مالذي يجري...؟! ثم كيف لكما أن تقتحمان منزل قرب منتصف الليل ؟!
هز "دانييـل" كتفه بملل واضح لكنه قال بقسوة ولفحة برد اجتاحه المكان بسرعة : إن لم نكن هنا فسيكون هناك شيء آخر أقل لطفاً منا ! , لذا وفري على نفسك الهستيريا و الهلع !.
ابتلعت لعابي و قلت وأنا أشعر بالبرد : هلا عرفتم عن نفسيكما مجدداً , ومالذي تفعلانه ؟!.
ضاق جبين الذي يواجهني والذي أشعر بأنه يود لو يقطعني على هذه اللباقة التي هبطت فوقي رأسي فجأة ..
أجابني ليونارد ببطء وصبر : هذا دانييل وأنا تعرفين من أكون .. تتذكرين طبعاً ذلك الزائر الأسود الذي سبب لك كسوراً رهيبة آه صحيح لا تذكرينها لقد عالجناها .. لكن حاولنا افقادك الذكرة كي تعيشي بهدوء غير أنها.... ماكانت الكلمة ..؟! هممم
زجر دانييـل بقسوة ولفحة هواء صقيعية آخرى تمر : لم تنجح !!..
_ نعم لم تفقدي ذاكرتك سوى مؤقتاً .. وسبب هذا أموراً أخرى .. المهم الآن أننا نحاول منع ذلك الزائر من العودة ..
كان فمي مفتوحاً أحدق به ... تحرك عقلي بسرعة لكني لم ادرك شيئا... شعرت بجسدي يبرد جداً و الدماء تنسحب مني لذكر الزائر ذو العيون الحمراء !. 
_ الفتاة .. مالذي جرى لها ؟!
سأل دانييـل بلا مبالاة وهو يضع يديه بجيبه ... لكزني ليونارد في كتفي , فلتفت إليه بحده , رفع حاجبيه وقال يحدث رفيقه :
_ أنها لا تزال حية ...! 
رفعت يدي و دلكت كل وجهي بسرعة ثم حدقت بهما... قلت أسألهما بقلق ويدي منقبضتين فوق قلبي : 
_ ما ذلك الشيء ؟!, ومالذي يريده منا ؟!. 
لم يجبني أحد لثوان طويلة , فقط تحرك صاحب العيون الزئبقيه و همس ببرود يحدث رفيقه : أرسلها للنوم !.
جزعت و قلت برعب وأنا أرى المدعو ليونارد يقترب مني خطوة : لا ...!
_ الوقت غير مناسب للكلام الآن..
_ ماذا تعني . أنا أريد... 
قاطعني بنفاذ صبر : هدئي من روعك. 
وقبل أن أهرب أو أحاول الهرب حتى , مس جبيني بيده الباردة كالثلج . وشعرت بدوار غريب... ثم الظلام يطبق فوق جفوني... .
---. 
_ هل كل شيء بخير ؟!.
رفعت بصري ببطء ولاحظت نظرة والدي المتوترة... هززت كتفي و بقيت جامدة لا أفكر بشيء معين , كنت أشعر بالاهتزاز قليلا فقط ..
_ لم تنطقي بشيء منذ استيقاظك ولا يبدو بأن ذهابك للمدرسة غير شيئا !.
انطلقنا بالسيارة الى المستشفى و جيني نائمة في كرسيها الآمن بالخلف , لقد مر نصف اليوم الدراسي فقط و أتى والدي لأخذي في موعدي , لم يكن مزاج والدي جيداً أيضاً .. و أراهن بأن الطبيب لوك لن يفرح حقاً برؤيتنا... 
حدقت به وهو يقترب منا بسرعة وقد رسم ابتسامه رائعة على شفتيه .. قال بمرح و ذراعيه مفتوحه ومعطفه الأبيض يتحرك حوله :
_ اهلاً بكما , صباح جميل .. كيف حالك أيتها الشابة ؟!
سلم على والدي الذي رد مبتسما قليلا , ثم صافحني بحرارة , وداعب وجنة جيني النعسة ليجعلها تضحك برقة .. 
حسناً .. أعرف بأني أظن بأن كل الناس عابسين بوجهي .. وهذا من عذري لأني تلقيت زيارة غير ودي ما قبل منتصف ليلة أمس لشابين معتوهين كلياً ساحرين ربما , شكلاً و افعالاً .. كذلك أرغماني على النوم , لذا لا اعتقد بأني بمزاج لطيف لأجل الفحص !
دخلنا في غرفة الفحص الكبيرة , وساعدتني الممرضة بلطف على الجلوس فوق السرير العالي جداً , بينما والدي وجيني يستريحان فوق أريكة جلدية سوداء في الطرف البعيد , و أنا محاطة بأجهزة ضخمة مخيفة في الأعلى معلقة و قرب السرير...
تقدم مني لوك وهو يحمل ملفا للأشعة بين يديه قال بلطف أبوي : استرخي فقط كلارا , سنصور بعض الأشعة لنرى تحسنك ثم سيأتي الاخصائي لرؤيتك .. 
قال والدي من بعيد مشجعاً : سيكون كل شيء بخير حبيبتي...
ابتسمت بوهن ولم أنطق .. قال الطبيب بدهشة : ما بك كلآرا ؟! , تبدين مرهقة...
قال والدي بعبوس من بعيد : أنها صامتة منذ الصباح لا أدري ما بها ؟!.
رفع لوك أحد حاجبيه والتفت لينظر لوالدي ثم إلي , ابتسم بحنان : متوترة من لقاء الاخصائي , آوه لا تقلقي بهذا...
فكرت بعبوس , هذا آخر شيء أقلق لأجله .. تبا !. 
أجريت الاشعة بهدوء .. وكانت قدمي مخدرة بغرابة و الآخر تؤلمني قليلا مع أنني لا أدري ما شأنها... لكن ربما لا تزال متضررة من شيء ما .. 
قال الطبيب فجأة بعبوس : سنجري اشعة للرأس ..
حدقت به و نطقت بدهشة و توتر : ماذا ؟!. 
ابتسم لي بشكل مكلف سريع ثم التفت نحو والدي وحدّثه : للأطمئنان على الأعصاب , الشيء الغريب هو أن العصب الحسي يعمل بضعف و يتوقف أحيانا , أما الأعصاب الحركية فهي متوقفة تماماً و الأربطة توقفت عن النمو فجأة .. يجب أن أطمئن على الغدد في الدماغ , فـ كلآرا لا تزال بطور النمو كما أن هناك أمور أخرى معقدة .. و أخشى أن يتطور الوضع إلى نفسي عميق .
كنت مدهوشة و مرتعبة حقاً , بينما تحولت نظرة والدي للصدمة , وجيني بين ذراعيه , نظر نحوي بقلق بالغ لا يستطيع اخفائه أو أنا من يلاحظة بهذا الوضوح .. 
_ الوضع ليس خطيراً بهذا الشكل , مع الأدوية يتحسن هذا , لكن الأعصاب تقلقني ..على كلٍ الاخصائي الدكتور "لايت" سيراك .
صور لي أشعة رأسي وأنا أفكر ببرود ربما خلل ما حقاً .. ربما أن أتخيل حقاً كل تلك المصائب .. آه ~~" .
دخلنا غرفة المكتب و نهض رجل عجوز مسن , لكنه طويل القامة جداً و رشيق كذلك , شعره فضي مصفف بعناية و ملامح وجهه طيبة كان يرتدي بذلة رمادية وليس المعطف ..
قال بمرح وهو يصافح أبي بينما عيناه تحدقان بي بشكل خاطف : مرحبا سيد موند , أنا سيركل لايت .. يمكنك مناداتي لايت فقط .. 
داعب جيني بسعادة ظاهره وهي تضحك له , قال : يا ألهي كم أحب الأطفال .. أنها تبدو كملاك حقاً , ماسمها يا ترى ؟!
_ جيني ...
_ جيني ! , أنها فاتنة , مرحبا ياحلوتي ! , هل تأكل الحلوى؟! , لدي هنا حلوى بمكان ما...
ضحك أبي و قال بمزاح : أنها تآكل كل شيء تقريباً .. شهيتها دوما مفتوحة ..
_ أليست ظريفة ؟!.
بينما جيني تضحك بسعادة والجميع متهم بها , شعرت بأنني مختفية حقاً , فـ الفرار من هنا أفضل هيهيهي...!
_ كــلآرا !.
وتجمدت بينما يدي فوق العجلات أريد حقا التحرك , صوت والدي اخترق عقلي.. كان الكل يحدق بي الآن !! , ياربي اهتمامهم بي دوماً يأتي في وقت خاطئ متأخر...!
تقدم من العجوز بسرعة وكأنه يراني للتو !, أمسك بيدي كلاهما معاً وهزهما برقة وهو يبتسم بوجهي , قال بلطف :
_ لديك ملكة جمال آخرى هنا يا سيد موند , يالك من محظوظ !.
جعلني أضحك تبا له ! .. أحمرت وجنتاي سعادة , أحب الأطراء بعد أن فقدت ثقتي بنفسي , ربما لا أزال جميلة المظهر حقاً .. 
كان الاخصائي ظريفاً حقا , ويمزح كثيراً .. اختفى تخيلي لرجل عجوز عابس وقاسي .. ارتحت لهذا الرجل المضحك .. وكذلك والدي ضحك كثيراً .. و ثرثروا بكل شيء تقريباً وكأننا في زيارة عائلية وليس موعد في المستشفى ..
جلب عامل ما العصير و شربنا كلنا وتناولنا الكعك وكذلك جيني , ثم لاحظت فجأة البرق و المطر بدأ يهطل بالخارج , حدقت بالساعة إلا بها الثالثة والنصف .. 
أخيرا تطرقوا لموضوعي .. وكان السيد لايت قد قرأ ملفي مسبقاً , وعرف بحادثتي لكنه لم يذكرها أنما شعرت بهذا فقط .. نهض و نادى الممرضة لنذهب لغرفة فحص صغيرة وبسيطة .. 
وتحت اضاءة بسيطة جلست فوق السرير وكلا قدمي فوق وسادة خاصة , توقف أمام قدمي و ظل يحدق بهما بعيون ذكية دقيقة بينما والدي و الطبيب لوك يقفان خلفه صامتين .. أمسك بقدمي بلطف وحركها شيئا يسيراً ..!
لم تكن قدمي اليمنى المصابة حقاً تؤلمني , أنما فقط لا أشعر بها .. سألني هذا السؤال وقلت له بأني لا احس بها حقاً , فعبس .. ثم تركها و عندما لمس الآخرى شعرت بالوخز .. فقلت له قبل أن يسأل : أنه ألم بسيط... 
_ أين تحديداً تحسينه ؟!
_ آمم , كاحلي عند المفصل .
_ طيب , خذي نفسا يا عزيزتي ..
تركني و طلب مني أن اخفضهما من السرير دون أن تلامسا الأرض , ثم طلب بأن أحرك اليمنى , فلم أقدر , ثم طلب بأن أحرك اليسرى , فحركتها شيئا يسيراً بألم .. وقلت بأنها تؤلمني بعض الشيء...
أومأ برأسه و شكرني ثم طلب من الممرضة أن تصنع لي ضمادتين .. وقال لي بأني ربما سأترك العربة بعد قليل من الأيام ... 
تبا ! , حسبتني سأتركها اليوم .. آه ليس لدي سوى الصبر .. 
قال لي الطبيب لوك بهدوء : لا تحركي قدميك أبداً , كلاهما .. اتركيهما يرتاحان كي تلتئم الأربطة , فهمتني يا كلآرا...
واقفه كذلك الاخصائي , تمتمت أنا مطأطأ الرأس يأساً : حسنا !.
رتب والدي على كتفي , ثم ودعناهما على أن يراياني في موعد بعد ثلاث أيام .. وقفنا قرب البوابة وكانت السماء تمطر بغزارة وهناك رياح قوية .. قال والدي بضيق و جيني بين يديه متوترة : يجب أن أجلب السيارة .
قلت بتوتر أيضا وأنا أراقب الطريق الذي لم يبين منه سوى خيالات السيارات السريعة بسبب المطر المنهمر والرياح :
_ حسنا أبي , اعطني جيني .. 
اعادني للداخل و لكنه لم يعطني جيني , بل بقي ممسكا بها بأحكام وحقيبتها الصغيرة , قال لي بهدوء : سأجلب السيارة قرب البوابة لا تتحركي حتى آتي أنا وأساعدك. 
لم يعطني فرصة للرد بل غطى جيني بمعطفه وبقي هو بالقميص الخفيف ثم هرع مسرعاً للخارج . لا أدري لكني فزعت بشدة لرؤيته , وصعب علي تخيل شيء مرعب لكنه هاجم عقلي ... وكأنني رأيت والدي وجيني وسط الشارع وقد أتت سيارة مسرعة نحوهما .. 
ناديت برعب : أبيييي !!... مهلاً...!!
دفعت بنفسي بقوة تجاه الباب الزجاجي الكبير , لم يكن هناك أحد سواي ... فقررت الخروج للرصيف ... كان المطر يضرب وجهي , ولم اقدر على الرؤية جيداً .. فجأة رنّ صوت صغيف بجيب بنطالي , ثم آلمني كاحلي المصاب بشدة و بسرعة وكأن كهرباء مرت به !!.
تأوهت و ترنحنت لكن لم ابقي واقفة بل تحركت فوق الرصيف أريد رؤية أبي وجيني , لكن علقت العربة الغبية عندما هبطت من الرصيف و اوقفتني في طرف الشارع المبلل بالمطر.. 
شتمت متألمه ولم أقدر على رؤية ما خطبها أو فيما علقت !... فكرت كثيراً بأن أقف و أركض بيأس لكن الضوء الذي ظهر أعماني ولمحت سيارة قادمة مسرعة , ظننته أبي يريد التوقف قربي , لكنها ظهرت شاحنة مزرعة مستعجلة زرقاء كبيرة ...
توسعت عيناي رعباً , ربما لم يلاحظني بسبب المطر والرياح !! 
كانت تبعد عني ثانية تقريباً وأنا أستعد للقفز بقوة للجانب .. شعرت بأني أطير ! , غريب أنا لا أذكر بأني قوية في القفز لهذه الدرجة ...
أنما كانت هناك يدان تقبضان على خصري بأحكام وتسحبانني بسرعة خاطفة عالياً من مكاني , تمسكت بخوف بذراع قوية وأنا لا أرى شيئا من شدة الهواء الذي ضرب وجهي وجسدي فجأة !.
_ سحقاً !.
شتم صوت قريب من أذني و سمعت صرير عنيف لحديد ما... قلت فزعة : عربتي !.
لم ادرك بأني مرفوعة عن الأرض وأن هناك من يحملني فقط بذراعين إلا عندما وضعت فوق كرسي خشبي جانبي تحت مظلة ما ... والشخص الطويل الذي استقام أمامي وسحب يديه بسرعة وكأنني قمامة ما ..
زمجر بحده وهو يعطيني ظهره : ليــوون ؟!.
_ هاك !.
ابعدت شعري عن وجهي وأخذت أحدق جيداً... بينما تجمد عقلي عن التفكير و شعرت بالبرد الشديد... 
سحب أمامي عربتي السوداء ووضعها تماماً امام قدمي .. شاهدت خيلاً آخر يختفي بسرعة خلف الشارع .. 
_ اجلسي هنا بسرعة !
تعثرت بقولي : ممـ..ماذا ؟!
_ آآوه ><
زمجر الشاب مغتاظاً نافذ الصبر جداً , ثم انحنى قليلا فقط و قبض بقوة على وسطي بكلا يديهإلا بي فوق كرسيي المتحرك ..!
ما أن استقريت حتى قال بعصبية مخيفة شعرت أنه يود ضربي : لا تتحركي !
و التفت مختفياً بسرعة مثل ذلك الخيال , عرفت أذناي أصواتهما ومن يكونان قبل أن تدرك عيناي الأحداث السريعة جداً... لقد انقذاني أولاً ثم كرسيي .. وها هما يختفيا فوراً ...
توقفت أمامي سيارة عادية سوداء و خرج والدي قافزاً ...
هتف بذعر : كلآرا !!!

