رواية الملعونة مكتملة

رواية رومانسية جريئة

أتمنى تعجبكم


البداية


تشابة الأسماء والأحداث بالواقع مجرد صدفة ، قد تعني كل شيء ، وقد لا تعني شيئا .
لذا لا تبحثوا عن الواقع في الخيال .



الملعونة بقلم الكاتبة سعودية أميرة المضحي



%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%


جريدة اليوم 


همسات من قلبي 
...........................

عيني لم تنساك بعد ...وقلبي لم ينساك بعد 
مازلت محفورا على عمري
مازلت مزروعا على جفني 
تشبه الريحان والياسمين 
وأشجار العنب والتين 
جميل .. طاهر.. وشهي 
مازال أسمك مكتوب على جبيني 
ومرسوم بالوشم على كتفي 
وقلبك ينبض في قلبي ورائحتك تعطرني 
يا رجلا يسكن في قلبي ..

كاميليا الناصر
هذه الرسالة الأولى .. والبقية تأتي
......................................... 



الفصل الأول

بلع ريقه .. ورجفة عنيفة تجتاح قلبه وهو يسترق السمع لكلامها وشكواها بعد منتصف الليل ، صوتها يشبه خرير الماء في ينبوع صب في قلبه مباشرة .
كيف يكون للصوت تأثير على قلب الإنسان وروحه و جسده .
شعر بأنه سيغمى عليه وهي تقول بصوتها الرقيق :
- أريده قريب منا ويستمع لمشاكلنا .. هو مشغول باستمرار ولا يريدنا أن نزعجه .. قليل الكلام ولا يتحدث معنا إلا في الأمور التي تهمه .. وبرغم انشغاله في عمله إلا أن سلطته وقسوته لا تفارقنا .. وقوانينه يريدها قائمة دون الالتفات لنا .

تجمدت يده وأحس بنبضات قلبه تتسارع ، وسأل نفسه (من تكون هذه الشاكية في ساعات الفجر الأولى ؟).
تردد أمام كلمات صاحبة الصوت الرقيق . هل يستمع أكثر ، أم يغلق السماعة وكأنه لم يسمع شيئا . أحس بضرورة إغلاق السماعة فورا فالحديث يبدو خاصا والاستماع له ليس أخلاقيا ويتعارض مع مبادئه . وعندما أراد ذلك جاء صوتها من جديد ، وقالت بعد تنهيدة عميقة:

_ أمره يحيرني فهو يلبي لنا حاجتنا دائما ويوفر لنا كل ما نريد .. نعيش برفاهية تحسدنا عليها الكثيرات .. أنا لا أفهم والدي .. هو غاضب وعنيد معظم الوقت .. عنفني بصوته المرتفع وصراخه وهددني بالضرب لو اتصلت ب"ناهد" .. منذ أن بدأت بالكتابة في الجريدة ونشرت اسمها ووالدي جن جنونه .. يقول بأنها ثورية ومتمردة وتفتعل أزمة للسعوديات .

- أقطعي علاقتك بها .


أطلقت من قلبها آهة حزينة وقالت :
- لا أستطيع .. هي قادرة دائما على احتوائي ولا أتردد أبدا في إخبارها أي شيء وبرغم السنوات الست التي تفصلنا إلا إننا صديقتين حميمتين .. هي كاتبة مثقفة و محترمة ولها عدد من القصص و الكتب التي تجمع فيها مقالاتها .. هي بعيدة عن التهم التي يلصقها والدي بها .. ولا تعمل على سلخ الفتاة السعودية من جلدها كما يقول .. يريدها أن تكتب في الدين والحجاب و الشجرة و أسبوع المرور .. يريدني أن أقطع علاقتي بها لأنها اختارت العيش بكرامة بعيدا عن زوجها وذنبها الوحيد أنها كاتبة و مطلقة .

أغلق "عماد" سماعة الهاتف ببطء وراح يسترجع كلمات صاحبة الصوت الرقيق ، صوتها كعزف ناي شجي تغلغل في أعماق روحه . فكر من تكون ؟ .. لابد أنها مقربة جدا لأخته "نسرين" لتبثها أمورا خاصة وعائلية وتشتكي لها من سلطة والدها .

فتح نافذة غرفته المطلة على الكورنيش ، وبقي للحظات يراقب سيارات المارة مازالت الحركة مستمرة ونشطة في مدينة القطيف والسيارات تتحرك في جميع الاتجاهات أغمض عينيه وفي لحظة قرر الخروج من المنزل في هذا الوقت نزل بسرعة وقطع الشارع ليلاقي البحر في الليل شعر بإحساس غريب وهو يخلع حذائه وماء البحر يغسل قدميه ، والهواء الحار يداعب قسمات وجهه ويحرك خصلات شعره الأسود الناعم
تنهد وأغمض عينيه وأستنشق الهواء بعمق وهو يسترجع كلمات صاحبة الصوت الرقيق وعقله يحاول كشف هويتها ، هي صديقة لنسرين ولابنة عمه "أمل" أيضا لأن صداقتهما مشتركة ، وهما تتحدثان عن صديقاتهن دائما هناك "كاميليا" صديقتهما من الطفولة ، و"سماح" التي تعرفنا عليها في المرحلة الثانوية ، وهناك شقيقة خطيبته السابقة ولكن العلاقة بينهما انتهت بعد أن فسخ الخطوبة قبل ثلاث سنوات وأصبح في هذه الحالة من ضجر والوحدة .فبقدر ما انجذب ل "سوسن" بشدة عندما رآها أول مرة بقدر ما كرهها عندما أصبحت خطيبته . كان يشعر بالسوء من تلك المرحلة وخصوصا عندما اتهمه صديقه "ماجد" بالاستهتار وهو بعيد عنه كليا، فلطالما كان جادا ورصينا إلا أنه لم يستطيع أن يستمر مع سوسن أكثر من شهر ، فتح عينيه على صوت بوق سيارة مارة في الشارع وتمنى لو يصرخ بقوة تعادل صوته فربما يستيقظ فيه شيء ما ويغير حياته الرتيبة.


عاد لمنزلة والأثر الذي تركته فيه صاحبة الصوت الرقيق يحيره ، يا لهذه الفيزياء اللعينة ، ما الذي أحدثه فيه ولماذا أحب صوتها ؟. 
كان لرنين صوتها أثرا في رو حه ولا يعرف لماذا تخيل وجه ماجد يقول له بيت من الشعر الشهير ( يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا ). العشق مرة واحدة ، وهو أعلى درجات الحب وأخطرها ، ومن أين سيأتيه الحب وهو منطوي على نفسه وسأل نفسه لماذا لم يدق قلبه لأحد بعد ؟. 
لو كان تزوج بطريقة تقليدية 
فربما يشعر بالسعادة مع امرأة ما كان مدركا ومقتنعا
في قراره نفسه بأن الوقت قد حان ليلقي بنفسه بين يدي امرأة تحتويه وتحبه لذاته فقط، وإن كان لا يعترف بذلك علنا فكر في حياته فهو أحد أبناء عائلة عريقة ومعروفة بالتجارة والمال والثراء أبا عن الجد يعيش في فيلا فخمة وكبيرة في حي "المجيدية"، ويمتلك أحداث السيارات التي يسعى لتبديلها سنويا للمحافظة على وجاهة العائلة كما تطلب منه أمه ذلك يحسده الكل على ما يملك ، رغم كونه لا يملك صديقا يستطيع الاتصال به في منتصف الليل.
******* 
أشعل الضوء الخافت واستلقى على سريره وتدثر بلحافه الفاخر وراح ينظر لغرفته تحت ظلال الضوء الصفر الخفيف الذي يضفي جوا من الدفء على الغرفة الواسعة و الجميلة بأثاث خشبي وطلاء جدار أصفر دافئ وستائر مخملية داكنة ، وجميع مستلزمات الرفاهية فيها ، ولكنها لا تهمه مادام لا يشعر بالسعادة ، تنهد وسرعان ما نهض بسرعة ووضع في مشغل الأقراص أسطوانة لجارة القمر ، وبدأ صوتها يشيع في أرجاء الغرفة ..

"تسأل علي كتير وبتحبني 
بعرف هالحكي.. حافظة هالحكي
كل الحكي حلو .. ومع إنه حلو 
ليش بيضلو إحساس يقلي لا 
في شيء بدو يصير .. في شيء عم بيصير " 


استلقى على السرير لكن عينيه لم تغمضان . أحس بأنه في حاجة لشيء ما ، فهذه الليلة ليست ككل الليلة ، هناك شيء ما يشعر به وقلبه يدق بإيقاع جديد ومختلف . شعر بالحاجة للحديث مع أحد ، من يسمعه في هذا الوقت المتأخر ؟ لمن يشكو ولمن يتحدث ؟ فكر بأخته الكبرى "ندى" ..لابد أنها نائمة بجانب زوجها . كم كنا صديقين وشقيين وكثيري الشجار لكنهما يتصالحان بسرعة .
وكثيرا ما يجعلان أمهما تفقد أعصابها بسبب شجاراتهما الدائمة ، ورغم ذلك كان كل واحد منهما داعم للآخر ومحامي عنه أمام والديهما . مازال يتذكر الضرب بالحذاء بحذائها وكانت المرة الوحيدة التي يتذكر فيها بأنها ضربته ، أما أبوه فلم يمد يده عليه هو وأخواته أبدا.

تذكر شقيقه "علاء" الشعلة المشعة بالسعادة و التفاؤل والحيوية والذي يشكل معه ثنائيا أخويا رائعا انطفأ قبل عشر سنوات وبسرعة كبيرة تنقلت الصور في رأسه لتعيد أمام عينيه صورة علاء وهو جثة هامدة بلا حراك والدم يغطي رأسه ووجهه بعد أن انتشله بنفسه من بين يدي زميله الذي تشاجر معه وأرداه قتيلا أمام باب منزلهم القديم في "القلعة" شعر بالأسى وهو يتذكر بكاء أمه كلما دخلت ترتب غرفته التي أصرت على إعدادها له في المنزل الجديد بعد وفاته بأشهر.
********************************
أستيقظ صباحا على صوت المنبه . غسل وجهه وحلق ذقنه ،وارتدى ملابسه الأنيقة. بذلة كحلية اللون وقميص أبيض وربطة عنق بألوان مبهجة ، وقف أمام المرآة ووضع القليل من العطر وابتسم عندما تذكر صديقه الذي يتهمه بالبعد عن التقاليد ، ابتداء باللباس والناهية لا يعرفها .
كان صاحبه يحاول إقناعه باستمرار بلبس الثوب والغترة التقليدية ، ويجيبه دائما بأنه يرتدي ما يعجبه ويناسبه ، لا ما يرضي الناس وتراث البلد . أغمض عينيه فجأة وهو يستحضر كلمات صاحبة الصوت الرقيق ، وعاود تلاوة الأفكار نفسها في رأسه وهو يفكر بصديقات أخته . 
شارك والديه تناول الإفطار وأكل التوست المحمصة بالزبدة التي أعدتها له أمه وهي تتحلطم من عدم جدية نسرين في المذاكرة ورغبتها الفاترة بالالتحاق بكلية الطب أكدت على زوجها الصامت للمرة الألف ضرورة البحث عن واسطة جيدة ليقوم باللازم ، وأنهت كلامها له ببعض الاتهامات الضمنية باللامبالاة والانشغال عن البيت وعدم الاهتمام بدارسة ابنته. ظل والده صامتا واكتفى بنظرة حياديه . هو هادئ وصامت ، ترك قيادة دفة الأسرة لزوجته التي تتهمه بالسلبية ولا تجرؤ أن تقول بأن شخصيته ضعيفة أمام شخصيتها .


أخذ حقيبته وخرج متجها إلى الشركة . شركة "الغانم" للأسمنت ومواد البناء والخرسانة الجاهزة التي أسسها والده وعمه سويا بجدهما وكدهما حتى كونا اسما قويا في سوق المحلية ، وكونا ثروة مالية يعتزان بها من الشركة والمصنع التابع لها ، إضافة إلى محطات البنزين التي يمتلكونها . كان يرغب بدراسة إدارة الأعمال في كاليفورنيا ولكن والده لم يحبذ ذلك بعد وفاة علاء ، فوافقه ودرس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالرغم من اعتراض أمه ، وبعد تخرجه من كلية الإدارة أستلم إدارة الشركة يدا بيد مع ابن عمه وزوج أخته فيصل ، وتفرغ والده وعمه للعمل سويا في الاستثمار بجميع مجالاته تاركين إدارة الشركة للشابين الطموحين ليكملا المسيرة . قاد سيارته وهو يستمع لأغنية السيدة فيروز ..

"كنا نتلاقى من عشية
ونقعد على الجسر العتيق
وتنزل على السهل الضباب
تمحي المدى وتحمي الطريق 
ما حدا يعرف بمطرحنا
غير السماء وورق تشرين.."


كان يحب فيروز وأغانيها وصوته وشموخها ، ويردد دائما بان الغناء مباح لها فقط وحرامه على الجميع ، ويحتفظ بجميع أسطوانتها وأشرطتها يستمع لها في السيارة والمنزل . لم يكن يستمع لأي مطربة أخرى ودائما يردد بأنها مطربة النخبة ولعامة الناس مطربيهم ، فالطبقية موجودة في كل شيء حتى في الغناء والموسيقى . لم يكن مؤمنا خالصا بالطبقية الاجتماعية رغم اعترافه بها ، وربما اعترافه ناتج من كونه ولد لعائله عريقة من عائلات القلعة القطيفية ساهمت أمه في جعلها مميزه اجتماعيا

تعليقات

  1. الفصل الثاني


    تمددت كاميليا على سريرها وهي تفكر بما حدث في منزل صديقتها وتشعر بالندم لما قالته عن شقيقها . لم تتخيل أن عفويتها قد توقعها يوما بمشكلة مع نسرين التي ظلت منزعجة برغم ما كان في جلستهما من ضحك ورقص وغناء .أحست بالضيق الشديد وتنهدت عينيها العسليتين بالدموع وسال خط الكحل الملازم لعينيها وهي تسترجع نظرات عماد لها .
    نظراته كانت غريبة وكأنه يريد أن يعريها من ملابسها وأقنعتها ويرى جوهر حقيقتها . قضت وقتها وهي على سريرها بعباءتها وحقيبة يدها .
    جاءت أختها "شذى" التي تصغرها بعام واحد . جلست بجانبها واندهشت عندما وجدتها مغمضة العينين والدموع تسيل على خديها ممتزجة بالكحل الأسود . سألتها بقلق عما حدث ، ففتحت عينيها ومسحت دموعها بطرف إصبعها وراحت تخبرها بما حدث.


    ذهبت مع صديقاتها إلى منزل أمل وهناك قابلت عماد شقيق نسرين الذي لم تره منذ فترة طويلة .تنبهت لوجوده ، وخصها بنظرات ملفتة وغريبة . التقت عينيها بعينيه السوداويين وأفترسها من أعلى رأسها مبتدءا بعينيها العسليتين وحتى أسفل قدميها غير آبه بوجود أحد .
    -شعرت بالانزعاج وأخبرت الجميع بذلك إلا أن أمل ونسرين دافعتا
    عنه ..و..


    توقفت عن الكلام ودموعها تخنقها . مسحتها بيديها وأكملت تخبر أختها بردة فعل نسرين التي تضايقت منها وأصبح الجو متوترا برغم محاولات سماح وأمل جعل الأمور طبيعية.وبختها أختها من تبعات لسانها الفلتان ، فأغمضت عينيها وهي تشعر بشيء ما فد حصل لها من جراء نظراته القوية . أحست بأن نظراته وعينيه السوداويين أفقدتها صوابها . عينيه اخترقتاها وأشعرتها بالدوار ، فلم تكن نظراته عابرة . كانت مليئة بالفضول والرغبة وأشياء لا تعرفها ، ومازال رأسها يدور كلما تذكرت كيف نظر لها بعمق وكأنه يستشفها من الداخل.


    جلست على مكتبها وهي تعيد رسم صورته أمام عينيها.
    وسيم وشعره الأسود مصفف بطريقة أنيقة ، عينيه سوداويين وغامضتين وساحرتين وحاجبيه طويلين وكثيفين وشاربه محفوف بأناقة.كانت دائما تراه رجلا وهي طفلة لكنها لم تعد تلك الطفلة أو الفتاة الصغيرة .
    وضعت شريط " نجوى كرم " في مسجلتها..