اقترب مني بسرعة تحسس وجهي و ذراعاي , قال موبخاً بخوف : ماذا تفعلين هنا !!.. تعالي بسرعة أنتِ مبلله , ألم أقل انتظريني حتى أجيء بالسيارة ... آه منك !
قلت آسفة بسرعة شاعرة أنني على وشك البكاء : آسفة أبي أنا....
مالذي أخرجني حقاً ؟!, تخيلاتي و خوفي... ~~"
وضع حولي الحزام ثم كرسييّ في صندوق السيارة تحرك سريعاً , ثم انطلقنا .. ظل يوبخني طوال الطريق على أنني لا اسمع الكلام و أتصرف كالحالمة المذهولة ... فكرت ببؤس أن هذا جنون , و أنني يوماً ما سأنتهي في مصحٍ عقلي !!!
كما أن جيني أخذت تبكي بحرقة مما عكر والدي أكثر و أكثر...
طلب مني البقاء قليلا , حمل جيني أولا للداخل .. ثم جلب كرسيي المتحرك , دخلت في غرفتي مباشرة قائلة بأني أريد تجفيف نفسي... كان المكان مظلماً والساعة تقريباً الخامسة مساءاً... كما أن الغيوم و المطر جعلا الجو أكثر عتمة وكأننا بمنتصف الليل ..
مسحت وجهي بالمنشفة ثم ما أن أنزلتها حتى صدمت وأنا أحدق بهما في غرفتي .. كانا يقفان متجاورين بينما رفع المدعو ليونارد 
يده قليلا فقط فأغلق الباب خلفي بالمفتاح كالسحر .. بقي صاحب العيون الزئبقيه يحدق بي ببرود . 
قال ليون بهدوء : يجب أن نتحدث , مالشيء الذي رأيته ؟!
دخل مباشرة بما يريد .. ضيقت جبيني و قلت بتوتر: مهلا ! , مالذي تفعلانه هنا ؟!. ثم أنت لم أرك بالمدرسة ...!
رفع ليونارد أحد حاجبيه وهمس : كنت موجوداً لكن ليس المهم أن ترينني.. إذن ... مالذي رأيته ؟!
_ رأيت ماذا ؟!.
_ تلك الفتاة بلهاء حقاً. 
علق صاحب العيون الرمادية اللامعة ببرودة لكن بغضب مخفي , فتقدم خطوة وقال ببطء : هناك واحد آخر يسعى ورآءك كما يبدو كما أن هناك شيء ما يجذبهم , تبا ألا تفهمين ؟!.
قال ليونارد بصوت هادئ يحدث رفيقه ذو العيون القاتلة : دان . نحن نفترض أن هناك علامة ما , لكن الفتاة مسكينة لا تدري !.
حدقت بهما وقلت بتوتر : علامة ؟!
حرك دانييـل يده بملل واضح وهمس ببرود : يجب عليها أن تنتبه لنفسها أكثر , أحيانا تشكل خطراً على الاشخاص الذين أحميهم .. قلت لك لنقتلها فقط و ليبدو الوضع حادثاً... والدها سيتجاوز المحنة .
زاغت عيناي و فغرت فمي , قلت بحده أخاطبه : مالذي تعنيه بأني أشكل خطراً أيها المجنون ؟!!.
نظر نحوي بحده و تحولت عيناه للون الذهبي علامة الخطر , قال يزجرني : بلى أنتِ خطر !! و خطر أحمق أيضاً... فقط لو أقتلك !. لكن هناك ما يمنعني !
كدت أبكي مصدومة و مرعوبة , فهو بلا شك قادر على قتلي ... نظرت بذعر و توسل نحو ليونارد العابس... وعندما لاحظني قال بحده يخاطب رفيقه المرعب :
_ دانييل ! أرعبت الفتاة ! هذا ليس أسلوبنا .. ونحن لسنا متأكدين من.. 
نظر نحوي بضيق مخفي وأكمل : من .. أنها لديها... آه شيئا...! 
بردت عينا المدعو دانييل , وعاد لونهما رمادي داكن .. همس ببرود بشيء ما يكلم رفيقه ثم أظلم الجو فجأة و عاد الضوء الخافت , لأرى فقط أمامي ليونارد الذي قال بهدوء :
_ هدئي من روعك , اتفقنا ؟! لا داعي للخوف هو لن يقوم بإيذائك نحن نقوم بالعكس تماماً. 
حاولت أن أتحدث لكن حلقي جاف جداً , تنفست بعمق و مرت الثوان , ثم نظرت إليه وقلت بنبرة متوسلة خائفة لا أدري كيف ظهرت مني :
_ كيف... يمكن... يمكن أن أكون ..خـ... خطراً على عائلتي؟!.
كتمت شهقة و ضمتت يداي لقلبي الخائف أكاد أبكي .. رقت نبرته فجأة وهو يقول بلطف غريب وصوت ناعم :
_ قلت بأننا لسنا متأكدين , ثم من المستحيل أن تؤذي شخصا تحبه.. فقط تماسكِ أنها فترة عصبية لكنها ستمر .. 
ارتجفت شفتاي و همست : أنا لن أقدر على أخبار والدي عن هذا ... كل شيء أعني...
رفع حاجبه و أجاب بهدوء : لا أظن هذا كلآرا , هل تفكرين بهذا ؟!
فكرت فقط بأن والدي سيصدم جداً , وأنه لن يصدقني , سوف يجلب لي طبيباً نفسياً و عقلياً ... وسأجلب له الكثير والكثير من المشاكل , وهو لا تنقصه هذه ...!
ابتعلت غصتي وحدقت به قلت بتوتر و قد داهم عقلي فكر آخر : لكن... ذلك الشيء هل سيعود ؟!. وما علاقته بي وكيف يمكنني أن أؤذي ؟!.
_ ما دمنا هنا لست واثقا من عودته , لكنه ماكر .. كما أننا لا نفهم ما يريده منك أو من تلك الرضيعة .. هم بالأحرى يريدون الصغار أكثر لأنهم انقياء وسهل ال... سهل جدا عليهم فعل الكثير , وهو بالطبع يريد القضاء عليك أنتِ و والدك لأنكم عائق أمامه !.
توترت وقلت وأنا أضغط زر المصباح لأن الجو أصبح معتما جداً : ح..حسنا.. لم تقل لي كيف يمكنني أذياء من أحب ؟!.
رفع حاجبه ثم ضيق جبينه متضايقا من الضوء , تراجع للنافذة وقال بهمس بارد : راقبي تصرفاتك فقط... و سترين بنفسك !.
ابتعلت لعابي وقلت بتوتر يخفي خوفاً : حسنا.. و.. تظنون بأن قتلي هو الحل ؟!.
هز كتفه وقال بهدوء عادي : ليس تماماً...
هذا الجواب غير مريح أبداً... شعرت بمعدتي تؤلمني بقوة من شدة التوتر والخوف .. قلت وأنا أتذكر العينان المتقلبتان بين الذهبي والفضي : 
_ رفيقك ذاك يود قتلي بشدة .. مالذي يجعله يريد هذا مالذي فعلته ؟!
كنت أسمع صوت ضربات قلبي بأذنيّ .. فتأوهت بضيق , هذا يدل على رعبي الشديد و أشعر بأني وحيدة بمواجهة كل شيء... 
_ أنه... دانييل لا يريد هذا أنما يود لو ينهي الأمر بسرعة.. ربما كان الطريق الأسهل لحل المشكلة قتلك فقط !.
حدقت به بعيون زائغة , قبل قليل كان رقيق الصوت , لكنه الآن بارد عادي وكأنه يتكلم بموضوع ممل .. و ليس موضوع يتعلق بحياتي أو موتي !.
قلت بسهولة : أنا لا أثق بكما !.
رفع حاجبيه : ثقتك بنا ليست مهمة !
آآخ شعرت وكأنه طعنني , أنه أيضا وقح !!... كلاهما متشابهان . لكن هذا الشاب أكثر هدوءا من صاحب العيون الزئبقية والمزاج البركاني !
تنفست بصعوبة فهما ليسا الوحيدان اللذان لا يهتام بمسألة الثقة ! والدي لا يثق بي أيضا !. أنا أشعر وقتا بأني لا أثق بنفسي... 
هززت رأسي و شعرت بالحقد تجاههما ... 
قلت ببرود : حقا ! , أليس قتلي سيسهل الأمر على ذلك الوحش لأخذ جيني ؟!. أنتما لا تفكران جيداً.
ظل ينظر نحوي ببرود و مال برأسه وهو يهمس : أشك بأنك أنت من يفكر جيداً , انتبهي لنفسك , نحن نشعر بأن لك علاقة بالوحش .. فقد أتى مرة بسبب صوتك !.
التفت في الظلام و قفز من النافذة ليختفي كلياً...
تاركاً إياي أغرق بدوامة من الرعب والصدمة !!. 
لي علاقة بالوحش !!!!!!

فجأة بدت فكرة قتلي ليست بالسيئة !!! ~~" 
هل وصل بي البؤس لهذا الحد ....!! 
لكن قالوا شيئا عن... شيء آخر يلاحقني ! .
أغمضت عيني بقوة , أتخيل منظري أن دخل والدي الحمام فجأة ووجدني قد قطعت شرياني وسط المغطس لأموت وحدي.... 
... آه لا كلآرا أنت لا تستسلمين بهذا الشكل ..لن تفعلي ...





الجزء السادس ( زائرٌ جديـد ) 
*×*×*

لم استطع النوم جيداً , لكني نمت في آخر المطاف من شدة التعب و قبيل الفجر بقليل , شيء هزني بقوة في جانب ساقي !.
كان الجرس الصغير يرن ويهتز .. لكن بشكل خفيف جداً , وهذا ما ارعبني في منتصف نومي.. افقت خائفة و قلبي يدق بقوة !
و عندما حدقت بالشيء الذي يقف أمام قدمي عند طرف السرير اختنقت الصرخة في حلقي !!.
كان الظل , أو مهما سموه ... 
لكن... حسبته سيقتلني أو يبدأ معركة !, أنما .. كان مختلفاً . كأنه ظل شخص طويل جدا و نحيل واقف فقط و بلا ملامح وجه .. 
كان فقط رأساً و ذراعان بجانب جسده و ساقين ...! 
كتمت انفاسي وعيناي زائغتان عليه , لكنه هو لم يكن له عينان .. ولا أي ملامح في الوجه ...!

و بالرغم من هذا عرفت بأنه يحدق بي بقوة وهدوء .. و كأنه أمضى الساعات بانتظار استيقاظي ..
رن الجرس مرتين في جيبي جعلني استعيد نفسي ... همست بصوت يرتجف : ممـ.. ماذا ؟!.. ماذا تريد...؟!
مال الظل برأسه و رفع يديه أمام وجهي .. و رأيت الشيء الذي تدلى من يديه .. الشيء الفضي اللامع وسط الظلام ... و مده إلي كي آخذه ربما .. 
ازدرت لعابي و جلست جيداً لأمد يدي نحوه بتردد شديد وارتجاف .. كم أنا بلهاء كبيرة , ربما يريد اذيتي ..!!
عندما حدقت بيديه هاتين , كانتا كما يشبه الضباب أو الدخان المكثف مكون هذا الشكل .. فتح يديه عن بعضهما وانزلقت
السلسلة الفضية الناعمة وسط راحة يدي .. 
اخذت نفسا مرتجفاً و حدقت بوجهه , صعقت عندما صدر منه صوت ما .. صوت ناعم خافت كأنه "هممم .. مم " !!
ومال برأسه مجدداً , وشعرت لثانية بأنه كائن لطيف !!. لكنه شكل غريب غامض بعيد عن اللطف !.
و في الثانية الآخرى أدركت ما يكون أو مالا يكون على الأقل .. أنه ليس نفس الظل ذو العيون الحمراء السابق الشرير !!!
شهقت و قلت مرتعبة : أنت لست هو أليس كذلك !!. 
ولدهشتي أجابني , وهو يرفع رأسه شامخاً كما بدا و صدر صوت غريب آخر لكن حاد قليلا .. كـ " سسسسليس ..!! "
همست دون وعي وعيون متسعة متسمرة : ممأا.. ماذا ؟!.
كرر وهو يميل بوقفته ناحيتي قليلا : سسليس ...
سقط فكي صدمة !... هل... هل يفهم ما قلته ؟!!!... 
هززت رأسي و قرصت وجهي كي افيق من هذا الحلم .. لكن بقي كل شيء كما هو .. الظل الغريب الهادئ الذي يقف عند طرف سريري ..
فجأة تحرك , فانتبهت إليه خائفة .. سرى بخفه حتى وصل إلى الجانب للسريرفتراجعت أنا أضم الغطاء إلي...
لكن الظل ارعبني وهو يسحب الغطاء بقوة و سرعة عني بيديه , رمى به بعيداً في زاوية الغرفة ..واجتاحتني موجة برد رهيبة !
صرخت برعب : آآآآآه !! 
لكنه لم ينظر إلي وأنا أنكمش على نفسي حتى الزاوية , لم يبال بي .. ومن وضع رأسه كان ينظر إلى قدميّ... اقترب و أصبح فوق السرير معي !!!!
صرخت به برعب : اتركني ... ابتعد !! – أين اؤلائك الحمقى عندما احتاجهم !
لكنه انحنى و أمسك بقدمي اليمنى !!., عندها شهقت متجمدة شاعرة وكأن قدمي غطست بحفرة مياه جليدية في القطب الجنوبي !!!
كان يمسك بها بكلتا يديه , ارتفع طرف البيجاما قليلا ليظهر كاحلي كله .. و هنا كانت الصاعقة !!
رأيت شيئا على قدمي .. شيئا لم يظهر من قبل قط !!
كان هناك ما يشبه الندبة ... لكنها ندبة مضيئة بلون أبيض وكأنها مصباح .. و على شكل غريب... شكل نجمة سداسية !!
ما هذه !!! و من أين جاءت و كيف....؟!!
كل الأسئلة قطعت وأنا اراقب الظل و قدمي التي فقدت الاحساس بها .. كان هو يمسكه بكلا يديه وكأنه تحفة ما .. رأسه منحنٍ جداً نحوه يكاد يلامسه ..!!
صدر عنه صوت خفيض حاد مجدداً .. وهو يهسهس منزعجاً و يحرك رأسه وكأنه يقول ..لا ..!! 
أخذت انفاسي تتسارع و خفقات قلبي جنت ..و أنا أرى قدمي يتحول لونها للأزرق ...!!
لم يتركها , وكدت أقول له : دعها أرجوك وإلا سوف تموت أكثر و يقطعونها !!.
لكن لم يتحرك بل جثى أمامي !! .. فقدت الأمل في أن يتركني و شأني ... لذا قلت بتوتر : وأنا أيضاً لا يعجبني وضعها , لكني لا أكف عن النظر نحوها !.
رفع رأسه و حدق بي قليلا بوجهه وبلا عيناي .. هز رأسه يمنة و يسرة بخفه ... ثم تلاشى فجأة من أمامي وظهر بشكل مفاجئ ارعبني يقف قرب السرير .. 
مد ذراعه بطولها فطار إليه الغطاء الذي بالزاوية .. غطاء سريري ...
و رفعه ليلقيه فوقي مجدداً...!!!
بلرغم من صدمتي إلا أنني قلت بصدمة : شكرا على لباقتك !! 
ثم تحرك و اختفى كأنه ضباب ينجلي ... بعدها بدقائق افقت من صدمتي و جمودي عندما بدأت اسمع اصوات العصافير في الخارج .. حاولت التحرك واكتشفت أنني ارتجف برداً...
فاختطفت كنزتي من فوق الطاولة الجانبية للسرير و دسست رأسي بها و أنا اتنفس بعمق وبصوت عالي ...
شهقت عندما طرق الباب علي طرقاً خفيفاً... فأكملت ارتداء كنزتي وأنا اقول بصوت مبحوح غريب : من ؟!!
فتح الباب و أطل أبي وهو يقول باستغراب : من ؟!... أنه أنا حبيبتي ... صباح الخير .
اخذت نفساً وأنا اقول : آوه !!.. ثم : أبي !!.. صباح الخير .. لقد افقت لتوي...
حدق بي والدي كثيراً بنظرة قلقة ... اقترب مني وقال وهو يضع يده على جبيني : أنتِ شاحبة جداً... آه و باردة جداً... ما بك ؟!.. هل تشعرين بالمرض صغيرتي؟!.
قلت بسرعة أحاول جعل صوتي عادياً : آه , لا .. كنت أشعر بالبرد قليلا فقط . 
أومأ ببطء و ظل يراقبني لثانية قبل أن يقول : هل ستبدلين ملابسك , أنا سأصنع القهوة والفطور...
_ أجل... أجل. 
_ جيني مستيقظة منذ فترة هي بالمطبخ تلعب تبدو بمزاج جيد بعد بكاء أمس .. 
بعدما ذهب أبي تنفست الصعداء و ألقيت نظرة على نفسي بالمرآة , و فزعت من شكلي.. كان رأسي كالجمجمة .. 
وعيناي غائرتان حولهما دوائر من السواد , بينما شفتي بيضاء وأطراف يدي وقدمي مزرقة قليلا .. وكأن غرفتي قُلبت لـ ثلاجة مجمدة !
كما أن شعري وكأنه مرت به كهرباء متطاير و اشعث !!.. رحت بسرعة للحمام أعيد شكلي الطبيعي .. أو شيئا منه !!
ارتديت بنطال أسود واسع وقميص أبيض من فوقه كنزتي البنية .. ثم وضعت كلا قدمي بالضماد الداعم المطاطي بعد أن لففتهما بضمادة جديدة , 
سرحت شعري قليلا وتركته بعد ان سقطت من يدي الربطة تحت الكرسي !!. 
قفزت فوق كرسيي شاعرة بكره شديد له , وأحلم فقط باليوم الذي سأتخلى عنه .. سأقيم حفلة ضخمة !!!
لكن لأجل هذا سوف أصبر ...
لم اسمع صوت أبي وأنا أدخل المطبخ .. رأيت جيني بكرسيها الطويل الخاص وهي تهمهم و تضحك بسعادة ..
قلت بمرح : مالذي يضحكك يا فاتنتي ؟!.