    "عم بيقولوا إنو غيابك قادر إنو يتعبني
    صحح معلومات أصحابك غيابك بدو يموتني"

    ونجوى تختم أغنيتها تنهدت كاميليا وهي تفكر بنسرين الغاضبة ، وقررت أن تتصل بها وتعتذر لها . ستخبرها بأنها لا تقصد الإساءة لأخيها ولكنها تكلمت بعفوية وصراحة دون نية سيئة . أمسكت بهاتفها واتصلت بها فلم تجبها ، شعرت بالأسف لما قالته عن عماد فهي لا تريد أن تتأثر صداقتهما.


    قضت وقتها في الحديث مع أختها عن القليل الذي تعرفانه عن عماد ولا تعرف لماذا أصبحت فجأة تتوق للحديث عنه وتذكر كل صوره القديمة في ذاكرتها.فكرت به ، لماذا نظر إليها بهذه الطريقة فهي ليست المرة الأولى التي يراها فيها . رآها قبلا مرات عديدة ، وهو يعرفها وكثيرا ما ركبت معه في سيارته وأوصلها مع نسرين إلى منزل أمل,وأصطحبها مرة إلى المدرسة المتوسطة ليحضرن شهادتهن عندما تخرجن.
    كما إنها ركبت معه بصحبة خطيبته السابقة الذي أقيمت حفلة خطوبتهما بعد امتحانات العام الدراسي الأول في المرحلة الثانوية.
    يومها ظلت تراقب لحظات السكوت بينهما واستغربت رؤيتها لخطيبين مغلفان بالصمت . هي مازالت تتذكر يوم خطوبتهما , ذهبت مع نسرين وأمل لمركز التجميل وقمن ثلاثتهن بحف حواجبهن لأول مرة.ذهبت لمنزل خطيبته السابقة ورقصت مع صديقاتها على أنغام الموسيقى الصاخبة .
    وهو يعرفها فلماذا لم يهتم بالنظر إليها بهذه الطريقة قبلا , وهل كانت في نظره طفلة.


    تذكرت عينيه ونظراته ، لم تكن عابرة ، أو نهمة كالتي تجدها في عيون الشباب الجائعة. كانت معتادة على مضايفة الشباب لها ولصديقاتها في الأسواق و الأماكن العامة ، يلاحقونهم ويرمون الأوراق الصغيرة المحتوية على أرقام هواتفهم .أو يتبعونهم وهن يسرن في الشارع مع السائق ولم يؤثر بها ذلك ، لكن عماد كان مختلفا فنظراته القوية اخترقت قلبها المحصن وجعلتها تذرف الدموع وتفكر به وبنظراته طوال الليل .

    ردحذف
  2. كانت أقلهن جرأة وعندما ذهبت مرة مع سماح إلى أحد المجمعات ولحق بهما شابان من محل لآخر ، وطلبت سماح لهما رجال الأمن من داخل المحل وجاءوا واقتادهما إلى مقر الشرطة في المجمع.خافت جدا عندما طلب منهما رجل الأمن التوقيع على بعض الأوراق من أجل استكمال التحقيق معهما رسميا وإيصال الأمر لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرفضت خوفا من والدها لو بلغه الأمر وخوفا من رجال الهيئة

    أشعلت شمعة معطرة وهي تفكر ولم تشعر بالراحة إلا بعد أن اتصلت بنسرين واعتذرت منها .
    لم تكن نسرين غاضبة بقدر ما كانت مندهشة فشقيقها يمثل لها قيمة وأمثولة خاصة ولا تستطيع إساءة التفكير به ولو بشيء بسيط .ولهذا انتظرت عودته للمنزل وتحدثت معه واستفزته عندما شبهت نظراته بنظرات الذئاب الذين يرتادون الأسواق والمجمعات بحثا عن الفتيات .
    صوب عليها عينيه السوداويين وأعلن لها البراءة من جهل الشباب وسطحيته ، ودافع عن نفسه فهو صاحب روح وقلب وعقل ومبادئ مطبوعة بفكر وثقافة خاصة كونها بنفسه.


    ظلت كاميليا تتقلب في فراشها تفكر بعماد ونظراته الساحرة ، ولا تعلم بأنه يتقلب في فراشة أيضا ويفكر بها .
    احتلت تفكيره منذ أن سمع صوتها عبر الهاتف تلك الليلة بالصدفة وأطلق عليها صاحبة الصوت الرقيق .
    بذل جهدا ليكشف هويتها وعندما عرفها ذهب متعمدا لبيت عمه ليراها ويرى كيف أصبحت بعد سنوات ، ومنذ أن رآها وصورتها لا تفارق خياله .
    يتذكرها وهي تدخل أمامهمن باب منزل عمه ، وكم هي جميلة وحبة الخال مستقرة بهدوء وسعادة في زاوية فمها.. وعينيها الذابحتين ..وبشرتها المشرقة البراقة بسمرة شفافة .
    ظل يفكر بتلك الفتاة الصغيرة التي كبرت فجأة وبدت أجمل .
    لم يكن قادرا على النوم بعد أن رآها ، كانت مختلفة عن الصورة التي رسمها لها في مخيلته معتمدا على صورتها وصورة قديمة يحتفظ بها في ذاكرته .
    لم يعرف لماذا أحس بأن قلبه سيخرج من صدره عندما رآها .
    &&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

    ردحذف
  3. الفصل الثالث



    " أخر أيام الصيفية والصبية شوية شوية وصلت ع ساحة ميس الريم وانقطعت فيها العربية
    أخر أيام المشاوير في غيمة زرقة وبرد كتير
    وحدي منسية بساحة رمادية أنا والليل وغنية
    تأخرنا وشو طالع بالإيد حبيبي وسبقتنا المواعيد
    أنا لو فيي زورك بعيني وعمرها ما تمشي العربية "


    أوقف سيارته في حديقة منزلهم الكبيرة وظل ينتظر انتهاء الأغنية حتى يترجل فهو لا يحب أن ينقطع صوت فيروز . كان ينوي شرب كوب من الشاي وأخذ الأوراق التي يحتاجها قبل الذهاب إلى البنك . لكن لقاءه بنسرين عند البوابة غير مساره . نزع نظارته الشمسية عن عينيه وسألها :
    - إلى أين تذهبين ؟

    أخبرته بأنها تريد الذهاب لمنزل كاميليا لأخذ بعض الأوراق المهمة في الفيزياء ونسخها في القرطاسية ، فابتسمت عينيه فهذه فرصة جيدة لرؤية كاميليا أو لسماع خبر عنها . طلب منها أن تركب معه ليوصلها بنفسه لكنها رفضت فهي ستذهب إلى محل الأشرطة الغنائية مع صديقتها في "سوق مياس" ابتلع ريقه قبل أن يبدأ في الكذب وقال :
    _ سيذهب السائق إلى المطبعة ليحضر أوراقا خاصة بي ولن يعود قبل ساعة .

    ركبت نسرين بجانب أخيها الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا لم تفهم مغزاها وهو يستمع لصوت فيروز . كان سعيدا فالفرصة مواتية لرؤيتها من جديد وبدون أن يتدخل كما فعل في منزل عمه .


    توقف أمام منزل كاميليا بواجهته الحجرية الأنيقة في حي "الخامسة" وقلبه يرقص فرحا . ظل ينتظر ظهورها وأثناء إغماض جفنيه خرجت من باب المنزل هي تمسك بحقيبتها . اقتربت من السيارة بتردد فالسيارة التي أمامها ليست سيارة السائق ، والجالس أما المقود هو عماد بكل جاذبيته ورجولته. أحست بقلبها يرتعش بين أضلاعها وقدميها ثقيلتين ولا تستطيع تحريكهما ونسرين تلوح لها بيدها . بقيت ساكنة وعماد يترجل من سيارته ويفتح لها الباب الخلفي بكل احترام . تفادت النظر إليه وركبت ، فحرك السيارة وهو يستمع بإصغاء شديد للحديث الدائر بين أخته وبينها ، قالت نسرين :
    - أين الأوراق ؟ أريد رؤيتهم .

    أخرجت كاميليا الأوراق من حقيبتها وأعطتها لنسرين وعبر مرآة السيارة التقت عينيها العسليتين بعيني عماد السوداويين ، فأشاحت وجهها عنه وهي تشعر بالدوار من عمق نظراته وعينيه اللتين جعلتاها تسرح وتفكر دونما سبب ، وسألتها نسرين :
    - هل ستذكرين اليوم ؟
    رطبت شفتيها بلسانها وقالت :
    - اليوم الأربعاء وأنا أريد أن أرتاح بعد أسبوع شاق من المذاكرة و الامتحانات لذا سأنام الليلة مبكرا وغدا أذاكر.

    سكتت كاميليا وهي تفكر .. لماذا يرتعش قلبها ويخفق بهذه الطريقة ؟.
    ماذا حدث لهذا القلب الصغير عند رأته وهي تشعر بأن دنيا جميلة وخاصة جمعتها مع عماد لدقائق. ما هذا الشعور والانجذاب له ؟ كانت خائفة ودقات قلبها تزيد النار اضطراما في قلبها الذي صانته دائما وعينت عينيها حارسين مكلفين بحراسته حتى لا يستسلم لأحد بسهولة ونصبت عقلها حاكما يطيعه القلب والعينين . ولكن أين هي هذه السلطة القوية.

    ردحذف
  4. لم تكن موجودة وهي تسترق النظر لعماد بين لحظة وأخرى وتتذكر كلام معلمة الدين وهي تحذرهن من النظر المباشر للرجل الأجنبي فهي تسبب الفتنة ، وأي رجل تنظر إليه الآن . انه عماد الذي لم يكن يعني لها شيئا في الماضي ، والذي حضرت حفلة خطوبته ورقصت مشاركة نسرين فرحتها ، وشاركتها دموعها عندما قرر الانفصال عن سوسن . ظلت ساكتة في السيارة البادرة وصوت فيروز يعطي دفئا وحياة ..

    "كان الزمان وكان في دكانة بالفي
    وبنيات وصبيان نيجي نلعب عالمي
    يبقى حنا السكران قاعد خلف الدكان
    يغني وتحزن بنت الجيران
    أوعي تنسيني وتذكري حن السكران"

    أوقف عماد سيارته أمام المكتبة الذهبية وأعطته نسرين الأوراق وطلبت منه أن ينسخها لها ولأمل ولسماح . وعندما ترجل من السيارة قالت كاميليا لصديقتها موبخة :
    - لماذا لم تخبرني بأنك ستأتي مع شقيقك ؟ .. أنت تحرجينني.
    استدارت نسرين إلى الخلف وقالت :
    - لقد أرسل السائق إلى المطبعة .. لذا اصطحبني هو.

    جاء عماد وأعطى أخته الأوراق وطلبت منه التوجه إلى سوق مياس ، قلب القطيف التجاري ، ففيه البنوك ومحلات الصاغة (بائعو الذهب) ، والأجهزة الالكترونية والأزياء والأقمشة والعطور والتجميل والساعات . هز رأسه موافقا وعينيه في المرآة تراقب كاميليا التي تتحاشاه وتنظر إلى الشارع. تنهدت بقوة وهي تشعر بأنها خائرة القوى وسيغمى عليها وتترجاه في سرها بان يتوقف عن النظر إليها بعينيه القاتلتين .أوقف سيارته في المواقف وذهبت أخته وصديقتها لشراء شريط "نجوى كرم " الجديد وظل هو يراقب الناس. النساء المتشحات بالسواد يخرجن من محل ويدخلن آخر ، بعضهن يقف أمام البسطات التي تبيع البخور والعطور المقلدة , وبعضهن في سوق "أم عشرة" حيث كل شيء يباع بعشرة ريالات , وعدد من فتيات يقفن أمام نافذة محل الأشرطة الغنائية حيث دخولهن ممنوع , والأكثرية يدخلن المجمع التجاري القريب . ظل يراقب الناس وكأنه يزور المكان لأول مرة ,وأنهى تأملاته عندما جاءت أخته و كاميليا وركبتا السيارة متوجهين لمنزل سماح وهما تناقشان أغاني "نجوى" الجديدة.

    ظلت كاميليا تنظر إليه من العين الزجاجية في الباب حتى اختفى من أمام عينيها وقلبها يخفق بقوة . أسرعت تصعد الدرج لتخبر أختها شذى بما حدث، والسعادة المختلطة بأحاسيس كثيرة ظاهرة على محياها ، بدت مرتبكة وسعيدة وخائفة ، وفي الصالة العلوية التقت بوالدها يخرج من غرفته وبيده بعض الأوراق وما أن رآها حتى سألها بوجهه العابس :
    - هل نسخت الأوراق التي تريدينها ؟
    هزت رأسها إيجابا، فسألها :
    - ومع من ذهبت؟
    -مع نسرين.
    وسألت والدها:
    -ومتى سيأتي سائقنا ؟.. سافر منذ أكثر من شهر ولم يعد بعد .
    زم شفتيه وطلب منها أن تتدبر أمورها مع صديقتها وهو سيستمر باصطحابها مع أختها للمدرسة وختم حديثه :
    - نحن نعيش في عوز بسبب سفر السائق المفاجئ .. ماتت أمه وتورطنا لا أعرف متى سيسمحون لكن بالقيادة لنرتاح ونتفرغ لأعمالنا .
    سألته باستغراب :
    - وهل ستوافق ؟
    - نحن البلد الوحيد الذي تمنع النساء فيه من القيادة .. ومع الضوابط سيصبح كل شيء بخير فلسنا وحدنا المسلمين .

    ردحذف
  5. بلعت كاميليا ريقها ودخلت غرفتها وقلبها مازال ينبض بقوة، لم تكن تفكر بحديث والدها رغم أنها مناصرة للمرأة في انتزاع جميع حقوقها ، وكانت ابنة خالها تقول لها دائما بأن التغيير يجب أن يبدأ بالنساء أنفسهن فإذا لم يطالبن بحقوقهن وينتزعها فلن يقدمها لهن أحد على صينية من الذهب .
    كانت مشغولة بعماد ولقائها به وتشعر بأن والدها سمع نبضات قلبها وكشف أمرها . هي منجذبة لشاب ، وهذا ما لن يتسامح به مهما حدث .
    لم ترد التفكير في الأمر أكثر وقالت لأختها بصوت منخفض :
    - لقد رأيته يا شذى .. لقد أوصلنا عماد إلى المكتبة ومن ثم إلى سوق مياس .. لقد نظر إلي بطريقة غريبة .. أحسست بأن قلبي سيتوقف عندما تقابلت عيوننا عبر مرآه السيارة .. آه لو رأيته كيف يتكلم وكيف فتح لي باب السيارة بكل أدب وذوق لا يمكن أن تجديه في شاب سعودي أبدا فهو لا يفتح الباب لأحد إلا إذا كان خائفا على الباب .
    تنهدت وأردف تقول :
    - أشعر بأني ثملة من نظرات عينيه .. يا لهما من عينين لم أرى مثلهما في حياتي .. هو مميز في كل شيء حتى في أدق تفاصيله .. يضع في خنصر يده اليمنى خاتما به حجر كريم أحمر اللون لا أعرف ما هو .. لابد أنني موعودة به .. وسيكون هذا الرجل لي .. وهذا وعد على نفسي .

    طلبت منها شذى أن تتمهل قليلا وذكرتها بأنها في القطيف فهي مقتنعة بأن الحب في هذه المدينة مصيره أحد أمرين . إما أن يموت في قلب المحب بدون أن يعبر عنه ، أو مشنوقا بحكم الظروف والمجتمع والناس هي لا تعيش في مدينة رومانسية وأهلها يتمتعون برقة المشاعر . بل على العكس ، الحب والعاطفة ورقة المشاعر هي عيب وقلة أدب وكلام فاضي .
    انفعلت كاميليا وقالت لأخيها :
    - لاتهمني القطيف .. وهل كتب الله علي أن أتزوج من رجل لا أعرفه ومغطى بملابسه ومظهره الكاذب الذي يخفي سيئاته وعيوبه .. لما لا أتزوج برجل أعرفه وأرتاح له وأحبه .. لن أتزوج برجل ( خبط لزق ) ولا أكشف إلا بعد الزواج ولن يسمح لنا بتصحيح هذا الخطأ بسهولة .
    - واو .. قوية .
    - سأختار الرجل الذي أريده ..