_ كنا نضحك فقط قبل أن تأتي وتفسدي علينا !.
توسعت عيناي صدمة وحدقت بزوج من العيون الرمادية الباردة وجسد طويل ممشوق مائل باتكاء على طاولة الطعام يواجه الطفلة .. تلفتُ حولي برعب , و كدت أصرخ أو أبكي وأنا أقول بصوت عالي أسأل نفسي : أين أبــــــــــي !!!
أجابني هو ببرود مع أنني لم أكن أسأله : ذهب ليبدل ثيابه بالأعلى .. هذه قهوتك كما أظن !.
_ مالذي تفعله هنا ؟!.
شعرت بنبرتي باكية يائسة ... فحدق بي لثانية ,ثم قال متكاسلاً : كنا نستمتع بوقتنا . 
ثم تحولت عيناه إلى جيني لمعتان بشكل ساحر وهو يكمل بنعومة : قبل ان تستيقظ الاخت الكبرى المزعجة !.
فضحكت جيني مجدداً بمرح شديد وهي تصفق بيديها .. حدقت بها مصدومة , هذه الطفلة الخائنة ..!! 
قلت مهتاجة لا اكاد استوعب : أنت !... أنت !!. أ... مالذي تفعله هنا ؟!.
لم يكلف نفسه عناء النظر نحوي , بل منح جيني ابتسامه , جعلتني اترنح في كرسيي مع أنها لم تكن موجة لي ..و شعرت بمجهوداتي في اصلاح شكلي الخارجي تذهب سدى ..!! 
_ يبدو بأنك مضطرة للعيش مع أخت كبرى بلهاء و صماء كذلك و ربما مصابة بداء النسيان !!.
كيف يجرؤ !!.. افقت من موجه الدوار و التعب وأنا أصيح به بحده : أخرج !!.. أخرج من هنا... سأصرخ بأبي... أبـــــــــــــي !!
وصرخت بصوت يجلجل الجدران لم يقطعه سوى نوبة كحة فضيعة داهمتني .. فانحنيت أحاول تجميع انفاسي...
صوت ركض في الممر ... ثم ظهر والدي وهو يقول مرتعباً : كلارآ...!!! جيني... آآه !!
رفعت رأسي و رأيته لا يزال واقفاً هذا الولد المجنون .. التفت إلى أبي بقوة وأنا أصيح : أبي , أبي أنظر ... غريــب هنا !!.
رفع والدي عينيه نحو "دانييـل" الهادئ ثم حدق بي وكأنني مجنونة هاربة... 
قال بأسف وهو يرتب عللى ظهري المشدود : يا حبيبتي... آوه كم أنا آسف .. لم أخبرك , دانييل جار لنا قريب من هنا , رأيته مرتين .. وهذه المرة كان يركض متمرنا بالخارج ألقى علي تحية الصباح فدعوته لفنجان قهوة... هل فزعتِ , أنا آسف...؟!
حدقت به بعيون زائغة تكاد تسقط من محجريها و أنما سقط فكي مصدومة ... نظرت نحو الشاب هنا و رأيت نظرة انتصار و تحدٍ خبيث في عينيه ...
عندها ابيّض الجو فجأة في عينيه , و دار المطبخ بي... فانحنت بسرعة أضع جبيني على ركبتي بألم ..!!
_ كلآرا ...؟! كلآرا حبيبتي !. 
انحنى والدي فوقي وهو يحيطني بذارع .. همس بقلق : هل أنتِ بخير ؟!
استرددت انفاسي بتعب و بدأت النجوم تتراقص ثم تختفي ببطء ... همست بصوت بح تماماً : أعطني دقيقة , أنه دوار !.
_ لا بأس عليك حبيبتي , بعد الفطور ستتحسنين .
رفعت رأسي قليلا فقط أتكأ على يدي , لمحت دانييل يناول أبي شيئا .. شكره والدي بهدوء : شكرا لك..
ثم وضع والدي بيدي الأخرى كأس ما , بينما أرفع رأسي أكثر و أرى نظرته الغريبة ونصف ابتسامه ساخرة متكلفة !.
_ لا بأس سيد مونـد , شكراً لك على القهوة. 
شكر أبي بلباقة وهدوء تعجبت منها جداً , فأومأ له والدي ورافقه نحو باب المطبخ إلى الخارج .. 
وضعت يدي على جبيني , هذا الماكر اللعين المتوحش الذي يهدنني بالقتل و يتمنى موتي ذو العيون الغريبة المتسلل لبيوت الناس ... 
دخل إلى حياتي من أهم أبوابها "عائلتي" !! هذا غير معقول !... تباً !... لو كان ليونارد كان تقبلت الأمر أكثر قليلاً... 
_ كيف أصبحتِ الآن ؟!
جاء أبي نحوي يسألني بحنان , ثم أمسك بيدي يقول بهمس : آسف لم اخبرك به من قبل , لقد رأيته قبل يومين ربما , يبدو شاباً طيباً حذقاً . 
آوووه بربك أبيييييي >< !!... كدت أصرخ بهذا !! طيباً و دانييل لا يكونان في جملة واحدة !!.. لكني تماسكت بقوة ألا أصاب بنوبة دوار و شحوب مجدداً ,
أقسم بأني سوف أموت من هذه الأسباب أكثر من أي شيء آخر ..!!
اشحت بوجهي و قلت بهدوء : أنني جائعة .. 
قال والدي ببساطة وهو يسخّن لي القهوة مجدداً : نسيت أن أخبرك به , كما أنه لا يبدو مرعباً جداً كي تصرخي باسمي هكذا وكأنك رأيتِ وحشاً , مع هذا أنا آسف عزيزتي .. لا شك بأنك مرهقة...
كلمتُ نفسي ببرود , آه بالطبع الارهاق أقل شيء أشعر به الآن , بعد ليلة من المشاحنات مع شخصين مثيرين للغرابة والرعب , ثم زيارة آخرى لشيء لا أدري ما هو ...
ثم أجد أن أكثر هذين الشخصين رعباً و جنونا مدعو لقهوة الصباح مع أبي , و يضحك مع جيني ساخران مني..!.

حدقت بأبي قلقة , هذا غريب ... والدي غير متفتح أبداً مع الغرباء , وحتى مع الأقرباء هو جدّي قليلاً... لكن .. مالذي يحدث هنا ؟!... توسعت عيناي ... هل فعل لأبي شيئا ... سحره ربما !.. 
التفت نحوي وهو يتكلم بشكل طبيعي و هادئ لا يبدو بأنه مسحور !! , أخذ جيني لأحضانه وهو يداعبها و يحاول جعلها تتناول طعامها , غير أنها هذه البنت الصغيرة تبدو متململة بعد ذهاب ذلك الفتى , بصراحه يبدو شاباً يافعاً وليس فتى مراهق عادي !. 
عضضت شفتاي و احترق لساني من القهوة , تأوهت .. لقد قلبت حياتي رأساً على عقب .. و لن أسامح السبب في هذا طوال عمري !!. 
_ ماهذا الذي بيدك عزيزتي , آوه سوار جميل .
حدقت بأبي ببلاهة , و الآن عما يتحدث !!. 
كانا ينظران نحوي و يبتسمان .. حاولت قول شيء ما لكن والدي قال : أين وجدته ؟!.
رفعت حاجبي و حدقت حيث ينظرون , فتحت فمي دهشة , تلك السلسلة الناعمة الفضية تحيط معصمي برقة .. و تلمع حتى بدون ضوء ... ازدرت لعابي و تنهبت أنه ينتظر جوابي ... 
قلت بسرعة ابتسم بتوتر : تحت.. ال ..تحت السرير !. 
رفع والدي حاجبيه دهشة ثم ابتسم بحنان وهو يقول : يبدو ملائما جداً لك , لا شك بأنه مفقود من ممتلكات زوجة أبي , مع أنني لم أعش معاها فترة طويلة , لكنها سيدة مميزة و ذكية حقاً . 
ثم نهض وهو يضع جيني في كرسيها قال متذكراً : آآوه المدرسة !!... هيا عزيزتي استعدي سأقرب السيارة قبل أن نتأخر أكثر.
طوال الطريق بالسيارة و عقلي متعكر جداً و أفكاري تتخبط لا استطيع السيطرة عليها , أشعر بأن ليلة الأمس كابوس .. لكن هذا الصباح كان هو الكابوس الحقيقي !!. 
أنزلني والدي و ابتسمت له مودعة فتمنى لي يوماً جيداً مع أن نظره كان قلقاً بعض الشيء ..
قلت له مذكرة بلطف : لدي بعض الزملاء هنا . لن أواجه مشاكل . 
ابتسم مجدداً و غادر بهدوء .. دفعت نفسي قليلا حتى المدخل كانوا قد طلبوا من البواب أن يضع هذه الألواح الخشبية القوية لأجلي ..
أخذت نفسا ودفعت نفسي فوقها لكن يدي انزلقت فجأة و كدت انزلق متراجعة أنا و كرسيي .. لكن أحدهم ثبتني بالخلف.
_ يالا بداياتك السيئة !. 
بالطبع هذا ليس ليونارد !! , أنه يتحدث ببرود فقط أحياناً , لكن البرود والسخرية المستفزة معاُ .. هذا صفة شخص واحد !. 
شهقت بعصبية و هو يرفعني بكرسيي دون ملاحظة أحد ويسير بخفة حتى الممر : دعنييي !! دعني دعنــي حالاً...! 
ثبتني على الأرض و سار حتى توقف أمامي لأراه جيداً , بجينز أسود و تيشيرت أزرق داكن كان طويلاً مميزاً 
ورشيق القامة كما أن عضلات ذراعيه الواضحة تقول لا تعبث معي ! .. تحسرت على هذا المظهر الرائع لشخص بلا أخلاق جيدة !. 
انتبهت له وهو يرفع أحد حاجبيه قائلا ببرودة الصقيع : والآن بعدما انتهيت من النظر , هلا أخبرتني من أين لك بهذا ؟!.
توترت وأنا أقول بتلعثم : ممـ..ماذا !, يالك من وقح... ><"
ثم التفتُ بكرسيي و بسرعة أريد الهرب إلى أقصى مكان ... تحركت العربة قليلا ثم .. تجمدت بقوة !! ولم تسير حتى أنشا واحد...
التفت إليه أحترق غضباً ! أعلم بأنه هو من يفعل هذا ! لكن لا أدري كيف...!
قلت بحده : دعني أذهب و إلا سأصرخ و أجلجل هذا المكان وأجمع الناس حولنا !.
وضع يديه في جيبيه و مال بوقوفه وهو يرفع بصره من العربة ليظهر بأن لون عينيه اختلف من الزئبقي إلى الذهبي الداكن السائل ... 
قال يهمس ببطء : لا تجعليني أغضب !.
رفعت رأسي بشموخ وأنا أبادله التحديق , من يظن نفسه ! هه .. حتى لو أصبحت عيناه بلون الدم فلن يخيفني .. 
قلت بحده خافتة لأن مجموعة من الطلبة يمرون : لا يهمني ما يحدث معك أو ماتريد , لآن يفترض كما فهمت بأن ليونارد من يكون معي وليس أنت !.
المجنون الشرير الوقح البغيض السليط ال.... أكملت بقلبي 
قاطع افكاري بكسل وعيناه تبردان للون الرمادي : أكاد أسمع عيناك تنطقان بباقي كلامك التافة !, على العموم ليون غادر بعض الوقت لأجل صديقته . 
ادهشني قليلا , آوه ليونارد لديه صديقة !..آممم أنا لا اتخيل بأن شخصين مثلهما يمكن أن يكون لديهم صديق من الجنس الناعم !
أكمل ساخراً : هل اصبت بالأحباط ؟!.
فتحت فمي مصعوقة , رددت بسرعة وحده : يالك من أحمق !! كلاكما ذو وجود ثقيل مرهق .. أنا و بكل صراحة لا أحب رؤيتكم !.
زم شفتيه ورد ببرود : و نفس الشيء معنا تجاهك !. بلهاء !. 
هزت كتفي بلا مبالاة وقلت ببرود : لا يهمني رأيك !. 
حدق بي بعنف وعيناه تلمعان بموجة ذهبية تنذر بالشر .. كتمت ابتسامتي بصعوبة و التفتت بكرسيي أريد الذهاب , لكن الكرسي المتحرك لا يزال جامداً بمكانه !!
_ لن تذهبي لأي مكان حتى تقولي من أين لك بهذه السلسلة !. 
نظرت إليه بغضب عارم أكتمه , وقلت بحده : أي سلسلة ؟!!
_ أكره الذين يدّعون البلاهة فوق بلاهتهم !.. أنتِ لا ينقصك هذا .. إذن.... 
ضيقت جبيني و تمالكت أعصابي بقوة بينما هو ينتظرني اتكلم , تنفست بسرعة مرتين... ثلاث.... اربعة ... ثم قلت بهدوء و صدق :
_ لا أدري ما تسمونهم .. لكن أحدهم قام بزيارتي قبيل الفجر , واعتقد بأننا تحدثنا , آوه ومد لي بهذه .. أظنها كانت بمكان ما بالمنزل , وهو جلبها إلي.. 
وابتسمت أغيضه , ضاق جبينه وبدا غارقاً بالأفكار لثانية , ثم حرك شعره الحالك السواد وقال بجدية شديدة وعينان ضيقتان :
_ حسناً , و ماذا بعد...؟!
هززت كتفي ببرود و قلت وأنا أطرف بعيوني ببراءة : هذا كل شيء .. 
ضاق جبينه والتمعت عيناه وهو يقول بصوت خفيض حاد : ليس من مصلحتك اخفاء بعض الأمور عنا !.
تابعت بنفس النبرة البريئة المثيرة للسخط : صدقني أو لا تفعل , هذا لا يهمني !.
صر بأسنانه وسمعت الصوت فسرت رعدة غريبة بي , قال بهمس خطير : كان يفترض بي مراقبتك جيداً بعد ذهاب ليون , لكني لا ألوم نفسي .. أنما السبب بك أنتِ !.
حدقت به : بي أنا ؟!... مالذي تقوله ؟!.
وفجأة تذكرت العلامة الغريبة التي ظهرت من لامكان مطبوعة في كاحلي حيث اصابتي .. لم تكن موجودة أبداً من قبل وإلا لرأيتها .. لرآها الأطباء !!.. الاشعة أي شيء...! لكنها ظهرت فقط عندما... عندما قام الظل بـ.... لمس قدمي ربما !!
سمعت صوته هادئ وغريب يخترق عقلي : إذن , اخبريني كلارا !.
وجدت نفسي أتحدث بغرابة وهدوء ناظرة إلى قدمي : إن .. قدمي... قدمي المصابة هذه بها ... شيء غريب. أراني إياه الظل , كما اعتقد... كانت تشبة... ندبة غريبة... شكلها .. نجمة , لكنها غريبة و... لم نرها من قبل أبداً... أبداً... لم تكن موجودة... 
رفعت بصري إليه وفمي نصف مفتوح , كان يراقب ملامحي بهدوء , لكن قال ببرود وهو ينظر نحو قدمي : هذا لا يبشر بالخير ... 
_ لـ.. لماذا ؟!.
_ سأخبرك شيئا , كنت محقاً منذ البداية , وأنا عندما أقول بأن هذا الشيء يحدث فهو يحدث حقاً... همم ....
ابتعلت ريقي , قلت بتعب : إذن ما تكون , أليست أثر من الحادث ؟!
_ لا اعتقد , العلامة موجودة دوماً .. لكن الظل أظهرها لك ... وهذا يعني شيء واحد فقط ... كلآرا أنتِ بوابة .. أنت بوابة مفتوحة للوحوش ... و لكن العلامة ممنوحة من ذلك الوحش المطارد ذو العيون الحمراء كما تصفينه . وهو ظل لعين ماكر شرير و خطير , اختفى أثره حالياً لكنه سيعود وعندها سنرى .
كنت أحدق به و لا أرى ... أنما اتخيل ما ينطقه فقط .. علامة , أظهرها ... بوابة !... وحوش... باب مفتوح ... عيون حمراء .. شرير ... اختفى .... و سيعود !!... 
دخت و بدأت النجوم تضرب عيناي !... انحنت بسرعة لأضم رأسي بين ركبتيّ وألف ذراعي حول نفسي لا استطيع التنفس... لا اقدر على التنـ..... 
_ آووه الدوار مجدداً ! , بربك تماسكِ يا فتاة.. 
حاولت التنفس جيداً وأنا أحشر نفسي على بعضها ... احسست بيده على ظهري !. شعور غريب ؟! هل هو متعاطف معي ؟!.
_ سأجلب لك الماء... 
زاغت عيناي , هل سيتركني لبضع دقائق وحدي !!!... بدا هذا مرعباً للغاية بعد كلامه المخيف الذي نطقه بكل جدية وهدوء...
لم أكمل أفكاري لقد قطعها بقوله : هاكِ الماء..!
لقد شعرت فقط باختفاء يده من على ظهري , ثم عودتها بعد ثوان قليلة جداً... اتكأ على ذراعي المقعد وأنا ارفع رأسي ببطء ... 
سلمني قارورة ماء باردة قليلا منعشة ... فشربت منها بهدوء .. 
استعدت وعيي جيداً و ميزت الالوان ... كان هو قربي و يده على ظهر المقعد اصبحت , كما أنه ينظر نحوي باهتمام وانتظار ..
همست بضعف : شكراً. 
_ مهما يكن , لم انهي حديثي ...!
حدقت به وقلت متلعثمة : ممااذاا ؟!... لكن ماذا بقي أيضا ؟!.
رفع أحد حاجبيه و اعتدل بوقوفه وهو يقول ببرود وهمس : الظل الآخـر ... نوع مختلف , و لديه هدف مختلف ... الآن صفيه لي !.
وأنا أحدق بالعينين الغريبتين الرماديتين بخطوط ذهبية راودتني الاحاسيس والغرابة , والفضول الرهيب . من يكون و من أين جاء ؟!....
ولما يحمل هذه الصفات الغريبة .. ترى ما يكون هو بالضبط و رفيقه ؟!. وتلك الاشياء المريعة التي دخلت حياتنا !.
الجزء السابع (( مفاجئات غير سارة البتة ! )) 