    كانت تدافع عن شيء لا تدري ما هو ، وعن علاقة لا تعرفها ولم تدخلها بعد . رغم تأيدها للتعارف قبل الزواج فهو الطريقة الصحيحة لاكتشاف طبيعة الآخر ، ولا تحبذ التعارف بعد الزواج أو الملكة ( عقد القرآن ) ففسخ هذا المشروع صعب وله ثمن محسوب في حياة الشاب والفتاة بنفس القيمة .
    عاد عماد وأخته لمنزلهما وجدا أمهما جالسة مع ندى وابنتها ، شربوا الشاي وبعد أن صعدت نسرين لغرفتها لتذاكر ، ظل هو يتحدث مع أمه وأخته .

    سألهما عن الزواج عندما يقارب الفرق بين الزوجين تسع أو ثمان سنوات ، فتفكيره وانجذابه بكاميليا خلال الأيام الفائتة جعله يفكر بها كامرأة تعيش بجانبه ، وبالتأكيد ستكون زوجته .
    أجابت أمه عن سؤاله بأن الفارق في العمر ليس مهما وضربت له مثلا فوالده يكبرها بعشرة أعوام وزواجها ناجح .. سألته أخته باهتمام :
    - ولماذا تسأل ؟.. هل هناك فتاة ما في رأسك ؟
    سكت عماد محرجا واضطر لتلفيق كذبة فمنذ عرف كاميليا وهو يكذب فقال :
    - هناك شاب أعرفه وسيتزوج من فتاة تصغره بثمان سنوات .. وأنا أحسست بأن الفارق كبيرة بينهما .
    قالت ندى وهي تسكت لها الشاي :
    - المهم هو التفاهم وإن كان الفارق عشرين سنة .. وأنت متى تفكر بالزواج ؟
    أبتسم والسعادة تشع من عينيه وقال :
    - ربما أقول لكم بأني قررت الزواج في الأيام القادمة .. سأفكر بالموضوع جديا .
    شربت أمه رشفة من الشاي وقالت له بنظرة فاحصة :
    - عليها أن تكون من عائلة مرموقة وابنة هامور قطيفي.
    أبتسم وطلب من أمه أن تدعو له بالتوفيق أثناء صلاتها ، فهو يشعر بالخوف من السعادة التي يعيشها الآن . دائما يدفع ضريبة باهظة للفرح ويحزن بشدة بعد ذلك . بقدر ما كان سعيدا بخطوبته من سوسن بقدر ما كان الحزن والتعاسة تنتظره عندما قرر الانفصال عنها .
    وعندما تخرج من الثانوية بنسبة مرتفعة وفرح بشدة لأنه سيدرس في أمريكا قتل علاء في اليوم التالي وبقي هنا وأكمل دراسته في الظهران . وافقته أمه وطلبت منه التفكير بجدية ، قالت له :
    - ما الذي ينقصك يا ولدي ؟ .. لديك الشركة تحت يدك ولديك قطعة أرض كبيرة وقريبة منا وتستطيع البناء عليها في أي وقت .. وإذا أردت أن تسكن معنا فالعين أوسع لك من البيت .. كما أن سوسن ستتزوج في نهاية الصيف وسيشمت بنا أهلها .. لو أطعتني وتزوجت بسرعة لكان لك طفل يمشي وأخر على كتفك الآن .

    ردحذف
  6. توجه عماد لغرفته تاركا أمه وأخته مذهولتين من كلامه عن الزواج بهذه الإيجابية ، فلقد تعودتا منه التأفف والانزعاج والرفض المسبق في الكلام عن هذا الأمر ، أما الآن فهو سعيد وعينيه تبشران بفرح وزهو لم يعيشه منذ فترة طويلة . سعيد بالإحساس الذي دغدغ قلبه منذ أن سمع صوت كاميليا وأحبه ، ورآها وأحبها أكثر ، وأحب قربها وعلاقتها المميزة بأخته وعائلته . سعيد بتفكيره وانشغاله بها وبرغبته لرؤيتها ولسماع صوتها . لقد عرف ما يريد من لحظة واحدة وهاهو نصيبه قريب منه . هو محظوظ لأنه عرف ما يريد في لحظات ولم يحتاج للعمر كله ليعرف غايته . أتصل بماجد وراح يتفلسف عليه ويشرح له نظرية النصيب والحياة والزواج من المرأة المناسبة ، وضحك عندما قال لها صديقه ( حتى في الفلسفة والهذرة .. فتش عن المرأة )

    *********

    قلبت الصفحة بعد أن عجزت عن حل المسألة الفيزيائية وهي مشغولة الفكر بعماد . تريد معرفة ما وراء نظراته لها في اللقاء الأول في منزل أمل ولقاءهما الثاني في السيارة . كثيرا ما تعانقت نظراتهما في ثواني قليلة جعلتها خارج حدود الزمان و المكان . كان قلبها يدق بقوة في السيارة وهي قريبة منه يفصلهما ظهر المعقد . تراه عن قرب وتشم رائحة عطره . كم كان أنيقا ببذلته البنية وقميصه الأزرق ، وكم كان لطيفا وهو يفتح لها باب السيارة بكل لباقة تنهدت وبدأت تكتب ..
    " أنت تشغل تفكيري
    أفكر بك رغما عني
    أرى وحهك الجميل أمامي
    عينيك السوداويين تحاصرني
    ولا أدري لماذا ؟
    اسمك لا يبرح لساني
    أصبح اسمك أغنياتي
    أناديك باسمك دائما
    وأنادي الجميع باسمك
    ولا أدري لماذا ؟؟.."

    كتبت هذه الكلمات في الدفتر الذي تحل فيه المسائل الفيزيائية . تعودت كتابة أبيات شعرية في أي ورقة تكون بين يديها ، فكتبها ودفاترها الدراسية مليئة بالكثير من الخواطر والذكريات و الأحلام وأبيات شعرية متنوعة وأغنيات نجوى كرم . وما تكتبه هي تجمعه بين فترة وأخرى في دفتر خاص لا يعلم بوجوده أحد فهي تعتبره كتابا خاصا بها ولذكرياتها فقط . قرأت ما كتبته بصوت هامس وأرادت أن تكمل ولم تستطيع فرمت بالقلم وبالدفتر أرضا . أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الوراء وهي تقول لنفسها ( كفى .. تعبت من التفكير وأريد التركيز في المذاكرة .. ما الذي يحدث لي ؟.. لا أستطيع سوى التفكير به وترديد اسمه في سري ) .
    جاءت شذى ورأتها جالسة خلف مكتبها الصغير ورأسها بين يديها ، فسألتها بقلق إذا ما كانت متعبة . ظلت ساكتة ولم ترد على أسئلة أختها فعاودت سؤالها :
    - هل أنتِ مرهقة ؟.. ما رأيكِ بأخذ قسط من الراحة تعالي معي لنشرب كوبا من الشاي لنجدد نشاطنا فأنا تعبت من المذاكرة أيضا .
    رفعت كاميليا رأسها وقالت :
    - وهل أنا أذاكر لكي أخذ قسطا من الراحة ؟ .. منذ ساعات وأنا في الدرس نفسه .

    نهضت من كرسيها وتناولت دفترها وقلمها من الأرض ووضعتها على الطاولة وهي تشعر بالتعب وكأن رأسها سينفجر من التفكير . نظرت لنفسها في المرآة بصمت وبدأت بوضع القليل من الكريم المرطب على وجهها وشذى تطمئنها :
    - لم يبقى على انتهاء الامتحانات سوى يومين وكل شيء سيكون على ما يرام وستحصلين على نسبة عالية بعون الله .. والواسطة موجودة.