أنني واثقة عندما بدلت ضماداتي هذا الصباح بأن كاحلي طبيعي جداً خارجيا على الأقل ولا وجود لأي علامة أو أي شيء مريب ...!
_ هل انتهيتِ ؟!. 
لقد قاطع حديثنا الغريب والمخيف صوت رنين جرس الصف ولم يساعدني في دخول الصف أو حتى يرافقني بل دفعت نفسي بنفسي و مر صفين متتاليين من الدروس المرهقة ... 
والآن هاهو بجانبي في وقت الاستراحة بعد أن احرج الفتيات بنظرته فغادرن بهدوء .. ماخطب المدعو "دانييل" هذا ؟! 
حشرت كتابي بقسوة في حقيبتي التي اضعها خلف ظهري , قلت بهدوء : حسنا , مالأمر ؟!.
توقفت قرب طاولة خشبية دائرية في الباحة حيث الجو بارد قليلا لكنه لطيف وهناك الكثير من الغيوم البيضاء , جلس هو على الكرسي على الجانب الأيسر مني كي يكون متراوياً قليلا و يسمح لي برؤية الباحة و الطلاب في جهتي اليمنى... 
_ كيف كان يبدو ؟!.
التفتُ إليه و اضطربت قليلا لقربه ولتحديقه الشديد في عيناي , لأول مرة أجلس مع هذا الشخص الفظ الناري الطباع يجب أن أتوخى الحذر في كلامي معه... فأنا لا اعتبره كـ ليونارد. قد ينفجر بي في أي لحظة , وأجد نفسي ميتة فجأة !. 
أجبته بصدق وهدوء لا أدري من أين جلبته وأنا أتأمل بحر الفضة في عينيه و خطوط الذهب السائل : ...ذلك الخيال , كان... كظل طويل يملك ذراعين و ساقين أظن... و بلا ملامح, لم يكن هنالك من عينان أو فم...وما شابة. 
ضاقت عيناه قليلا و التمعت , أومأ وهو يهمس بنعومة : ومالذي كان يفعله ؟!.
_ آحم .. لستُ واثقة , كان يراقبني لفترة... اعتقد .. 
صمت احاول تذكر الليلة الماضية جيداً , فقال هو يحثني بهمس : و بـعد...؟!
_ أظهر .. تلك العلامة في كاحلي.. 
_ ...و السلسلة ؟!.
مرت رياح باردة عبثت بشعري و قميصي , فلممته بسرعة و وضعته تحت القميص عند رقبتي , بينما هو لا يبدو متأثراً قط .. لقد تطاير شعره الأسود الحالك حول وجهه الرائع التقاسيم لكنه لم يتحرك قط بقيت عيناه مركزتان في عيني ..و باردتان منتظرتان ... 
_ لا أدري من أين جلبها , لكن...والدي لاحظها و أظنها كانت لزوجة أبيه بالتبني .. 
كنت أريد أن أشرح له أيضا أن السلسلة تبدو مألوفة بشكل ما لكنه قاطعني بفظاظة وبرودة : أخرجي ذلك الجرس...!
حدقت به , قلت بتوتر : أي جرس ؟!.
_ افعلي فقط ! , أني لا أملك النهار بطوله !!.
أجابني بحده بالغة و عصبية , فرمقته بضيق شديد ثم هززت رأسي و أخرجت الجرس الصغير للغاية والناعم الفضي... 
حدق به بضيق واستنفار ثم حرك رأسه ولم يلمسه بل قال بصوت منخفض : أنه جزء من السلسلة ..لا انتبهي !!
كنت على وشك أن أضعهما معاً السلسلة الناعمة والجرس لأن السلسلة ناعمة جدا ستدخل بحلقة الجرس الصغير...لكني فوجئت بقبضته قوية جداً وباردة أطبقت على معصمي بشدة آلمتني !! 
_ آآه , ماذا ؟!.
قال بقسوة وهو يصر على أسنانه كي لا يرفع صوته : يالك من ! , لقد أخبرتك صباحاً بأنك بوابة للوحش و ها أنت على وشك وضع شيء ما خطير عليك . هل تحبين رؤية قدمك تتقطع ؟!.
ترك يدي وكأنه مشمئز , ضممت يدي برقة أحاول تدفئتها بينما قلت منزعجة : أتعني بأن بي شيء شرير و هذا الجرس سيحاول اقتطاعه مني ؟!.
_ ها أنت بدأتِ تفهمين !.
قالها لكل سخرية وكأني شخص أخرق للغاية , هززت رأسي احاول التركيز ,قلت أهمس بيأس : و كيف الآن سأحمي نفسي .. كيف أتخلص من تلك العلامة مهما كانت في المقام الأول..!
_ مادام هذين الشيئين منفصلين فهما يقومان بعملية تنبيهك لا حمايتك .. لكن لا تجميعهما معاً فستقلتين , أما بالنسبة للعلامة فهذه .. من وضعها وحده هو من يستطيع ازالتها ..!
لم اقدر على التنفس لثوان , قلت بقلق : ذلك الشيء... لن .. يزيلها أليس كذلك ؟!.
_ ولمَ يفعل ؟! , أنت بوابة ممتازة له .. 
_ لا أحب نبرة السرور في صوتك !. 
ضاقت عيناه الرماديتان و هزأ قائلا : وأنا بدأت أندم على تحذريك من ذلك الجرس والسلسلة. 
رددت بحده : يلا الأسف ندمك متأخراً !.
وافقني ببرود : لكن , رؤيتك تتقطعين أشلاءاً وسط ساحة المدرسة غير جيد على البشر هنا...!
رفعت رأسي ببرود : تتحدث وكأنك لست بشرياً مثلهم !.
ومضت عيناه بخطورة : ومن قال ؟!.
خفق قلبي قلقاً .. ماذا يعني هذا ال... قلت بتردد : إذن لست... بشرياً حقاً... ولا... ليونـ...
قاطعني بلا اهتمام : ليس تماماً بالنسبة لي , لكن ليو حالة أخرى... 
همست بقلق وعيناي متوسعة : وماذا تكونان ؟!. 
_ أنت لا تزالين في مرحلة أنكار لتلك الوحوش التي تزورك بسعادة , فكيف تردينني أن أخبرك , لن يعجبك هذا لكني لا أهتم في الواقع لما تظنين ..
ضاق جبيني و حاولت قائلة : مصاص دماء مثلاً ؟!. مع أنني أظنك أسوأ... 
لمعت عيناه و مط شفتيه ليقول بهمس ناعم : هذا ليونارد ..بالطبع أنتِ عديمة الملاحظة , لكنك نلت نقطة على معرفتك لهذا الوجود !.
فغرت فاهي , ياله من وضيع لا يفوت أي فرصة لأهانتي...
قلت ببرود : مع هذا ليون أفضل منك , لا شك بأنك ابن الوحوش...
ولينتي لم أنطق , لقد برقت عيناه ببرق ذهبي و اهتز جسده مع لفحة هواء جليدية ضربت وجهي .. شحب وجهه جداً وأبيض كالثلج بينما أحمرت شفتاه و قلبت عيناه بسرعة خاطفة للون الذهبي النارية المشتعل ..
هب واقفاً فضممت نفسي بسرعة وكأنني خشيت أن يقطع رأسي .. هدر بحده لم أسمعها من قبل أبداً :
_ لعلمك فقط ولأنارة عقلك الغبي !, أنا ولدت من أروع أبوين عرفهما كلا العالمين هنا.. لا يمكنك حتى أن تنعتهما بأي صفة قريبة من قلة الأحساس !... 
التف من الطاولة بسرعة و عنف ثم ذهب بعيداً بينما عبثت رياح باردة شديدة في الساحة جعلت الأشجار تتمايل و الطلبة القليلون يهرعون إلى الساحة الداخلية... 
كنت مصعوقة , مالذي جرى له بحق ال....!!
هززت رأسي أحاول التفكير , هل يظنني أهنت أبويه ؟!. آه يالا الحماقة , كلانا أبله و غبي... أني أقصده هو فقط بالتشبيه , ما كان له أن يثير أعصابي هكذا .. لكني لم اتوقع أن يكون محباً لوالديه بهذه الشدة ..! كان علي أن أتعقل أكثر منه... لا يمكن أن يفقد كلانا صبره .. سأضع أعصابي في مياه باردة المرة القادمة .. أن لم يكن هو متعقلا أنا سأكون !. 
ساعدت نفسي بنفسي مجدداً و بصعوبة كي ارتقي الألواح و أدخل البناء , رأينني الفتيات "لونا" ذات الشعر القصير و "سيلا" ذات الشعر الأشقر , نظرن نحوي بقلق طفيف ثم ابتسمن وساعدنني في الوصول للصف التالي .. 
لم أرى ذلك المدعو "دانييل" كل اليوم و هذا حسن , أني حتى لست متأكدة بأنه يتظاهر بالدراسة لأجل حراستي كـ ليون .. ليونارد الذي قال أنه مصاص دماء .. بصراحة أنا لم أكون أي فكرة أو شكلاً معيناً في عقلي لهؤلاء ..!
حسنا ربما فكرت بـ .. وحش ضخم شاحب اللون جداً رمادي ربما بأجنحة جلدية مخيفة و أنياب ظاهره .. وليس شاباً وسيم المظهر هادئ وحاد بنفس الوقت , مع هذا هو أفضل أخلاقاً من رفيقه . 
وفي نهاية اليوم , جاء والدي وكان يبدو شاحباً أكثر من العادة فخفق قلبي توتراً وقلقاً... قلت بهدوء وهو يساعدني على الجلوس في المقعد :
_ أين جيني...؟!
_ في المنزل , معها السيدة فرانس...
عندما قال السيدة فرانس هل يقصد زوجة لوك الرقيقة , أم تلك العجوز التي لا تراني ؟!. لكن لا يهم كثيراً هذا .. ما يقلقني هو أبي , قلت مجدداً بتوتر : ماذا إذن ؟!.
حدق بي قليلا ثم قال وهو ينطلق بالسيارة : لا أدري لقد اسيقظت جيني باكية لاكتشف أنها مصابة بالحمى .. أخذتها للمستشفى ليس بالشيء الخطير أنما فقط مجرد برد , أخذت بعض الادوية و عدت... 
شهقت بقلق حبيبتي جيني مريضة , قلت : آوه وكيف هي الآن ؟!.
_ تركتها نائمة و بصبحتها السيدة فرانس لقد تحسنت قليلا.. 
كنت قلقة جداً وأصابني الرعب فجأة , ماذا لو لم تكن حمى عادية , ماذا لو أذاها شيء ما....! عندها ماذا سأفعل ؟!.
رأيت وجه والدي قلقا جدا شاحباً وكأنه أصبح في الخمسين فجأة , فمسحت على يده برقة و اكتشفت بأن يدي كالثلج ..
صفيت حنجرتي كي يخرج صوتي صافياً : ستكون بخير أبي...
زفر ثم نظر نحوي وابتسم بعطف ولم ينطق بشيء , حتى توقفنا أمام المنزل , لكن والدي لم ينزل من السيارة بل بقي قليلا منتظراً ينظر خارجاً , عرفت بأنه يريد التحدث إلي... و بهذه الطريقة لا يبدو أن الحديث جيد !.
التفت نحوي وقال بهدوء وعيناه الزرقاء لامعة بحزن : لقد وصلت... المربية أنها أخت لوك تدعى ليندا , وهي تعمل طبيبة أطفال لكنها تركت العمل و أتت هنا , هل يمكنك تخيل هذا ؟!.
كان يتكلم بهدوء خافت شديد , يخفي عاصفة غضب رهيبة أعرفها ... كنت أنا أيضا مصدومة أنما ليس بهذا القدر لقد خفف غضبي أيضا من شدة الصدمة ... 
هززت رأسي و قلت بتماسك : لندخل أبي . 
خرج بخفه من الباب و جلب عربتي لكنه أخذها للداخل , فغرت فمي ... أبــــييي ><... !!
أتى نحوي فقلت مسيطرة بصعوبة على أعصابي : أنت لا تفكر بأدخالي للمنزل محمولة هكذا !!.
زم شفتيه ولم يأبه لي قال بهدوء : هيا كلآرا , أنهم في الأعلى سينزلون خلال دقائق...
فحملني بخفه و أنا أسأل بتردد : عندما قلت أنهم ... من يكونوا ؟!.
_ لوك هنا أيضا , والسيدة جورجيا لكنها قد غادرت قبل مجيئنا... 
حسنا ربما تلك العجوز اطمئنت على جيني و غادرت لا يهمها أيا منا الابنة الأخرى المقعدة و والدها البائس !. تضايقت من نفسي و من سوداوية أفكاري ..!
أجلسني أبي على الأريكة و عندما هم بالخروج من الردهة , دخل لوك أعرف قامته الرشيقة كوالدي و من خلفه فتاة . لا بل شابة تكبرني بعشر سنوات ربما !!.
كانت بشعر أشقر داكن وعينين واسعتين عسليتين , آه ربما كانت في السادسة و العشرين , عبست بشدة تبدو جميلة جداً و أصغر بكثير من عمرها , فكشرت بقوة و ألتمعت عيناي و أوشك على الأنفجار... 
نظر نحوي لوك و تبسم بقلق واضح , بينما بقي والدي واقفاً قربي ببرود يديه في جيبيه , وقفت الشابة بتوتر هي أيضا ببنطالها الجينز الجديد هذا و قميصها الذي يبدو ثمينا ><"... 
بدأ لوك الكلام بهدوء وتمالك : جيني بخير الآن , أنها نائمة , تحتاج لكثير من النوم... 
ثم نظر نحوي و تبسم قائلا : هاي كلآرا , كيف حالك عزيزتي ؟!.
أومأت برأسي ولم ابتسم تماماً , مع أن لوك لا ذنب له , لاحظت نظرات المرأة الفضولية نحوي تتأملني بدقة ثم وقعت عيناها بعيني فضيقتهما بعبوس , ابتسمت لي بتوتر ثم تقدمت برشاقة احسدها .
و صافحتني بحرارة وهي تقول بصوت ناعم : كلآرا الجميلة , مرحبا حبيبتي أنا ليندا . كيف حالك ؟!. 
توترت جداً , حسنا اعترف بأنها تبدو لي لطيفة لكن لنرى لاحقا....
رددت بهدوء وبلا ابتسام : اهلا , أنا بخير...
قال والدي فجأة ببرود : سأحضر الشاي . 
فقال لوك سريعاً : سأساعدك ...
و خرجا معاً و أنا أحدق بهما برعب ... هييييه تركتماني مع هذه المرأة وحدي لماذا ؟!.
بقيت دقيقة جامدة لا أفعل شيئا فتحركت ليندا هذه لتجلس على كرسي قريب مني تقابلني , سألت برقة :
_ كيف كان يومك كلآرا , هل المدرسة لطيفة ؟!.
رددت بهدوء كي لا تظنني مضطربة نفسية : جيد جداً , لا بأس . 
أومأت و قالت بهدوء : أنا آسفة أن ضايقتكم و جئت بهذا الشكل وكأنني وضعتكم أمام الأمر الواقع , لكني في الحقيقة تركت عملي منذ زمن و كنت أريد العودة لعائلتي هنا .. كنت بائسة بالمدينة حقاً , لم أحبها . 
صمت أحدق بها بهدوء , بدت هناك ظلال داكنة حول عينيها و وجهها شاحب قليلا , سألت بهدوء : أليست الوظيفة رائعة ؟!.
طرفت بعينيها كثيراً وكأنها تفاجئت من تجاوبي معها , قالت مبتسمة بحنان : رائعة جداً , لكني لم أتأقلم جيداً فحاولت و بقيت هناك ثلاث سنوات بلا جدوى .. اكتسبت خبرة لكنها ليست كافية بالنسبة لي. 
ابتسمت مجدداً وقالت بتوتر خفي لاحظته : حسنا أنا لا أريد التطفل أبداً , لقد جئت للتحية فقط و رأينا فجأة والدك قادم و معه جيني من المستشفى .. آه لقد انزعج كثيراً .
ضاق جبيني وقلت بخفوت : لكن شكراً لزيارتك. 
ابتسمت لي مجدداً ثم نهضت وهي تنظر في ساعتها الثمنية بمعصمها قالت : سأعود لوالداي الآن , يجب ان اعتذر عن الشاي ..
دخل والدي فجأة بالشاي ومن خلفه لوك يحمل صينية كعك , نظروا نحوها متسائلين فابتسمت وهي تقول : يجب أن أذهب. 
قبل أن ينطق والدي , قال لوك بسرعة : لا بأس عزيزتي سأوصلك. 
زممت شفتي بقوة , قال والدي بصوت بارد واضح جعلنا كلنا ننتبه : ليس قبل شرب الشاي. 
خفق قلبي و قلت بنفسي لو أنني مكانهم لفررت بسرعة لا يهمني الشاي , لكن الشابة قالت بابتسام خفيف : لا بأس , لكني سأخرج مباشرة , والداي يريدان التحدث إلي. 
فجلست على نفس مقعدها و جلس لوك بترقب على مقعد مجاور , بينما سكب والدي الشاي لهم ثم سلمني كأسي و جلس بجانبي تماماً و رفع ذراعه من خلف ظهري ولم يشرب هو شيء... بل بقي يراقب الجميع ببرود . 
حسنا , فعلته هذه وكأنه يحميني , لكن مما أبي بربك أهدأ .. هذه المرأة مسكينة , لا شك بأن لوك بقي أيضا لحماية أخته ×× أكره الأوضاع العائلية المعقدة...!!
قالت المرأة فجأة بمرح : هذا الشاي لذيذ من منكما أعده هكذا , أم أنكما تعاونتما معاً مع أنني أشك بهذا ..
تجهم والدي بينما كدت اختنق أنا بشرابي , نظر لوك نحونا بانتظار , فأجاب أبي بهمس هادئ : لقد تعاونا , المهم هو النتيجة .
ابتسمت بهدوء وهي تلقي بنظرة سريعة على اخيها : معك حق . 
ثم قالت مجدداً بهدوء : أتيت من المطار والسماء تقصف و تمطر بقوة , لكن الغيوم هنا كثيفة جداً تبدو كأنها تمطر .. 
انصتا فجأة و سمعنا صوت المطر يشتد بتدرج , قلت أنا بهدوء : آوه بهذه السرعة !. 
فتبسمت لي الشابة , بينما قال لوك : ربما يجب أن نذهب قبل أن يشتد المطر أكثر , سأجد أليكس وسنمضي الوقت بالبيت... 
فوقفت معه اخته و كذلك أبي الذي قال بهدوء : أيمكنك زيارتي غداً...؟!
لاحظت بأنه وجة الدعوة لـ لوك فقط !.. فراقبت ملامح الشابة الهادئة الطبيعية , بينما لوك يجيب : آه بالطبع لا بأس . 
لكن فجأة قالت المرأة بهدوء وعيناها مركزتين على أبي : هل يمكنني أن أتحدث معك غداً أيضاً ؟!.
رأيت ملامح وجهه تشتد و شفتيه تحمران , آوه سوف يرفض , لكنه أشاح بنظره فجأة و نظر إلي أنا ..
رد عليها وهو يحدق بي : أجل . 
ثم اصطحبهم إلى الباب ... وتأخر بالعودة ربما ذهب للمطبخ , أو ليطمئن على جيني .. قضمت من الكعك 
و تناولت الشاي الساخن و عيناي على النافذ المسدلة الستائر لا استطيع الرؤية لكن صوت المطر بدا واضحا أكثر .. 
يجب أن اهنئ أبي على قوة تمالكه اليوم , لقد ارهق كثيراً ولم ينفجر غاضباً .. أو ربما غضب وانتهى >>؟! 
_ صنعت هذه الشطائر ...
التفت اليه وهو يضع طبق ملئي بالشطائر الساخنة أمامي , و أكمل بسرعة : سأرى جيني...! .
ثم اختفى سريعاً من الباب , تأوهت , أنه لا يزال غاضب...! 


مرت ربع ساعة ولم ينزل أبي أو أره , هدر صوت الرعد بقوة قريباً جداً و اشتد المطر أكثر , قربت مقعدي كي أجلس عليه , لكن داهمني شعور مفاجئ و ألم رهيب في عظامي كلها و ساقي خاصة !!.
انحنت و أنا اشهق وأضم نفسي ..وكأن كهرباء صعقتني فجأة , كتمت ألمي بصعوبة وشعرت بغثيان رهيب و كدت أخرج كل مافي جوفي على السجاد .. لكني تمالكت نفسي و ترنحنت يمنة و يسرة .. شعرت بيد تقبض على كتفي .. 
_ مالذي جرى ؟!. 
ما هذا الصوت لم أعرفه , لكن اليد الباردة ليست يد والدي .. رأيت بعيناي شيئا غريباً .. و لأول مرة ...
ظلا غريباً ينحني فوقي ويرفعني عالياً بلطف , ثم وكأنه أحاطني بذاعيه محتضنا , كنت صغيرة الجسم جداً بالنسبة إليه .. بعدها انزلني و رأيت ظلال غرفة ما لم أعرفها... 
_ كلارا ؟!!!
شهقت بقوة و التفتُ بعنف نحوه الصوت , كان أنفي على بعد سنتميتر واحد فقط من انفه , وعيون زرقاء فاتحة جداً متسعة في عيني المرعوبة .. 
آوه لا داع للخوف , أنه ليونارد ... ابتعد بسرعة عني , كان خلف الأريكة منحنِ نحوي , التفت و جاء يقف أمامي ..
_ مالذي جرى لك ! , لقد اغشي عليك لثانية !!.
حدقت به وأنا استرد أنفاسي.. رفعت حاجبي مصدومة , قلت بتردد : اغشي علي ؟!.
طرف بعينيه بحده و تلفت حوله , كان يلبس ملابس جلدية سوداء , ويبدو كـ شاب عصابات . لكنه وسيم جداً.. 
_ لقد زاغت عيناك و تشنج جسدك بشكل رهيب ثم اغشي عليك بين ذارعي بعدها افقت مرعوبة ! قلت أن الفتاة ماتت !!. 
لكن الألم في ساقي كلاهما لا يزال يسري , لم اقدر على تحريكهما قط , مالذي دهاني ؟!.
قلت برجاء : ساعدني ارجوك .. لأجلس هنا . 
كنت أشعر بأن عيناي تدمعان لكني لن أبكي , رفعت بصري نحوه فتقدم مني بهدوء وقال هامساً : سأحملك ..
_ لـ....
لم أكمل اعتراضي لأنه حملني حقاً و سار بي بهدوء , قلت بتوتر : لا ارجوك , احتاج أن أجهز ثيابي و أذهب للاستحمام !.
رد ببرود : لا , يجب ان تتناولي الدواء أولاً ..ثم ترتاحي , الاستحمام سينتظر .
نظرت الى الساعة ما أن انزلني فوق السرير و التفت حوله , كانت تشير الى الخامسة تماماً و الجو قد أظلم بشدة .. 
اختفى الشاب بسرعة من الباب ثم عاد بسرعة و وضع كرسيي قرب السرير , همس : والدك آتٍ ..
سمعت صوت والدي ينادي بتوتر : كــلآرا ؟!..
_ هنا أبي ! , بغرفتي... 
لا أدري أين اختفى ليونارد .. لكنه فعل هذا بسرعة تربكني , دخل والدي بسرعة أيضا و حدق بي بعيون قلقة ...
_ حبيبتي ما بك ؟!.
طرفت بعيني ببرائة : ماذا ؟!.
اقترب مني و حدق بي جيداً , هو يشعر بشيء ما لكنه غير واثق .. مسح على شعري المتطاير الاشعث ثم على وجهي برقة ..
_ أنتِ متجمدة كالصقيع , آوه يا صغيرتي سأجلب لك غطاء اضافياً . 
فتحت فمي لاعترض لكنه خرج سريعاً , آووف لمَ الناس يتحركون بسرعة دوما هكذا !! , وفكرت بـ ليونارد , ألم يكن خارجاً لمقابلة صديقته , لكنه عاد و هذا مريح يعني أن مقابلة ذلك المزاج الناري المخيف ستقل !. كننت معه ليوم واحد وكاد يصيبني الجنون !.
جلب لي والدي الغطاء و جلس يتحدث معي قليلا على أمور غير هامة كـ عمله المكتبي العادي و عند كتب مفيدة في مكتبة جدي ثم قال بأن جيني تحسنت وهي تنام كثيراً , آوه افتقد صغيرتي المدللة ..! 
كنت أعلم بأنه يتجنب الحديث عن تلك المرأة , ما كان اسمها ؟!
لكنها أقل همومي حقاً , لدي اشياء تفزعني و تشغلني طيلة حياتي المتبقية .. التي أشعر بأنها لن تكون طويلة... 
_ هل ستنامين الآن ؟!
اجبت بطبيعية : سأقرأ كتاب ما و أظنني سأنام قريباً أجل . 
همهم بهدوء ثم نهض ليتمشى بغرفتي قليلاً توقف أمام النافذة و ظل يحدق بالظلام بصمت , سألني فجأة بهدوء :
_ هل يعجبك هذا المكان ؟!.
هل يعجبني أنه لا يعجبني قط ,, أني أكرهه جداً , أني أكرهه لحد أن...
_ لا بأس به أبي .
وجدت نفسي أكذب لأجله وابتسم بتردد , من الجيد انه التفت بالحظة المناسبة ولكنه لم يبتسم إنما التمعت عيناه ..
اقترب مني و ضمني بحنان ثم قبل رأسي وهو يقول : فتاتي الصغيرة تحاول أن تكون قوية . لن أغضب أن قلت بأن المكان مقرف حبيبتي اتذكر انزعاجك في أول يوم .. أنا أيضا منزعج قليلا.. لكننا سنمضي... 
ضحكت بلا صوت رغما عني .. فأكمل وهو يعانقني : اشعر بأنك ستتحسنين بسرعة و سأفعل ما تريدين .. البقاء هنا أم الرحيل .. و ستختارين مدرستك بنفسك... 
آوه , هذا ما يفكر به !.. قلت ضاحكة : حسنا تذكر هذا عندما أسير على قدمي مجدداً ^^ . 
ضحك هو أيضا بمرح : آوه أجل ستفعلين. 
... 
كان الطبيب لوك يتحدث بأمور تافهة غريبة وأنا أحدق به بتركيز وتعب و ملل .. مالذي يحاول قوله بالضبط !. 
كنت في موعدي معه بعد ثلاث أيام وقد قلت له بأن قدميّ كلاهما يقتلانني من الألم حتى المسكنات لا تنفع كثيراً , وأنا أخفي هذا عن والدي , لكنه اكتشف هذا و غضب ثم اتصل بـ لوك وقدم موعدي الذي يفترض به أن يكون بنهاية الاسبوع .. 
و هاهو يذهب مع ذلك الأخصائي و يتركني وحدي مع لـوك الذي اصبح ثرثاراً فجأة !!. 
و قلقاً أيضاً , جلب لي العصير و استئذنني قليلا ..بعدما خرج فكرت بأبي و جيني التي تركها مع ممرضات لطيفات بالحضانة .. 
دخل لوك بعد دقائق ولا يبدو سعيدا أبداً حتى بعدما ابتسم بتوتر .. خفق قلبي هناك شيء سيء بالطريق...><"... 
لم يجلس أمامي على المكتب بل ظل واقفاً الى جانبي قليلا ... رفعت رأسي إليه مستفسرة بقلق. 
_ كلارا , لقد ظهرت نتائج التحاليل والأشعة .. 
كان صوته دافئاً لكن البرودة اجتاحت جسدي , قلت قبل أن يكمل كلامه : خارج التوقعات !. أني أفهم إن كانت سيئة !. 
حدق بي مصدوما قليلاً هز رأسه وجاء ليجلس لكن بجانبي , بطريقة تشبه طريقة والدي قلقة يحاول حمايتي ربما...
قال متردداً لكن مصراً : كلارا , أرجوك افهمي هذا , في عالم الطب....
آوووه هاقد عاد للثرثرة مجدداً ... قلت بسرعة اطمئنه : يمكنك أخباري بأي شيء أنا بخير تماماً .. أعرف بأن التحاليل ليست جيدة .. 
تنهد و قال بأسى وهو يحدق بسقف الغرفة : حسنا .. أنها ليست جيدة , وهذا أمر يمكنك تخمينه أليس كذلك ؟!. لكن الأمر الآخر هو...
نظر في عيني وأكمل بنبرة حزينة : لن تتحسن قدمك مطلقاً كلارا .. أبداً .. لن تقدري على السير مجددا بطبيعية . أنا آسف جداً .. آسف حقاً لأن لا يداي هاتي ولا يدا الاخصائي لايت ولا الاستشاري الذي تحدثنا معه و لا غيرهم يقدر على اعادتها كما كانت .. تستطيعين السير بمساعدة عكاز فقط.. 
حدقت به دون أن اتنفس .. اللعنة ! ...
تباً مالذي سيحدث لـ والدي !!.. كان يشعر بالأمل أكثر مني... آه ه ه
شعرت بسكين يقطع بأحشائي , ابتعلت لعابي و أنا أحدق بعيني الطبيب الحزينتين , قلت بهدوء : حـ...حسنا...!
تبا صوتي يرتجف , آه أنها صدمة , ظننت بأني قادرة على التقبل... ظننت بأني .. سأتحسن يوما ما... 
لكن لا ... كل ظنوني خابـت .. و أملي الوحيد البائس , ظهر بأنه سراب لا أمل ...!
_ كلارا ؟!.
همس الطبيب بقلق , كان الغشاوة ابتعدت عن عيني و رأيته أمامي , قلت ببرود غريب : ماذا ؟!.
كان قلقاً جداً , هز رأسه بشكل خفيف و قال بدفء مشجع : أنها تتحسن ببطء , لكن في النهاية تحتاجين لعكاز فقط للمساعدة على التوازن , الأعصاب ماتت تماماً لكن الأربطة تنمو و تتحسن وأنت شابة قوية , لا تتوقفي عن القتال أبداً , اتفقنا ؟.. لا للاستسلام ؟!.
كان كلامه نصف مشجع نصف مُغضب ... قلت وأنا أحاول التنفس طبيعياً : وماذا لو... لو اردت الاستسلام , ماذا لو اردت التوقف عن القتال كما تقول .. ماذا لو أني سأعيش مع هذه الحقيقة لكني لن أكون راضية .. ماذا لو أردت أن أقفز على قدمي حتى لو تكسرت .. ماذا لو اصبحت عصبية جداً و أغضب و هكذا.. أسيء للناس و ألوم نفسي و أود لو أكون مجرمة و أكره الحيـ....
اوقفني وهو يمسك بذراعي قائلا : توقفي كلارا... اهدئي .. اهدئي خذي نفساً...
رددت بحده : لا أريد أخذ نفس , أرأيت لقد خابت كل آمال والدي بي... أنه يعاني لأجلي .. أنت لا تفهم .. ها أنا أخذله مجدداً... و مجدداً و... ومجـ... 
_ كلارا !!
لم يكن هذا صوت الطبيب , بل....
حدقت بالباب برعب , كان أبي واقفاً يحدق بي بصدمة ومن خلفه شخص ما .. 
شعرت بأن العالم يتحطم حولي كله !!!... لقد رأى والدي ضعفي وانهياري ... لقد تحطم كل شيء... تماسكي . درعي... كل شيء...
كدت أبكي ... لكن لا أدري لم بردت عيناي فجأة و تسمرت...
نهض لوك وقال لي وهو يمسك بيدي يشد عليها قليلا : لقد أخبر الدكتور لايت والدك , سأخرج قليلا الآن. 
صدمت وكدت اقول له لا تتركني هكذا مع أبي ...!! أني منهارة ويجب أن يغطي علي قليلا حتى لا يلاحظ أبي كل شيء... 
لكن فات الأوان !.
كان الطبيب لايت هو من يقف خلف أبي و خرجوا جميعا مغلقين الباب خلفهم , بينما تقدم مني بهدوء .. 
قلت بسرعة قبل أن ينطق بشيء يقتلني : أسمع ! , هذا الوضع كل تافه !.. حقاً , بربك لا يوجد شيء أسوأ من هذا أليس كذلك , اعتقد بأننا وصلنا للحد الأقصى ! . هذه الحياة سخيفة , أعني ...
وضحكت فجأة بصوت عالي لا اعرفه , أكملت وأنا أنظر لأي شيء غير وجه والدي :
_ كل ما أقصده هو .. سأسير بثلاث سيقان بدل اثنان لما تبقى من حياتي , هذا ليس بتلك القضية الكبرى , هناك المئات غيري , مهما يكن , أنا غير مهتمة . لكني خيبت أملك بشكل فضيع للمرة الثانية .. لا أنا لست منهارة أبي لكني اتمنى لو كانت لديك آي ابنة غيري تستطيع أن تعتمد عليها و تحبها جيداً .. آوه ربما جيني رائعة بما يكفي .. أليست كذلك ؟!. أني اشعر بالسخافة حقا , كلامي أخرق لا أدري لم أثرثر الآن . لكن سامحني .. سامحني أرجوك. 
نظرت نحوه برعب وجسدي يتعرق ببروده , فوجئت بالصدمة والدموع اللامعة في عينيه الزرقاء الداكنة الرائعة .. 
قلت بخوف وأنا ابتلع دموعي : أبي ؟!.
تغيرت نظرته للحدة ! , فقال بغضب وهو لا يزال واقفا أمامي : في الواقع نعم ثرثرتك خرقاء سخيفة ولا معنى لها ! , و تستمرين بهذا مع علمك بأنك فتاتي المفضلة وابنتي الأولى الثمينة ... لم أكن أظن بأن ردة فعلك للنتيجة غريبة و بلهاء بهذا الشكل ... لماذا تستمرين بالتقليل من شأنك و بأن نهاية العالم غداً...؟!
كدت أبكي من نبرته أكثر من كلامه .. فأنا لا اسمعه جيداً الآن .. قلت بصوت مبحوح : وآسفة لأن ردة فعلي غير طبيعية أيضا...!
تأوه بغضب وهو يرفع رأسه عالياً : ياااارب ساعدني !!.
تقدم مني وجلس بجانبي ثم أخذني بين ذراعيه كان يخفي عينيه عني .. من يرانا يظن بأنه هو المصاب لا أنا .. لا أدري من أين اتاني الجمود و البرود ....و الغباء هذا كله !!.
_ حبيبتي الصغيرة الحمقاء .. أنا أحبك مهما حدث , وأنتِ لم تخيبي أمالي قط ! , أنا الذي اعطاك أملاً زائفاً اتذكرين حديثنا قبل أيام ... قلت بأنك ستسيرين مجدداً .. وشجعتك , لكني خذلتك . آسف صغيرتي .. أنا آسف... 
يالا الغباء كلانا يتعقد بأنه خذل الآخر ... لكن والدي لا ذنب له .. لا ذنب له بأي شيء من البداية ... وهو لا يستحق هذه المعاناة ... لقد عانى من قبل بما فيه الكفاية...!
قلت بهمس : وأنا أحبك أبي , فقط .. لننسى الأمر... 
ضحك بحزن وابتعد قليلا عني ليقول بحنان وهو يمسح على وجهي : من أين جلبت كل هذه القوة ؟!.
يظنني قوية ! وأنا أشعر بأنني اتفتت من الداخل ببطء و أتلاشى ...~ 
_ لكني عند وعدي... سيبقى كما هو... 
حدقت به و قلت : وعد ماذا ...؟!
ضاق جبينه و كلمني بجدية : أن كنت تريدين الرحيل فسنرحل و سنمكث بمكان تحبينه و سأجلب لك خادمة خاصة و ستدرسين بـ...
قاطعته بضحكة متكسرة : لا أبي... لا أريد أن نرحل , ونبدأ من جديد برحلة آخرى للبحث لك عن وظيفة !.
_ هاا أيتها الماكرة الخبيثة ! , هكذا إذن ...
قرصني على أنفي بلطف فضحكت رغما عني , قال فجأة وهو يتأملني : .. لكانت والدتك فخورة بك , أنا أدرك بأنك قوية حبيبتي , لكن لهذه الدرجة .. لقد اذهلتني... 
تجاهلت كلمة قوية و قلت : وستفخر أيضاً بك .. 
جاء الطبيب لايت و لوك وحدثنا قليلا , بينما بقي لوك صامتا عابساً قليلا وغارقا بالأفكار .. آوه لا يمكن أن يشعر هو أيضا بالذنب...! 
قال لي الاخصائي بلطف بالغ ومرح رائع هو يسلمني باقة ورد بيضاء و زهرية رائعة و كبيرة 
_: هذه لأجلك اقتطفتها من حدائق الملكة أليزابيث منتصف الليل تحت ضوء قمر كامل لعلها تضاهيك جمالاً لكن لا جمال يضاهيك يا عزيزتي...
و غمز لي مداعباً وهو يقول : ليتني اصغر بعشرين سنه هاها... 
فضحكت بشدة و كذلك والدي و لوك الذي جلب لي هدية أخرى أيضاً , في الواقع ثلاث هدايا , تحفة رائعة بشكل حورية على الصخور , و وشاح حريري , وساعة ثمينة !. 
وكذلك الممرضة اللطيفة جلبت لي هدية لوحة رائعة لبحر و شروق الشمس... أحببتها كثيراً. 
خجلت منهم جداً , كانوا يعلمون بالنتائج سابقاً و أظنهم جهزوا هذا لأجلي لعلي انهار و أبكي .. لكن كما يبدو لم يتوقع أحد ولا حتى أنا ردة فعلي البائسة تلك... 
رافقنا لوك للمنزل و كانت الساعة السابعة مساءاً .. وجيني قد عادت لطبيعتها المشعة الرائعة .. 
تركاني وجيني في الردهة و ذهبا ليعدا معا شيئا للعشاء ..