    نزلت مع أختها إلى المطبخ الواسع المطل على الصالة وأعدتا الشاي وجلستا . سكبت كاميليا لها الشاي ووضعت عددا من مكعبات السكر لم تعرف عددها وقالت وهي تذوبها بالملعقة :
    - منذ أكثر من أسبوعين وأنا أفكر به .. لا يفارق مخيلتي وأنا أذاكر وأنا أكل .. وأنا أجيب على أسئلة الامتحان في المدرسة .. حتى وأنا نائمة أحلم به .
    سألتها باستغراب :
    - وبمن تفكرين ؟
    وبنبرة غاضبة أجابت أختها :
    - من غير عماد .. أحاول أن أقصية عن تفكيري ولكني لا أستطيع .
    كانت تشعر بالضعف كلما تذكرت عينيه ، فتنفست بعمق وأكملت تقول :
    - أنا مدركة بأن حياتي بعد ذلك اليوم في منزل أمل ليست كحياتي قبله .. مر أكثر من أسبوعين وما زالت نظراته وعينيه السوداويين تلاحقاني .. أنا لا أعرف ما الذي يجري لي .
    تلفتت شذى حولها وطلبت من أختها أن لا تتكلم في هذا الموضوع في المطبخ فلو سمعها أحد والديها ستحدث كارثة فهذا الكلام لا يقال إلا في غرف النوم . شربت كاميليا رشفة من الشاي الساخن وقالت لأختها :
    - أنا في امتحانات الثانوية العامة وأفكر برجل يكبرني بثمان سنوات لمجرد نظر لي بطريقة ساحرة .. أنا هبلة بامتياز .
    لم تكن تريد إكمال الحديث فضميرها يؤنبها لأن ذهنها مشتت وعبثا تحاول التركيز في المذاكرة ، فسكتت وطلبت من أختها تأجيل الحديث عن عماد لما بعد الامتحانات .

    *******

    ردحذف
  7. عماد الذي أحس الجميع بتغيره حتى أن صديقه ماجد حاصره عدة مرات ليخبره عن سبب تغيره وعدم الخروج معه إلى المقهى كالسابق فجاء لزيارته في منزله وجلس معه في المجلس الداخلي المجهز بجلسة عربية فخمة ومريحة . جلبت الخادمة الشاي الفاكهة والمكسرات وبدءا يتحدثان وهما يشاهدا التلفزيون بصوت منخفض جدا ، قال عماد لصاحبة بحماس :
    - أنت تعرف بأني أمتلك قطعة أرض كبيرة في " المجيدية"و قريبة من منزل والدي سأبدأ ببنائها و سأتزوج .. الفكرة تشغلني هذه الأيام .
    سأله ماجد وهو يتناول حبة خوخ وبدأ يقطعها إذا ما كان ينوي الزواج بإحدى قريباته فقال من خارج العائلة بالتأكيد .. مد له صديقه بقطعة خوخ وسأله :
    - وما الذي غير رأيك ؟ .. لقد كنت رافضا للفكرة في الأمس القريب والآن أراك متحمسا بشدة ؟

    أراد أن يقول له بأنه وجد الفتاة التي خفق لها قلبه منذ أن سمع صوتها صدفة ، وعندما رآها أحس بأنه مشدود لها بطريقة عجيبة لكن لسانه لم ينطق ليخبره. يريد البوح للعالم بأسره بما يحتاج قلبه من مشاعر ولدت في قلبه منذ مدة ، ولكن حرصه الشديد على كاميليا منعه وفضل أن تبقى مختبئة في قلبه حتى يأتي الوقت المناسب ليعلنها ملكة على عرش حياته وبمرسوم ملكي يذيعه على الجميع . أبتسم وقال له :
    - الزواج له وقته المناسب .. وأظن بأن الوقت قد حان .. إنه النصيب
    ربت ماجد على كتفه وقال مبتسما ومشجعا في الوقت ذاته :
    - أدخل الدنيا .. صدقني إن الحياة مع امرأة شيء ممتع فمعها ستكتشف عالما جديدا وهو عالم المرأة الغريب والجميل .. لها شخصية غريبة لن تفهمها أبدا ولن تعرف ماذا تريد منك .. ولن ترضيها ولو فرشت لها الشوارع ورودا ورياحين .. ومع ذلك فهي حنونة ورقيقة وإذا غضبت منك تحتاج إلى الكثير من الجهد لإرضائها فعليك أن تشبع غنجها وتدللها وتحبه دائما .
    ضحك ومن ثم أكمل حديثه :
    - سمعت أحدهم يقول بأن الرجل بحاجة للزواج من ألف امرأة لكي يفهم طبيعة الأنثى.. أما المرأة فهي بحاجة لرجل واحد لتفهم كل الرجال .. كما أن الإمام علي قال أن المرأة عقرب حلو اللبسة ..أي حلوة المعاشرة .

    ضحك من قلبه وهو يستمع لصديقة المستمر بالحديث عن المرأة وعن عوالمها وأسرارها والكثير من الحكايات . وودعه بعد أن تناول العشاء معه ثم ذهب لغرفة أخته نسرين ليتحدث معها قليلا فربما يأتي الحديث بسيرة كاميليا . طرق الباب ولم تجبه فانتظر قليلا ثم دخل ولم يجد أحدا مع أن أنوار الغرفة مضاءة ، وعندما هم بالخروج لمح هاتفها الجوال ملقى على السرير فاقترب منه بخطى بطيئة ومد يده بتردد وبسرعة بدأ بالبحث عن أسم كاميليا في قائمة الأسماء وسرعان ما وجده . دون الرقم على ورقة صغيرة ووضع الهاتف مكانه وخرج بسرعة متوجها لغرفته وظل يتأمل الرقم وهو يفكر .. ( هل أتصل بها ؟ .. وإذا اتصلت .. ماذا سأقول ؟ .. وأخبرها بأني سميتها صاحبة الصوت الرقيق لأني لم أعرفها وأني فعلت المستحيل لأكشف هويتها وأعرف المزيد عنها .. هي بالتأكيد ستندهش من اتصالي وربما تسيء التفكير بي .. وربما تقفل الخط عندما أخبرها من أكون .. لن أتصل بها لكني سأحتفظ بالرقم ).

    ظل يفكر بكاميليا والحيرة تجذبه في كل الاتجاهات وتعرض له جميع الاحتمالات والأفكار والحلول حتى غط في نوم عميق . أغمض عينيه وفتحهما بسرعة ، لم يكن مصدقا ، فربما يتهيأ ، يتخيل ، أو يحلم . كانت واقفة أمامه وقطرات الماء الباردة الخارجة من فتحات رشاش الماء تغني بنعومة على جسدها الممشوق وهي تستحم . شعرها البني الداكن المبلل منسدل على ظهرها وهو يراقبها وهي لا تراه . يراقبها بسعادة وهي تغمر ليفتها الطرية بالصابون والماء وتفرك بها بشرة جسمها الناعمة ، وفقاعات الصابون الملونة والفراشات الرقيقة تطير من حولها . نهض من مكانه واقترب منها لم تلتفت إليه . كانت تغني بصوت منخفض وهي تمرر ليفتها على ساقيها وبطنها وذراعيها بانسيابية . كلمها بهمس لم تسمعه . مد يده ليلمسها بأصابعه وهو يشعر بنشوى بالغة وكأنه مراهق يري أنثى عارية لأول مرة ، لكن أطراف أصابعه لمست الرغوة فقط واختفت هي من أمام عينيه . فتح عينيه على غرفته المظلمة ونهض بسرعة وتوجه للحمام . فتح الباب فربما يراها تستحم حقا ، لكنه وجد الحمام خاليا فابتسم وهو يشعر بالأسف لأن ما حصل كان حلما فقط وعاد لسريره ونام

    ردحذف
  8. الفصل الرابع

    انتهت الامتحانات ولم يبقى سوى انتظار ظهور النتائج في الصفحة المحلية بعد أيام .هذا ما كانت تفكر به كاميليا والذنب يلازمها لانشغالها بعماد طيلة الامتحانات .كانت تخشى أن تنخفض نسبتها المئوية ولا تقبل في جامعة الملك فيصل كما أن والدها رفض فكرة دراستها في الرياض أو جدة عندما ناقشته بالأمر . كانت تخشى أن لا تقبل في الجامعة وتضطر للدراسة في كليات البنات وتقضي مستقبلها في دراسة الرياضيات أو الفيزياء .ولكنها اقتنعت بأن النسبة المئوية ليست بتلك الأهمية على قبولها فالواسطة أهم من أي شيء أخر.