ظللت أفكر بسكينة و جيني تلعب قربي بألعاب وهدايا أيضا من الأطباء الذين سحرتهم بجمالها و برائتها .. 
فكرت بـ أني ... كنت حمقاء... و حمقاء رهيبة أيضاً . كان علي الصبر و التماسك , لكني غضبت من لوك و من نفسي و حاولت لوم العالم و الحياة التي اعيش بها أيضا .. آه .
تنهدت بأسى و شعرت بأني سأنهار عند أي كلمة سيئة .. لكن الجميع حرص على اللطافة البالغة والابتسام والمرح بوجهي... لذا ليس لدي عذر غير رد الابتسامات والمرح ... الزائف.!
لقد عملت هذا ... لقد عرفته . أني أعرف نفسي حقاً ... أنا لست راضية الآن , و مجدداً أرى مستقبلي أشد أسودادا مظلم لا أعرفه ... تبا أكره أن أواجه المجهول ... أكره بأن أكون عاجزة هكذا , مسلوبة الأسلحة لا شيء لدي .. وبمواجة تلك الأمور الأخرى...!
شعرت بشيء يملس ركبتي...
نظرت لـ جيني التي وقفت على قدميها و توازن نفسها علي , كانت تحدق بي بعيونها الواسعة الرائعة التي بلون السماء ..
_ تارا .. تاتا .. تــارا ؟!
كانت تحدق بي مستفسرة وكأنه قلقه علي , و تتلمس ركبتي و ساقي بيديها الصغيرة الناعمة بينما شعرها الأشقر الفاتح جدا والناعم كالحرير متطاير حول وجهها الأبيض و خديها الحمراوين ..
تأوهت وكدت أبكي , لكني رفعتها إلي و احتضنتها وقبلتها , أنها نسخة عن أمي الراحلة .. هذه الفاتنة الصغيرة الطيبة...
وهي تحاول قول كلارا ... لكنه يتحول لـ تارا ؟!... هذا ليس سيئا .. ابتسمت لها بحب فأخذت تتحسس وجهي بنعومة .. 
دخل لوك وهو يحمل كأس عصير ضخم , ابتسم لنا بلطف ثم انحنى و حمل جيني مني , سلمني الكأس و جلس على الكرسي قربي و الطفلة بحجره يلاعبها .. 
همست أشكره , فأومأ وهو يقول بهدوء : أننا نطهو شرائح اللحم والمكرونة بالجبنة .. مع عصير الفاكهة .
أخذ يداعب جيني بأبوة , بينما أنا أشرب , توقفت قليلاً , ثم قلت باحراج له : لوك , أنا .. آسفة لقد سببت لك الأزعاج , الكثير منه في الحقيقة , وأنا آسفة .. 
حدق بي وقال متفاجئاً : آووه لا عزيزتي , لا أزعاج أبداً , بل العكس أنت أفضل شابة في سنك قابلتها مختلفة جداً , كما أنك أفضل مريض حظيت به . لقد ساعدنا بعضنا البعض أليس كذلك ؟!.
خجلت واخفضت عيناي , بينما تابع بمرح : ولا حتى عندما قلتِ بأنك ستصبحين مجرمة ؟!
وابتسم بحنان , كدت اضحك , قلت بتردد : أجل , كما أني أشكرك على الهدايا , أنها جميلة جداً . 
ابتسم وقال بهدوء : الوشاح من جوليان أنها معجبة بك و نتمنى معاً أن تزورونا يوماً في منزلي الخاص .. 
شكرته بلطف ثم فكرت بالذهاب لغرفتي كي آخذ حماماً سريعاً و ابدل ثيابي قبل العشاء.. فنظرت إلى كرسيي المتحرك...
_ يمكنك التخلي عن هذا في نهاية الأسبوع , يمكنك السير الأسبوع المقبل الى المدرسة بالعكاز . 
نظرت إليه و سألت بهدوء : وهل سيكونان اثنان ؟!.
_ في البداية نعم . اننا نفصّله بشكل خاص و سنعلمك كيفية السير به بسهولة .
أومأت بهدوء بدا لي العكاز شيئا رحيماً .. ساعدني في الوصول لغرفتي ثم عاد بسرعة ليهتم بـ جيني .. اخرجت ثيابي و نظرت الى الساعة كانت تقترب من الثامنة .. 
وأنا استحم تفحصت كلا قدمي و كاحلي .. يبدوان طبيعين جداً , لكنهما ليسا كذلك .. 
غسلت شعري جيداً ثم ارتديت ملابسي بعجل و خرجت والمنشفة فوق كتفي حيث شعري المبلل يستقر , دخلت غرفتي وأنا اسمع أصواتهم في المطبخ وكانت جيني معهم .. جففت شعري جيداً وحدقت بوجهي بالمرآة .. 
كات شكلي مريعاً , لكن ماذا أفعل لقد اعتدت عليه الآن وتلك الهالات حول عيني تصبح زرقاء , ووجهي بلا دماء وعيناي بلون غريب أخضر باهت كأنه عشب ميت رمادي .. 
صمت قليلا , أبدو كالمومياء... لا أدري كيف يتحمل الآخرون النظر نحوي...! أني أجلب الغثيان ~~’ !.
تناولنا العشاء معاً وكان والدي ودوداً رقيقاً أكثر من المعتاد حتى مع لوك , الذي قال وهو على وشك النهوض سأحضر المزيد من العصير , لكن والدي أجلسه ورفض أن ينهض و قام هو بجلبه ... مع أن لوك صديق طفولته ... 
عندما ودعنا لوك كرر طلب زيارته لوالدي فوافق أبي فوراً , حمدا لله أن لوك دعانا بمنزله الخاص وليس لدى والديه ..!
لم يحدثني والدي كثيراً كان يعلم بأني أحتاج لبعض الوقت ربما بالنسبة للأمر .. كنت سعيدة بهذا لأني سأنهار هذه المرة أمامه منذ البداية ..
لبست بجامتي البيضاء وجلست على سريري اطفأت المصباح لكني لم أقدر على النوم .. بالرغم من وجود الغيوم تمر بالقمر الكامل والضوء الخافت يأتي و يذهب لم يكن هناك من مطر أو أي أزعاج , المفترض أن أنام ..
لكني وضعت يداي على وجهي وعيناي كي أغلقهما رغم عنهما لأنهما يفتاح من تلقاء نفسيهما و أجد نفسي 
أحدق بالسقف المظلم !.... 
فجأة سمعت تكة ما قرب دولاب ثيابي , فتحت عيني وأنا أزفر بحده .. في البداية لم أرى شيئا ... ثم وقع بصري على ظل نحيل طويل مألوف .. لكنه ملتصق بالجدار يرمقني بلا ملامح للوجه يراقبني بدقة و صمت ...
همس خافت جداً صدر من خلفي : أهذا زائرك الذي كلمني عنه دان ؟!.
كان ليونارد يجلس على طاولة السرير بلا أدنى صوت ولو لم يتحدث لما انتبهت له قط .. كما أنه قرب رأسي جداً كان المفترض أن انتبه له أولاً .. ألقيت إليه نظرة عندما تسلل ضوء القمر و بانت عينيه الزرقاء و وجهه الجميل .. 
لم اتكلم , فقال هو مجدداً بهدوء : أنه لا ينوي اذيتك أبداً . كما أنه لا يخافني . 
همست بتعب : مالذي يريده ؟!.
ضاقت عيناه و رد : لا ندري .. لكنه ... مهتم بك كما أرى !. 
توسعت عيني بقلق , همست برجاء : أطلب منه الرحيل ...!
التفت نحوي بهدوء و رد بهمس : لقد سبق و فعلت , لكنه مصر على البقاء . هناك شيء ما بك يثير اهتمامه...!
خفق قلبي بتوتر , قلت وأنا اختلس النظر إلى الظل الصامت في زاوية الدولاب : اقنعه بأن لا شيء بي مثير للاهتمام !!. 
_ أنهم يرون مالا نراه , اسمعي الأمر الأهم هي تلك السلسلة والجرس الصغير .. يجب أن تخرجيها من عندك كلارا...
هززت رأسي بتوتر , قلت : لكنهما ينذراني !.
_ لكنهما يجتمعان , ولكن ليس لك كلارا... سيقتلانك .. 
ومض شيء بعقلي , قلت بهدوء اجتاحني فجأة : مهلاً , أنتم على حق ... ربما ليست لي. ربما لـ جيني .. نعم , أو والدي. 
نفى برأسه وهو يهمس بصوت مقنع ناعم : لا , أعتقد بأنهما لك , لكن ليس و أنت بهذه الحال. 
قلت ببؤس : هذا مرهق , لقد اكتفيت , سأضعها لـ جيني. 
و نزعت السلسلة من معصمي لكن الظل اهتاج فجأة وتحول لدخان أسود ثم طار إلي بسرعة , حدقت به مرعوبة بينما قفز ليونارد ليصبح بيننا وهو يرفع ذراعيه أمامه ..
قال بصرامة هامسة : أخرج من هنا ..
لكن الدخان الأسود جداً أخذ يفور حول نفسه ثم تشكل على شكله السابق و هسهسة حادة صدرت منه .. 
هز ليون رأسه وقال بحده : أنت تخيفها ! , ابقى هادئا أو أذهب إلى حيث تنتمي !. 
اهتز الظل غضباً وهو يصدر الصوت الغاضب , وكأنه يتحدث بغضب وكأنه على وشك الأنفجار أو .. أسوأ...! 
رأيت شيء مضيء يلمع بيد ليونارد الممدودة أمامي , وكأن أصابعه تضيء بتوهج متوتر !!. 
_ أرجع للظلام أو اهدأ .. يمكنك الاختيار من هذين فقط , أي حركة أخرى سيحدث أمر مؤلم !.
شعرت وكأن الظل توقف عن الاهتزاز لكنه اخذ يحدق بـ ليونارد الهادئ بحقد شديد وبتموج كالدخان .. 
قلت بخوف هامسة : مالأمر ليون ؟!.
بقي ليونارد واقفاً أمامي و ظهره إلي , همس بغرابة دون أن يتحرك : أنا أيضا لست واثقاً , لكن حالياً أبقي السوار في معصمك. 
لكن الظل أصبح دخان مجدداً و مرق بسرعة من خلال ليونارد ليصبح بجانبي تماماً و احسست به كسحاب بارد جداً وكثيف .. 
همس قرب أذني : سيلييسسس...!. 
شهقت دون قصد لأن انفاسي كتمت فجأة بينما ليونارد يلتفت بسرعة و قد أظهر ضوء قوي من يديه فأضاء المكان بقوة و حرارة غريبة , فطار الظل من جانبي وهو يهس غاضباً و يلتوى ثم اختفى فجأة من النافذة النصف مفتوحة .. 
_ هل أنتِ بخير ؟! , مالذي فعله بك ..
كان يمسك بكتفي ويحدق بي بقوة , قلت بسرعة : لا شيء.. لا شيء... لقد كلمني ربما... اعتقد... 
كانت عيون ليونارد حمراء كالدم , و وجهه متغير قليلا , هز شعره وقال بهدوء : آوه , هذا غير مريح قط , قال دانييل بأن هذا الظل يحاول استخدامك او السيطرة عليك مهما يكن. 
حدقت به وقلت سريعاً بحده : لا يهمني ما يقوله ذلك المعتوة !.
بردت عيناه ليصبحان زرقاوان ثانية ,قال بهدوء : آها ,وهو أيضاً يبدو غاضباً جداً عندما قابلته في الطريق, هل قال أنك معتوهة .. آوه لا لقد قال بأنك مجنونة وأنك أتعس شخص في العالم !.
توسعت عيناي : مــاذا ؟!!!
_ مهلك ! , كان يقصد بأنه من المحال أن يطارد ظلين شخص واحد بنفس الوقت .. هذا بؤس !. 
كانت هذه القشة التي قسمت ظهر البعير ! , بؤس .. تعاسة !... ~~
احترقت عيناي بالدموع وصرخت به : وكأنني أنا من يختار هذا !! . تبا لكم .. لا أريد رؤية أحد .. ابتعدوا جميعاً عنا !!.
_ هييه هدئي من روعك .. حمدا لله أن الغرفة محمية بغطاء .. كلارا ..؟! 
تمالكت نفسي وقلت بصوت هادئ غريب : هل يمكنك ان تجيب عن اسئلتي أنها قليلة !. 
ظل صامتاً يحدق بي , فقلت بهدوء وعينان تركزان عليه : والدي و جيني هل هما محميان هل تطاردهما الظلال ؟!.
_ أنهما محميان كلارا , لو اراد الظل أذيتهما , دانييل قادر تماماً على ردعه . 
سألت بضيق : هل هو هنا ؟!. 
_ لقد رحل لمكان ما...
توسعت عيناي و هتفت برعب : من سيحمي والدي و جيني الآن ؟!.
هز ليونارد رأسه وقال بهدوء : هناك شخص آخر يحميهما بالرغم أن دان سيعود غداً .. 
غضضت شفتي وقلت ببرود : أن كان الشخص الآخر قادر على الحماية فلا نحتاج أن يعود أصلاً. 
رفع ليونارد أحد حاجبيه وجلس على طرف السرير و بعينيه بريق ما .. قال متسائلا بفضول غريب :
_ هل تشاجرتما ؟!. لقد تركتكما يوم واحد فقط...!
قلت أدافع عن نفسي : هو لا يكف عن اهانتي , لا أدري لما يحميني وهو يتمنى موتي من البداية !.
مال ليونارد برأسه وقال بشرود : تشاجرتِ مع دانييـل وريث الظلام و خرجتِ سالمة !...هممم !.
_ في الواقع ظننت بأنه سيقطع رأسي , لكن ها أنا أمامك !... مهلا ً قلت وريــث ماذا ؟!.
_ لا شيء... 
ونهض بسرعة , قال بجدية : يجب أن تنامي , غداً لدينا عملية بحث !.
حدقت به : عملية بحث ماذا ؟!.
_ بالضبط , احلاماً سعيدة ...
_ لا .. مهلاً ...
لمس جبيني , فأظلم كل شيء فجأة .. و غرقت بالنوم..

تعليقات

  1. الجزء السابع (( مفاجئات غير سارة البتة ! ))

    Wkaj4

    أنني واثقة عندما بدلت ضماداتي هذا الصباح بأن كاحلي طبيعي جداً خارجيا على الأقل ولا وجود لأي علامة أو أي شيء مريب ...!
    _ هل انتهيتِ ؟!.
    لقد قاطع حديثنا الغريب والمخيف صوت رنين جرس الصف ولم يساعدني في دخول الصف أو حتى يرافقني بل دفعت نفسي بنفسي و مر صفين متتاليين من الدروس المرهقة ...
    والآن هاهو بجانبي في وقت الاستراحة بعد أن احرج الفتيات بنظرته فغادرن بهدوء .. ماخطب المدعو "دانييل" هذا ؟!
    حشرت كتابي بقسوة في حقيبتي التي اضعها خلف ظهري , قلت بهدوء : حسنا , مالأمر ؟!.
    توقفت قرب طاولة خشبية دائرية في الباحة حيث الجو بارد قليلا لكنه لطيف وهناك الكثير من الغيوم البيضاء , جلس هو على الكرسي على الجانب الأيسر مني كي يكون متراوياً قليلا و يسمح لي برؤية الباحة و الطلاب في جهتي اليمنى...
    _ كيف كان يبدو ؟!.
    التفتُ إليه و اضطربت قليلا لقربه ولتحديقه الشديد في عيناي , لأول مرة أجلس مع هذا الشخص الفظ الناري الطباع يجب أن أتوخى الحذر في كلامي معه... فأنا لا اعتبره كـ ليونارد. قد ينفجر بي في أي لحظة , وأجد نفسي ميتة فجأة !.
    أجبته بصدق وهدوء لا أدري من أين جلبته وأنا أتأمل بحر الفضة في عينيه و خطوط الذهب السائل : ...ذلك الخيال , كان... كظل طويل يملك ذراعين و ساقين أظن... و بلا ملامح, لم يكن هنالك من عينان أو فم...وما شابة.
    ضاقت عيناه قليلا و التمعت , أومأ وهو يهمس بنعومة : ومالذي كان يفعله ؟!.
    _ آحم .. لستُ واثقة , كان يراقبني لفترة... اعتقد ..
    صمت احاول تذكر الليلة الماضية جيداً , فقال هو يحثني بهمس : و بـعد...؟!
    _ أظهر .. تلك العلامة في كاحلي..
    _ ...و السلسلة ؟!.
    مرت رياح باردة عبثت بشعري و قميصي , فلممته بسرعة و وضعته تحت القميص عند رقبتي , بينما هو لا يبدو متأثراً قط .. لقد تطاير شعره الأسود الحالك حول وجهه الرائع التقاسيم لكنه لم يتحرك قط بقيت عيناه مركزتان في عيني ..و باردتان منتظرتان ...
    _ لا أدري من أين جلبها , لكن...والدي لاحظها و أظنها كانت لزوجة أبيه بالتبني ..
    كنت أريد أن أشرح له أيضا أن السلسلة تبدو مألوفة بشكل ما لكنه قاطعني بفظاظة وبرودة : أخرجي ذلك الجرس...!
    حدقت به , قلت بتوتر : أي جرس ؟!.
    _ افعلي فقط ! , أني لا أملك النهار بطوله !!.
    أجابني بحده بالغة و عصبية , فرمقته بضيق شديد ثم هززت رأسي و أخرجت الجرس الصغير للغاية والناعم الفضي...
    حدق به بضيق واستنفار ثم حرك رأسه ولم يلمسه بل قال بصوت منخفض : أنه جزء من السلسلة ..لا انتبهي !!
    كنت على وشك أن أضعهما معاً السلسلة الناعمة والجرس لأن السلسلة ناعمة جدا ستدخل بحلقة الجرس الصغير...لكني فوجئت بقبضته قوية جداً وباردة أطبقت على معصمي بشدة آلمتني !!
    _ آآه , ماذا ؟!.
    قال بقسوة وهو يصر على أسنانه كي لا يرفع صوته : يالك من ! , لقد أخبرتك صباحاً بأنك بوابة للوحش و ها أنت على وشك وضع شيء ما خطير عليك . هل تحبين رؤية قدمك تتقطع ؟!.
    ترك يدي وكأنه مشمئز , ضممت يدي برقة أحاول تدفئتها بينما قلت منزعجة : أتعني بأن بي شيء شرير و هذا الجرس سيحاول اقتطاعه مني ؟!.
    _ ها أنت بدأتِ تفهمين !.
    قالها لكل سخرية وكأني شخص أخرق للغاية , هززت رأسي احاول التركيز ,قلت أهمس بيأس : و كيف الآن سأحمي نفسي .. كيف أتخلص من تلك العلامة مهما كانت في المقام الأول..!
    _ مادام هذين الشيئين منفصلين فهما يقومان بعملية تنبيهك لا حمايتك .. لكن لا تجميعهما معاً فستقلتين , أما بالنسبة للعلامة فهذه .. من وضعها وحده هو من يستطيع ازالتها ..!
    لم اقدر على التنفس لثوان , قلت بقلق : ذلك الشيء... لن .. يزيلها أليس كذلك ؟!.

    ردحذف
  2. _ ولمَ يفعل ؟! , أنت بوابة ممتازة له ..
    _ لا أحب نبرة السرور في صوتك !.
    ضاقت عيناه الرماديتان و هزأ قائلا : وأنا بدأت أندم على تحذريك من ذلك الجرس والسلسلة.
    رددت بحده : يلا الأسف ندمك متأخراً !.
    وافقني ببرود : لكن , رؤيتك تتقطعين أشلاءاً وسط ساحة المدرسة غير جيد على البشر هنا...!
    رفعت رأسي ببرود : تتحدث وكأنك لست بشرياً مثلهم !.
    ومضت عيناه بخطورة : ومن قال ؟!.
    خفق قلبي قلقاً .. ماذا يعني هذا ال... قلت بتردد : إذن لست... بشرياً حقاً... ولا... ليونـ...
    قاطعني بلا اهتمام : ليس تماماً بالنسبة لي , لكن ليو حالة أخرى...
    همست بقلق وعيناي متوسعة : وماذا تكونان ؟!.
    _ أنت لا تزالين في مرحلة أنكار لتلك الوحوش التي تزورك بسعادة , فكيف تردينني أن أخبرك , لن يعجبك هذا لكني لا أهتم في الواقع لما تظنين ..
    ضاق جبيني و حاولت قائلة : مصاص دماء مثلاً ؟!. مع أنني أظنك أسوأ...
    لمعت عيناه و مط شفتيه ليقول بهمس ناعم : هذا ليونارد ..بالطبع أنتِ عديمة الملاحظة , لكنك نلت نقطة على معرفتك لهذا الوجود !.
    فغرت فاهي , ياله من وضيع لا يفوت أي فرصة لأهانتي...
    قلت ببرود : مع هذا ليون أفضل منك , لا شك بأنك ابن الوحوش...
    ولينتي لم أنطق , لقد برقت عيناه ببرق ذهبي و اهتز جسده مع لفحة هواء جليدية ضربت وجهي .. شحب وجهه جداً وأبيض كالثلج بينما أحمرت شفتاه و قلبت عيناه بسرعة خاطفة للون الذهبي النارية المشتعل ..
    هب واقفاً فضممت نفسي بسرعة وكأنني خشيت أن يقطع رأسي .. هدر بحده لم أسمعها من قبل أبداً :
    _ لعلمك فقط ولأنارة عقلك الغبي !, أنا ولدت من أروع أبوين عرفهما كلا العالمين هنا.. لا يمكنك حتى أن تنعتهما بأي صفة قريبة من قلة الأحساس !...
    التف من الطاولة بسرعة و عنف ثم ذهب بعيداً بينما عبثت رياح باردة شديدة في الساحة جعلت الأشجار تتمايل و الطلبة القليلون يهرعون إلى الساحة الداخلية...
    كنت مصعوقة , مالذي جرى له بحق ال....!!
    هززت رأسي أحاول التفكير , هل يظنني أهنت أبويه ؟!. آه يالا الحماقة , كلانا أبله و غبي... أني أقصده هو فقط بالتشبيه , ما كان له أن يثير أعصابي هكذا .. لكني لم اتوقع أن يكون محباً لوالديه بهذه الشدة ..! كان علي أن أتعقل أكثر منه... لا يمكن أن يفقد كلانا صبره .. سأضع أعصابي في مياه باردة المرة القادمة .. أن لم يكن هو متعقلا أنا سأكون !.
    ساعدت نفسي بنفسي مجدداً و بصعوبة كي ارتقي الألواح و أدخل البناء , رأينني الفتيات "لونا" ذات الشعر القصير و "سيلا" ذات الشعر الأشقر , نظرن نحوي بقلق طفيف ثم ابتسمن وساعدنني في الوصول للصف التالي ..
    لم أرى ذلك المدعو "دانييل" كل اليوم و هذا حسن , أني حتى لست متأكدة بأنه يتظاهر بالدراسة لأجل حراستي كـ ليون .. ليونارد الذي قال أنه مصاص دماء .. بصراحة أنا لم أكون أي فكرة أو شكلاً معيناً في عقلي لهؤلاء ..!
    حسنا ربما فكرت بـ .. وحش ضخم شاحب اللون جداً رمادي ربما بأجنحة جلدية مخيفة و أنياب ظاهره .. وليس شاباً وسيم المظهر هادئ وحاد بنفس الوقت , مع هذا هو أفضل أخلاقاً من رفيقه .
    وفي نهاية اليوم , جاء والدي وكان يبدو شاحباً أكثر من العادة فخفق قلبي توتراً وقلقاً... قلت بهدوء وهو يساعدني على الجلوس في المقعد :
    _ أين جيني...؟!
    _ في المنزل , معها السيدة فرانس...
    عندما قال السيدة فرانس هل يقصد زوجة لوك الرقيقة , أم تلك العجوز التي لا تراني ؟!. لكن لا يهم كثيراً هذا .. ما يقلقني هو أبي , قلت مجدداً بتوتر : ماذا إذن ؟!.
    حدق بي قليلا ثم قال وهو ينطلق بالسيارة : لا أدري لقد اسيقظت جيني باكية لاكتشف أنها مصابة بالحمى .. أخذتها للمستشفى ليس بالشيء الخطير أنما فقط مجرد برد , أخذت بعض الادوية و عدت...
    شهقت بقلق حبيبتي جيني مريضة , قلت : آوه وكيف هي الآن ؟!.

    ردحذف
  3. تركتها نائمة و بصبحتها السيدة فرانس لقد تحسنت قليلا..
    كنت قلقة جداً وأصابني الرعب فجأة , ماذا لو لم تكن حمى عادية , ماذا لو أذاها شيء ما....! عندها ماذا سأفعل ؟!.
    رأيت وجه والدي قلقا جدا شاحباً وكأنه أصبح في الخمسين فجأة , فمسحت على يده برقة و اكتشفت بأن يدي كالثلج ..
    صفيت حنجرتي كي يخرج صوتي صافياً : ستكون بخير أبي...
    زفر ثم نظر نحوي وابتسم بعطف ولم ينطق بشيء , حتى توقفنا أمام المنزل , لكن والدي لم ينزل من السيارة بل بقي قليلا منتظراً ينظر خارجاً , عرفت بأنه يريد التحدث إلي... و بهذه الطريقة لا يبدو أن الحديث جيد !.
    التفت نحوي وقال بهدوء وعيناه الزرقاء لامعة بحزن : لقد وصلت... المربية أنها أخت لوك تدعى ليندا , وهي تعمل طبيبة أطفال لكنها تركت العمل و أتت هنا , هل يمكنك تخيل هذا ؟!.
    كان يتكلم بهدوء خافت شديد , يخفي عاصفة غضب رهيبة أعرفها ... كنت أنا أيضا مصدومة أنما ليس بهذا القدر لقد خفف غضبي أيضا من شدة الصدمة ...
    هززت رأسي و قلت بتماسك : لندخل أبي .
    خرج بخفه من الباب و جلب عربتي لكنه أخذها للداخل , فغرت فمي ... أبــــييي ><... !!
    أتى نحوي فقلت مسيطرة بصعوبة على أعصابي : أنت لا تفكر بأدخالي للمنزل محمولة هكذا !!.
    زم شفتيه ولم يأبه لي قال بهدوء : هيا كلآرا , أنهم في الأعلى سينزلون خلال دقائق...
    فحملني بخفه و أنا أسأل بتردد : عندما قلت أنهم ... من يكونوا ؟!.
    _ لوك هنا أيضا , والسيدة جورجيا لكنها قد غادرت قبل مجيئنا...
    حسنا ربما تلك العجوز اطمئنت على جيني و غادرت لا يهمها أيا منا الابنة الأخرى المقعدة و والدها البائس !. تضايقت من نفسي و من سوداوية أفكاري ..!
    أجلسني أبي على الأريكة و عندما هم بالخروج من الردهة , دخل لوك أعرف قامته الرشيقة كوالدي و من خلفه فتاة . لا بل شابة تكبرني بعشر سنوات ربما !!.
    كانت بشعر أشقر داكن وعينين واسعتين عسليتين , آه ربما كانت في السادسة و العشرين , عبست بشدة تبدو جميلة جداً و أصغر بكثير من عمرها , فكشرت بقوة و ألتمعت عيناي و أوشك على الأنفجار...
    نظر نحوي لوك و تبسم بقلق واضح , بينما بقي والدي واقفاً قربي ببرود يديه في جيبيه , وقفت الشابة بتوتر هي أيضا ببنطالها الجينز الجديد هذا و قميصها الذي يبدو ثمينا ><"...
    بدأ لوك الكلام بهدوء وتمالك : جيني بخير الآن , أنها نائمة , تحتاج لكثير من النوم...
    ثم نظر نحوي و تبسم قائلا : هاي كلآرا , كيف حالك عزيزتي ؟!.
    أومأت برأسي ولم ابتسم تماماً , مع أن لوك لا ذنب له , لاحظت نظرات المرأة الفضولية نحوي تتأملني بدقة ثم وقعت عيناها بعيني فضيقتهما بعبوس , ابتسمت لي بتوتر ثم تقدمت برشاقة احسدها .
    و صافحتني بحرارة وهي تقول بصوت ناعم : كلآرا الجميلة , مرحبا حبيبتي أنا ليندا . كيف حالك ؟!.
    توترت جداً , حسنا اعترف بأنها تبدو لي لطيفة لكن لنرى لاحقا....
    رددت بهدوء وبلا ابتسام : اهلا , أنا بخير...
    قال والدي فجأة ببرود : سأحضر الشاي .
    فقال لوك سريعاً : سأساعدك ...
    و خرجا معاً و أنا أحدق بهما برعب ... هييييه تركتماني مع هذه المرأة وحدي لماذا ؟

    ردحذف
  4. مرت ربع ساعة ولم ينزل أبي أو أره , هدر صوت الرعد بقوة قريباً جداً و اشتد المطر أكثر , قربت مقعدي كي أجلس عليه , لكن داهمني شعور مفاجئ و ألم رهيب في عظامي كلها و ساقي خاصة !!.
    انحنت و أنا اشهق وأضم نفسي ..وكأن كهرباء صعقتني فجأة , كتمت ألمي بصعوبة وشعرت بغثيان رهيب و كدت أخرج كل مافي جوفي على السجاد .. لكني تمالكت نفسي و ترنحنت يمنة و يسرة .. شعرت بيد تقبض على كتفي ..
    _ مالذي جرى ؟!.
    ما هذا الصوت لم أعرفه , لكن اليد الباردة ليست يد والدي .. رأيت بعيناي شيئا غريباً .. و لأول مرة ...
    ظلا غريباً ينحني فوقي ويرفعني عالياً بلطف , ثم وكأنه أحاطني بذاعيه محتضنا , كنت صغيرة الجسم جداً بالنسبة إليه .. بعدها انزلني و رأيت ظلال غرفة ما لم أعرفها...
    _ كلارا ؟!!!
    شهقت بقوة و التفتُ بعنف نحوه الصوت , كان أنفي على بعد سنتميتر واحد فقط من انفه , وعيون زرقاء فاتحة جداً متسعة في عيني المرعوبة ..
    آوه لا داع للخوف , أنه ليونارد ... ابتعد بسرعة عني , كان خلف الأريكة منحنِ نحوي , التفت و جاء يقف أمامي ..
    _ مالذي جرى لك ! , لقد اغشي عليك لثانية !!.
    حدقت به وأنا استرد أنفاسي.. رفعت حاجبي مصدومة , قلت بتردد : اغشي علي ؟!.
    طرف بعينيه بحده و تلفت حوله , كان يلبس ملابس جلدية سوداء , ويبدو كـ شاب عصابات . لكنه وسيم جداً..
    _ لقد زاغت عيناك و تشنج جسدك بشكل رهيب ثم اغشي عليك بين ذارعي بعدها افقت مرعوبة ! قلت أن الفتاة ماتت !!.
    لكن الألم في ساقي كلاهما لا يزال يسري , لم اقدر على تحريكهما قط , مالذي دهاني ؟!.
    قلت برجاء : ساعدني ارجوك .. لأجلس هنا .
    كنت أشعر بأن عيناي تدمعان لكني لن أبكي , رفعت بصري نحوه فتقدم مني بهدوء وقال هامساً : سأحملك ..