    أخرجها رنين هاتفها الجوال من أفكارها .كانت سماح هي المتصلة وتريد أن تذهب معها لزيارة الطبيبة النسائية في مجمع العيادات الطبية فمنذ شهرين والميعاد الشهري متأخر .حاولت أن تطمئنها بأن السبب هو قلق الامتحانات بالتأكيد لكن سماح أصرت على الذهاب فوافقت على الذهاب معها . في السيارة اعترفت لها بأنها تخشى أن تكون حاملا فهي تقابل خطيبها بين فترة والآخر بعد عقد قرانها دون علم والديها وأشقائها . أجرت الطبيبة فحوصها وكانت النتيجة إيجابية فهي حامل منذ أكثر من شهرين .بكت سماح ولم تستطيع العودة لمنزلها فدعت لاجتماع طارئ مع بقية الصديقات في منزل أمل وبختها بعنف وكذلك نسرين و كاميليا وطلبن منها أن تخبر خطيبها أولا وليشارك في مواجهة الأمر . جلس يحدثان في الأمر وساد الجو الكآبة عندما بدأت سماح تنشج بالبكاء وأمل تحسب لها شهور الحمل عندما تتزوج ، ستكون في الشهر الرابع وسينكشف أمرها بالتأكيد ،ولن تتمكن من إخفاء الأمر على عائلتها .
    كان اجتماعهن كئيبا على غير العادة ، فهن كن دائما يستمتعن بمشاهدة الأفلام أو يغنين ويرقصن ، وأحيانا يخترن موضوعا تعليق بحقوقهن المسلوبة ويناقشن فيه، كالسفر وتصريح ولي الأمر ، واختيار شريك الحياة ، وقيادة السيارة ، إلا أن أحاديثهن في الفترة الماضية انصبت على الاستعداد لزواج سماح . لم تستمتع كاميليا بجو الاجتماع فقد كان حزينا وجعلهن يناقشن قضية الزواج مع وقف التنفيذ الذي عانت منها الكثيرات وها هي صديقهن إحدى ضحاياه،وقررن أن يجتمعن في اليوم التالي فربما تتحسن حالة سماح النفسية ويعتدل مزاجها

    *****

    جلست كاميليا في غرفتها قلقة وخائفة وسعيدة وحزينة ، كانت مضطربة المشاعر والأفكار ، مشغولة التفكير فجزء من أفكارها في نتائج الامتحانات ، وجزء مع سماح وحملها ، والجزء الأكبر مع من سرق عقلها وقلبها فجأة . لم تكن تؤمن بالحب من أول نظره فهي لم تجده إلا في الأفلام الهندية ولكنها لم تفهم ما أحدثته نظرات عماد . هل أحبته من النظرة الأولى ؟.. لا .. لم يكن حبا ، ربما هو إعجاب ، أو انجذاب أو (حاجه كده) لا تعرفها . ربما يكون حبا ، فلم يكن ذلك اللقاء هو الأول ولا النظرة الأولى فهي تعرفه منذ طفولتها . ولكن لماذا لم تفكر به قبلا وبنفس الطريقة .لماذا الآن تتوق لرؤيته لتأمل ملامح وجهه وعينيه . خطرت ببالها إخبار ناهد بالأمر لترشدها وأجلت ذلك عندما اتصلت بها نسرين تدعوها لجلسة فضفضة , فذهبت لأمها الجالسة في المطبخ وهي تخبز كعكة التمر اللذيذة ، جلست على الطاولة وأخبرتها بأنها ستذهب لمنزل نسرين ، فطلبت منها أن تستأذن من والدها قبل أن تخرج . تأففت فقالت لها أمها :
    - أخبريه يا ابنتي فأنا لا أريد مشاكل معه .. لو خرجت بدون علمه سيوبخني وأنا لست ناقصة .. وربما يظن بأنك ذهبت لزيارة ناهد.

    شعرت بفرح يغمرها ولأول مرة تضع نصب عينيها هدفا آخر من زيارتها لنسرين ،فربما ترى عماد .شعرت بالتوتر قليلا ولكنها سرعان ما أخمدته وبدأت تصفف شعرها وتضع الكحل الأسود والقليل من أحمر الشفاه البراق ، وزادت جرعة عطرها . تساءلت عن سبب لفتها عليه ، وعن زينتها التي أرادت لفت نظره بها ، ارتدت عباءتها ودعت ربها أن تراه ولو من بعيد . أرادت أن تفتنه أو تثير في نفسه عاطفة ما . ابتسمت أمام المرآة وشعرت بأن نيتها شيطانية . لم ترد أن يكون حلما في خيالها ولا تطاوله بيدها .لابد أن تدير رأسه وتتأكد من نظراته .

    ردحذف
  9. كان عماد جالسا مع والديه وأخته وزوجها بعد أن تناولا الغذاء ككل يوم جمعة .رجف قلبه بقوة عندما طلبت أخته منهم الانتقال لمجلس الرجال قبل وصول صديقاتها ، وراح يخطط بطريقة ما تمكنه من رؤية كاميليا التي جاءت بصحبة شذى وسماح واستقبلتهن نسرين في غرفة استقبال النساء المطلة على الصالة الكبيرة .
    جلسن يتحدثن عن دراستهن فقالت كاميليا:
    - والدي يريد مني الالتحاق بالحقل الطبي وأنا أيضا أريد ذلك .. , وأفكر جديا بالمختبرات الطبية .. لكني خائفة فأدائي في الامتحانات لم يكن بمستوى الذي أطمع إليه .
    قالت أمل :
    - رئيس التحرير في جريدة " اليوم" صديق لأخي .. لذا سأطلب منه أن يخبرنا بالنتائج وقت ظهورها وخصوصا بأن الإشاعة المنتشرة هذه السنة بأن الأسماء ستعلن مع التقدير ومجموع الدرجات .
    أومأت نسرين معلنة موافقتها ، وقالت كاميليا وهي تضحك :
    - أرجوكم ..أنا صديقتكم المخلصة .. تذكروني وطمأنوني فأعصابي لا تحتمل .

    ضحكت نسرين وأخبرتهن بأن ما يحدث لها هو الأدهى فوالدتها تصر على التحاقها بكلية الطب رغما عنها وهي لا تستطيع مخالفتها .ووالدها سيبذل المستحيل من أجل تحقيق ذلك وهو مستعد لدفع أي مبلغ لأي شخص يساعد في ذلك . تحدثن وظلت سماح صامته فلا شيء يهمها ، لا معدل ولا الجامعات والواسطات وتشعر بتفاهة حديث صديقاتها .كان لديها همها الأكبر ، حملها وحفل زفاف الذي أصبح في خبر كان فوالديها ألغيا كل ما كنت تستعد له منذ عام .
    لقد أصبحت امرأة وصديقتها مازلن يناقشن مواضيع لا تهمها وتقدمت عنهن بكثير .

    ظل عماد حائر لا يريد الخروج من المنزل وكاميليا موجودة ، وهي قريبة منه ولا يستطيع أن يراها . صعد لغرفته وأستحم وهو يفكر بها .لبس ملابسه ، بنطلون وقميص أبيض اللون وشعره مصفف بطريقة أنيقة .جلس ينظر إلى نفسه في المرآة وهو ممسك بالورقة التي كتب عليها رقم هاتفها وسرعان ما خبأها في جيبه عندما جاءت أمه . جلست على السرير وقالت له بابتسامه :
    _ أراك متغيرا هذه الأيام .. ما الذي بحدث لك ؟
    ابتسم وقال برضا :
    - ما يحدث بأنني قررت أن أغير مجرى حياتي الرتيبة ..وربما في الأسابيع القادمة أطلب منكِ الذهاب لخطبة الفتاة .
    أرادت أن تستدرجه فسألته :
    -وأي فتاة ؟.. أراهن بأنك تعرف ولا تريد إخباري..ألست أمك ؟.. لماذا لا تصارحني .


    ضحك وطمأنها بـأنه سيجد الفتاة المناسبة له ولها وسيطلب منها أن تذهب وتخطبها . تركته في غرفته فأخذ محفظته وخرج ، مشى بخطوات بطيئة نحو المصعد الكهربائي ورآها وهي تصعد الدرج ، نظر لها مبتسما وهي مطأطئه رأسها وخائفة أن يرى أحد ملامح وجهها التي تغيرت عندما رأته .
    لم يشعر بوجود أحد معها ، رجع خطوتين إلى الوراء ورآها تشيح بوجهها عنه وتدخل غرفة نسرين .

    ردحذف
  10. في المقهى القريب من شاطئ الدمام بجلستها العربية المفتوحة ، الناس جالسون يشربون الشاي ، والمشروبات الباردة ، والبعض يدخن الشيشة وبغضهم يستمتع بالوجبات الخفيفة المقدمة رغم الجو الحار ، وصوت فيروز يصدح بكبرياء وعزه ..