    ردحذف
  5. _ لـ....
    لم أكمل اعتراضي لأنه حملني حقاً و سار بي بهدوء , قلت بتوتر : لا ارجوك , احتاج أن أجهز ثيابي و أذهب للاستحمام !.
    رد ببرود : لا , يجب ان تتناولي الدواء أولاً ..ثم ترتاحي , الاستحمام سينتظر .
    نظرت الى الساعة ما أن انزلني فوق السرير و التفت حوله , كانت تشير الى الخامسة تماماً و الجو قد أظلم بشدة ..
    اختفى الشاب بسرعة من الباب ثم عاد بسرعة و وضع كرسيي قرب السرير , همس : والدك آتٍ ..
    سمعت صوت والدي ينادي بتوتر : كــلآرا ؟!..
    _ هنا أبي ! , بغرفتي...
    لا أدري أين اختفى ليونارد .. لكنه فعل هذا بسرعة تربكني , دخل والدي بسرعة أيضا و حدق بي بعيون قلقة ...
    _ حبيبتي ما بك ؟!.
    طرفت بعيني ببرائة : ماذا ؟!.
    اقترب مني و حدق بي جيداً , هو يشعر بشيء ما لكنه غير واثق .. مسح على شعري المتطاير الاشعث ثم على وجهي برقة ..
    _ أنتِ متجمدة كالصقيع , آوه يا صغيرتي سأجلب لك غطاء اضافياً .
    فتحت فمي لاعترض لكنه خرج سريعاً , آووف لمَ الناس يتحركون بسرعة دوما هكذا !! , وفكرت بـ ليونارد , ألم يكن خارجاً لمقابلة صديقته , لكنه عاد و هذا مريح يعني أن مقابلة ذلك المزاج الناري المخيف ستقل !. كننت معه ليوم واحد وكاد يصيبني الجنون !.
    جلب لي والدي الغطاء و جلس يتحدث معي قليلا على أمور غير هامة كـ عمله المكتبي العادي و عند كتب مفيدة في مكتبة جدي ثم قال بأن جيني تحسنت وهي تنام كثيراً , آوه افتقد صغيرتي المدللة ..!
    كنت أعلم بأنه يتجنب الحديث عن تلك المرأة , ما كان اسمها ؟!
    لكنها أقل همومي حقاً , لدي اشياء تفزعني و تشغلني طيلة حياتي المتبقية .. التي أشعر بأنها لن تكون طويلة...
    _ هل ستنامين الآن ؟!
    اجبت بطبيعية : سأقرأ كتاب ما و أظنني سأنام قريباً أجل .
    همهم بهدوء ثم نهض ليتمشى بغرفتي قليلاً توقف أمام النافذة و ظل يحدق بالظلام بصمت , سألني فجأة بهدوء :
    _ هل يعجبك هذا المكان ؟!.
    هل يعجبني أنه لا يعجبني قط ,, أني أكرهه جداً , أني أكرهه لحد أن...
    _ لا بأس به أبي .
    وجدت نفسي أكذب لأجله وابتسم بتردد , من الجيد انه التفت بالحظة المناسبة ولكنه لم يبتسم إنما التمعت عيناه ..
    اقترب مني و ضمني بحنان ثم قبل رأسي وهو يقول : فتاتي الصغيرة تحاول أن تكون قوية . لن أغضب أن قلت بأن المكان مقرف حبيبتي اتذكر انزعاجك في أول يوم .. أنا أيضا منزعج قليلا.. لكننا سنمضي...
    ضحكت بلا صوت رغما عني .. فأكمل وهو يعانقني : اشعر بأنك ستتحسنين بسرعة و سأفعل ما تريدين .. البقاء هنا أم الرحيل .. و ستختارين مدرستك بنفسك...
    آوه , هذا ما يفكر به !.. قلت ضاحكة : حسنا تذكر هذا عندما أسير على قدمي مجدداً ^^ .
    ضحك هو أيضا بمرح : آوه أجل ستفعلين.
    ...
    كان الطبيب لوك يتحدث بأمور تافهة غريبة وأنا أحدق به بتركيز وتعب و ملل .. مالذي يحاول قوله بالضبط !.
    كنت في موعدي معه بعد ثلاث أيام وقد قلت له بأن قدميّ كلاهما يقتلانني من الألم حتى المسكنات لا تنفع كثيراً , وأنا أخفي هذا عن والدي , لكنه اكتشف هذا و غضب ثم اتصل بـ لوك وقدم موعدي الذي يفترض به أن يكون بنهاية الاسبوع ..
    و هاهو يذهب مع ذلك الأخصائي و يتركني وحدي مع لـوك الذي اصبح ثرثاراً فجأة !!.
    و قلقاً أيضاً , جلب لي العصير و استئذنني قليلا ..بعدما خرج فكرت بأبي و جيني التي تركها مع ممرضات لطيفات بالحضانة ..
    دخل لوك بعد دقائق ولا يبدو سعيدا أبداً حتى بعدما ابتسم بتوتر .. خفق قلبي هناك شيء سيء بالطريق...><"...
    لم يجلس أمامي على المكتب بل ظل واقفاً الى جانبي قليلا ... رفعت رأسي إليه مستفسرة بقلق.
    _ كلارا , لقد ظهرت نتائج التحاليل والأشعة ..
    كان صوته دافئاً لكن البرودة اجتاحت جسدي , قلت قبل أن يكمل كلامه : خارج التوقعات !. أني أفهم إن كانت سيئة !.
    حدق بي مصدوما قليلاً هز رأسه وجاء ليجلس لكن بجانبي , بطريقة تشبه طريقة والدي قلقة يحاول حمايتي ربما...
    قال متردداً لكن مصراً : كلارا , أرجوك افهمي هذا , في عالم الطب....
    آوووه هاقد عاد للثرثرة مجدداً ... قلت بسرعة اطمئنه : يمكنك أخباري بأي شيء أنا بخير تماماً .. أعرف بأن التحاليل ليست جيدة ..
    تنهد و قال بأسى وهو يحدق بسقف الغرفة : حسنا .. أنها ليست جيدة , وهذا أمر يمكنك تخمينه أليس كذلك ؟!. لكن الأمر الآخر هو...

    ردحذف
  6. نظر في عيني وأكمل بنبرة حزينة : لن تتحسن قدمك مطلقاً كلارا .. أبداً .. لن تقدري على السير مجددا بطبيعية . أنا آسف جداً .. آسف حقاً لأن لا يداي هاتي ولا يدا الاخصائي لايت ولا الاستشاري الذي تحدثنا معه و لا غيرهم يقدر على اعادتها كما كانت .. تستطيعين السير بمساعدة عكاز فقط..
    حدقت به دون أن اتنفس .. اللعنة ! ...
    تباً مالذي سيحدث لـ والدي !!.. كان يشعر بالأمل أكثر مني... آه ه ه
    شعرت بسكين يقطع بأحشائي , ابتعلت لعابي و أنا أحدق بعيني الطبيب الحزينتين , قلت بهدوء : حـ...حسنا...!
    تبا صوتي يرتجف , آه أنها صدمة , ظننت بأني قادرة على التقبل... ظننت بأني .. سأتحسن يوما ما...
    لكن لا ... كل ظنوني خابـت .. و أملي الوحيد البائس , ظهر بأنه سراب لا أمل ...!
    _ كلارا ؟!.
    همس الطبيب بقلق , كان الغشاوة ابتعدت عن عيني و رأيته أمامي , قلت ببرود غريب : ماذا ؟!.
    كان قلقاً جداً , هز رأسه بشكل خفيف و قال بدفء مشجع : أنها تتحسن ببطء , لكن في النهاية تحتاجين لعكاز فقط للمساعدة على التوازن , الأعصاب ماتت تماماً لكن الأربطة تنمو و تتحسن وأنت شابة قوية , لا تتوقفي عن القتال أبداً , اتفقنا ؟.. لا للاستسلام ؟!.
    كان كلامه نصف مشجع نصف مُغضب ... قلت وأنا أحاول التنفس طبيعياً : وماذا لو... لو اردت الاستسلام , ماذا لو اردت التوقف عن القتال كما تقول .. ماذا لو أني سأعيش مع هذه الحقيقة لكني لن أكون راضية .. ماذا لو أردت أن أقفز على قدمي حتى لو تكسرت .. ماذا لو اصبحت عصبية جداً و أغضب و هكذا.. أسيء للناس و ألوم نفسي و أود لو أكون مجرمة و أكره الحيـ....
    اوقفني وهو يمسك بذراعي قائلا : توقفي كلارا... اهدئي .. اهدئي خذي نفساً...
    رددت بحده : لا أريد أخذ نفس , أرأيت لقد خابت كل آمال والدي بي... أنه يعاني لأجلي .. أنت لا تفهم .. ها أنا أخذله مجدداً... و مجدداً و... ومجـ...
    _ كلارا !!
    لم يكن هذا صوت الطبيب , بل....
    حدقت بالباب برعب , كان أبي واقفاً يحدق بي بصدمة ومن خلفه شخص ما ..
    شعرت بأن العالم يتحطم حولي كله !!!... لقد رأى والدي ضعفي وانهياري ... لقد تحطم كل شيء... تماسكي . درعي... كل شيء...
    كدت أبكي ... لكن لا أدري لم بردت عيناي فجأة و تسمرت...
    نهض لوك وقال لي وهو يمسك بيدي يشد عليها قليلا : لقد أخبر الدكتور لايت والدك , سأخرج قليلا الآن.
    صدمت وكدت اقول له لا تتركني هكذا مع أبي ...!! أني منهارة ويجب أن يغطي علي قليلا حتى لا يلاحظ أبي كل شيء...
    لكن فات الأوان !.
    كان الطبيب لايت هو من يقف خلف أبي و خرجوا جميعا مغلقين الباب خلفهم , بينما تقدم مني بهدوء ..
    قلت بسرعة قبل أن ينطق بشيء يقتلني : أسمع ! , هذا الوضع كل تافه !.. حقاً , بربك لا يوجد شيء أسوأ من هذا أليس كذلك , اعتقد بأننا وصلنا للحد الأقصى ! . هذه الحياة سخيفة , أعني ...
    وضحكت فجأة بصوت عالي لا اعرفه , أكملت وأنا أنظر لأي شيء غير وجه والدي :
    _ كل ما أقصده هو .. سأسير بثلاث سيقان بدل اثنان لما تبقى من حياتي , هذا ليس بتلك القضية الكبرى , هناك المئات غيري , مهما يكن , أنا غير مهتمة . لكني خيبت أملك بشكل فضيع للمرة الثانية .. لا أنا لست منهارة أبي لكني اتمنى لو كانت لديك آي ابنة غيري تستطيع أن تعتمد عليها و تحبها جيداً .. آوه ربما جيني رائعة بما يكفي .. أليست كذلك ؟!. أني اشعر بالسخافة حقا , كلامي أخرق لا أدري لم أثرثر الآن . لكن سامحني .. سامحني أرجوك.
    نظرت نحوه برعب وجسدي يتعرق ببروده , فوجئت بالصدمة والدموع اللامعة في عينيه الزرقاء الداكنة الرائعة ..
    قلت بخوف وأنا ابتلع دموعي : أبي ؟!.
    تغيرت نظرته للحدة ! , فقال بغضب وهو لا يزال واقفا أمامي : في الواقع نعم ثرثرتك خرقاء سخيفة ولا معنى لها ! , و تستمرين بهذا مع علمك بأنك فتاتي المفضلة وابنتي الأولى الثمينة ... لم أكن أظن بأن ردة فعلك للنتيجة غريبة و بلهاء بهذا الشكل ... لماذا تستمرين بالتقليل من شأنك و بأن نهاية العالم غداً...؟!

    ردحذف
  7. كدت أبكي من نبرته أكثر من كلامه .. فأنا لا اسمعه جيداً الآن .. قلت بصوت مبحوح : وآسفة لأن ردة فعلي غير طبيعية أيضا...!
    تأوه بغضب وهو يرفع رأسه عالياً : ياااارب ساعدني !!.
    تقدم مني وجلس بجانبي ثم أخذني بين ذراعيه كان يخفي عينيه عني .. من يرانا يظن بأنه هو المصاب لا أنا .. لا أدري من أين اتاني الجمود و البرود ....و الغباء هذا كله !!.
    _ حبيبتي الصغيرة الحمقاء .. أنا أحبك مهما حدث , وأنتِ لم تخيبي أمالي قط ! , أنا الذي اعطاك أملاً زائفاً اتذكرين حديثنا قبل أيام ... قلت بأنك ستسيرين مجدداً .. وشجعتك , لكني خذلتك . آسف صغيرتي .. أنا آسف...
    يالا الغباء كلانا يتعقد بأنه خذل الآخر ... لكن والدي لا ذنب له .. لا ذنب له بأي شيء من البداية ... وهو لا يستحق هذه المعاناة ... لقد عانى من قبل بما فيه الكفاية...!
    قلت بهمس : وأنا أحبك أبي , فقط .. لننسى الأمر...
    ضحك بحزن وابتعد قليلا عني ليقول بحنان وهو يمسح على وجهي : من أين جلبت كل هذه القوة ؟!.
    يظنني قوية ! وأنا أشعر بأنني اتفتت من الداخل ببطء و أتلاشى ...~
    _ لكني عند وعدي... سيبقى كما هو...
    حدقت به و قلت : وعد ماذا ...؟!
    ضاق جبينه و كلمني بجدية : أن كنت تريدين الرحيل فسنرحل و سنمكث بمكان تحبينه و سأجلب لك خادمة خاصة و ستدرسين بـ...
    قاطعته بضحكة متكسرة : لا أبي... لا أريد أن نرحل , ونبدأ من جديد برحلة آخرى للبحث لك عن وظيفة !.
    _ هاا أيتها الماكرة الخبيثة ! , هكذا إذن ...
    قرصني على أنفي بلطف فضحكت رغما عني , قال فجأة وهو يتأملني : .. لكانت والدتك فخورة بك , أنا أدرك بأنك قوية حبيبتي , لكن لهذه الدرجة .. لقد اذهلتني...
    تجاهلت كلمة قوية و قلت : وستفخر أيضاً بك ..
    جاء الطبيب لايت و لوك وحدثنا قليلا , بينما بقي لوك صامتا عابساً قليلا وغارقا بالأفكار .. آوه لا يمكن أن يشعر هو أيضا بالذنب...!
    قال لي الاخصائي بلطف بالغ ومرح رائع هو يسلمني باقة ورد بيضاء و زهرية رائعة و كبيرة
    _: هذه لأجلك اقتطفتها من حدائق الملكة أليزابيث منتصف الليل تحت ضوء قمر كامل لعلها تضاهيك جمالاً لكن لا جمال يضاهيك يا عزيزتي...
    و غمز لي مداعباً وهو يقول : ليتني اصغر بعشرين سنه هاها...
    فضحكت بشدة و كذلك والدي و لوك الذي جلب لي هدية أخرى أيضاً , في الواقع ثلاث هدايا , تحفة رائعة بشكل حورية على الصخور , و وشاح حريري , وساعة ثمينة !.
    وكذلك الممرضة اللطيفة جلبت لي هدية لوحة رائعة لبحر و شروق الشمس... أحببتها كثيراً.
    خجلت منهم جداً , كانوا يعلمون بالنتائج سابقاً و أظنهم جهزوا هذا لأجلي لعلي انهار و أبكي .. لكن كما يبدو لم يتوقع أحد ولا حتى أنا ردة فعلي البائسة تلك...
    رافقنا لوك للمنزل و كانت الساعة السابعة مساءاً .. وجيني قد عادت لطبيعتها المشعة الرائعة ..
    تركاني وجيني في الردهة و ذهبا ليعدا معا شيئا للعشاء ..

    ردحذف
  8. كدت أبكي من نبرته أكثر من كلامه .. فأنا لا اسمعه جيداً الآن .. قلت بصوت مبحوح : وآسفة لأن ردة فعلي غير طبيعية أيضا...!
    تأوه بغضب وهو يرفع رأسه عالياً : ياااارب ساعدني !!.
    تقدم مني وجلس بجانبي ثم أخذني بين ذراعيه كان يخفي عينيه عني .. من يرانا يظن بأنه هو المصاب لا أنا .. لا أدري من أين اتاني الجمود و البرود ....و الغباء هذا كله !!.
    _ حبيبتي الصغيرة الحمقاء .. أنا أحبك مهما حدث , وأنتِ لم تخيبي أمالي قط ! , أنا الذي اعطاك أملاً زائفاً اتذكرين حديثنا قبل أيام ... قلت بأنك ستسيرين مجدداً .. وشجعتك , لكني خذلتك . آسف صغيرتي .. أنا آسف...
    يالا الغباء كلانا يتعقد بأنه خذل الآخر ... لكن والدي لا ذنب له .. لا ذنب له بأي شيء من البداية ... وهو لا يستحق هذه المعاناة ... لقد عانى من قبل بما فيه الكفاية...!
    قلت بهمس : وأنا أحبك أبي , فقط .. لننسى الأمر...
    ضحك بحزن وابتعد قليلا عني ليقول بحنان وهو يمسح على وجهي : من أين جلبت كل هذه القوة ؟!.
    يظنني قوية ! وأنا أشعر بأنني اتفتت من الداخل ببطء و أتلاشى ...~
    _ لكني عند وعدي... سيبقى كما هو...
    حدقت به و قلت : وعد ماذا ...؟!
    ضاق جبينه و كلمني بجدية : أن كنت تريدين الرحيل فسنرحل و سنمكث بمكان تحبينه و سأجلب لك خادمة خاصة و ستدرسين بـ...
    قاطعته بضحكة متكسرة : لا أبي... لا أريد أن نرحل , ونبدأ من جديد برحلة آخرى للبحث لك عن وظيفة !.
    _ هاا أيتها الماكرة الخبيثة ! , هكذا إذن ...
    قرصني على أنفي بلطف فضحكت رغما عني , قال فجأة وهو يتأملني : .. لكانت والدتك فخورة بك , أنا أدرك بأنك قوية حبيبتي , لكن لهذه الدرجة .. لقد اذهلتني...
    تجاهلت كلمة قوية و قلت : وستفخر أيضاً بك ..
    جاء الطبيب لايت و لوك وحدثنا قليلا , بينما بقي لوك صامتا عابساً قليلا وغارقا بالأفكار .. آوه لا يمكن أن يشعر هو أيضا بالذنب...!
    قال لي الاخصائي بلطف بالغ ومرح رائع هو يسلمني باقة ورد بيضاء و زهرية رائعة و كبيرة
    _: هذه لأجلك اقتطفتها من حدائق الملكة أليزابيث منتصف الليل تحت ضوء قمر كامل لعلها تضاهيك جمالاً لكن لا جمال يضاهيك يا عزيزتي...
    و غمز لي مداعباً وهو يقول : ليتني اصغر بعشرين سنه هاها...
    فضحكت بشدة و كذلك والدي و لوك الذي جلب لي هدية أخرى أيضاً , في الواقع ثلاث هدايا , تحفة رائعة بشكل حورية على الصخور , و وشاح حريري , وساعة ثمينة !.
    وكذلك الممرضة اللطيفة جلبت لي هدية لوحة رائعة لبحر و شروق الشمس... أحببتها كثيراً.
    خجلت منهم جداً , كانوا يعلمون بالنتائج سابقاً و أظنهم جهزوا هذا لأجلي لعلي انهار و أبكي .. لكن كما يبدو لم يتوقع أحد ولا حتى أنا ردة فعلي البائسة تلك...
    رافقنا لوك للمنزل و كانت الساعة السابعة مساءاً .. وجيني قد عادت لطبيعتها المشعة الرائعة ..
    تركاني وجيني في الردهة و ذهبا ليعدا معا شيئا للعشاء ..

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من أنت +18 ؟ للكاتبة / sweet-smile مكتملة

قربان