    " أعطني الناي وغني فالغناء سر الوجود
    وأنين الناي يبقى بعد أن يغني الوجود
    هل اتخذت الغاب مثلي منزلا دون القصور
    فتتبعت السواقي وتسلقت الصخور
    هل تحممت بعطر وتنشفت بنور
    وشربت الفجر خمرا في كؤوس من أثير "

    جلس عماد مع فيصل وماجد في المقهى يشربون القهوة التركية وهم يتحدثون ، كان عماد يشرب فنجان القهوة دفعة واحد ويطلب غيره وهو مشغول الفكر ولا يشاركهما أحاديثهما إلا بابتسامة تائهة لا تدل على شيء .
    لاحظ صاحباه شروده ، فقد كان يستمع لفيروز بصمت والابتسامة تعلو وجهه وفجأة نطق بطرب :
    - آه .. كم أنتِ عظيمة يا فيروز.
    ضحك ماجد وقال له :
    - ما بك ؟.. أرى أن هذه الأغنية أطربتك بشدة .
    أكمل يمازحه:
    - هل قطعوا سرّك في لبنان ؟ .. لقد أثرت على العاملين هنا فأصبحوا يضعون أغنيات فيروز إذا جئت تسهر هنا .
    قال فيصل بابتسامة وهو يغمز لماجد :
    - لا أعرف ما الذي حل بابن عمي المسكين .
    خاطبة ماجد ممازحا:
    - ألا تمل من فيروز .. استمع لغيرها يا أخي .
    تحسس شاربه وقال بابتسامه :
    - الطبقة موجودة في كل شيء حتى في الغناء والذي يستمع لفيروز يختلف عن الذي يستمع للطقاقات .

    أغاظهما فضحكا وعاد هو لصمته وشروده وصاحبيه يتحدثان ويضحكان .ظل مشغول الفكر طوال الوقت وحتى عندما خرج من المقهى مشى بسيارته بدون هدى . قطع شارع الخليج ذهابا وإيابا مرتين وهو شارد الذهن .
    ذهب إلى جزيرة المرجان وجد المكان خال ومظلم لا أثر به لأحد والنور القادم من أضواء الشارع والسيارات يبعث القليل من الضوء.
    ترجل من السيارة ومشى بخطى بطيئة نحو البحر ، تخطى حاجز الصخر الكبيرة والتقط حجر صغير رماه بقوة . تنهد وصورة كاميليا تظهر أمام عينيه ، وأحس بالحاجة لسماع صوتها وللحديث معها . عاد لمنزله وألقى نفسه على السرير وهو ممسك بهاتفه ، قال في نفسه (لو يمكنني الحديث معها .. لو أستطيع أن أتصل بها وأخبرها بأني اقضي ليلي سهرا منذ رأيت عينيها .. وحياتي انقلبت رأسا على عقب).
    ظهرت فجأة ووقف من بعيد ، كانت هي بكل تأكيد ، عينيها والكحل الأسود والرموش السواء الطويلة ، وحبة الخال الناعمة .
    أقترب منها أكثر وأمواج البحر تفصله عنها .. ورجل مخيف يريد الاقتراب منها .. كانت خائفة وتلك الصخرة ستسقط عليها من أعلى المنحدر الجبلي ..أراد أن يتكلم لكنه لم يستطع ..أراد أن يحذرها أو يومئ لها ولم يتمكن .. طلبت منه المساعدة ولم يلبيها .. كانت ترجوه بدموع حارة وهو صامت ويديه مكبلتين .. وفجأة سقط هو في الماء وسقطت الحجارة من فوقه وظل يعوم في الماء .
    أستيقظ عماد من النوم فزعا ، وتلفت في الغرفة وعرف بأن ما رآه كان حلما مزعجا ولا بد أن كاميليا نائمة في منزلها براحة .نهض من سريره وهو يستعيذ بالله . نظر إلى الساعة وهي تشير إلى الثالثة فجرا ، خرج من غرفته ومر بغرفة نسرين وسمع صوت التلفزيون عال جدا .
    دخل وآثار النعاس والانزعاج ظاهر عليه فسألته أمل باندهاش :
    - ألم تنم بعد ؟
    لوى فمه وأخبرهما بأنه نام واستيقظ مذعورا بسبب حلم مزعج ، وسألهما:
    - وأنتما ما الذي تفعلانه في هذا الوقت ؟
    أجابته أخته :
    - كنا ننتظر اتصال فيصل .. واتصل بنا قبل ساعتين وأخبرنا بأننا نجحنا بتقدير جيد جدا والمعدلات لم يعلن عنها .. وسيبدأ التسجيل في الجامعةالأسبوع المقبل .

    ********

    ردحذف
  11. ستلقت كاميليا على سريرها تراقب الشمعة التي أشعلتها وهي تفكر بعماد وتتساءل عن انجذابها له . ماذا لو كانت مخطئة ودقة قلبها له مجرد إعجاب بشاب بمواصفاته .ربما كانت تتخيل نظراته التي تحاصرها ، وهو لم يعتمد النظر إليها ذلك اليوم وأنها ألفت كل هذه الحكاية وصدقتها .ربما لم تكن موعودة به وكل ما حدث لها مجرد صدفة . ربما نظراته وسحرها هي من توهمتها ، كانت نظرات عادية وهي من جعل منها نظرات ساحرة . ربما كانت تتخيل كل هذه الحكاية وتختلق كل ما حدث كأي فتاة سعودية بلهاء سرعان ما تفسر نظرة الشاب العادية لها بأنها حب وغرام وتنسج قصة حب خرافية تتمناها أو تحلم بها. جل ما كانت تخشاه هو أن تكون فتاة واهمة فسرت نظرات عابرة لرجل له عينين سوداويين قويتين وآسرتين لخيال وقصة ورواية من تأليفها .
    وربما وقعت في فخ نظراته ونجح في اصطيادها بمحاولة إظهار نفسه بالصورة الذي رأته فيها . نهضت واقتربت من الشمعة ولهبها يتراقص فنفخت فيها بفمها وعادت إلى سريرها . تقلبت وهي تفكر به ، وتمنت لو تعرف ما الذي يدور في خلده عنها . هل لفتت انتباهه وكيف يفكر بها . تمنت لو تكون بين يديها قوة خارقة تستطيع الدخول من خلالها إلى قلبه ومعرفة ما يدور فيه .لو يخبرها عن قلبه منجم أو ساحر أو عالم فلك ليفك لها سر نظراته القوية والساحرة وليكشف لها الغيب المختبئ وراءه ووراء جاذبيته واندفاعها نحوه.

    ردحذف
  12. الفصل الخامس


    ( ما به هذا الرقم يتكرر في هاتفي ..من يتصل بي؟ ..سأرد عليه هذه المرة ) ، هذا ما كنت تفكر به كاميليا وهي جالسة في غرفتها وممسكة بهاتفها تنظر إلى الرقم المجهول في قائمة المكالمات التي لم يرد عليها .فكرت بإخبار أختها فذهبت إليها وعلامات الحيرة ترتسم على وجهها ،قالت لها:
    - لدي رقم يتكرر منذ ثلاثة أيام ..نفس الرقم ونفس الوقت .. في التاسعة مساءا
    - قد يكون خطأ ..احقريه .
    هزت كتفيها بلامبالاة لكنها التفتت بسرعة إلى هاتفها الذي رن يعلمها باستلام رسالة نصية ، وقرأتها فضول ..( مساء الخير كاميليا ..اتصلت بك عدة مرات ولسوء الحظ لم تجيبني ..أود الحديث معك بأمر هام وسأتصل في تمام العاشرة .. شكرا) .وضعت يدها على فمها وقالت لأختها باستغراب :
    - إنه يعرف اسمي ..لقد أرسل رسالة هذه المرة ..من يكون يا ربي ؟
    أخذت شذى الهاتف وقرأت الرسالة وقالت لأختها :
    -الساعة الآن تشير إلى التاسعة والربع ..بقي خمس وأربعون دقيقة ..أجيبي لنعرف من المتصل .
    مرت خمس وأربعون دقيقة وكأنها خمس وأربعون سنة ،مرت بثقلها وطول شهورها وأيامها السوداء والبيضاء والملونة . كانت تنظر إلى الساعة كل حين وتمنت لو كانت لها سلطة على الوقت لأجبرته على المرور بمشيئتها ، وعلى هذا الحال مرت الدقائق والساعة الآن تشير إلى تمام العاشرة . اقتربت شذى من أختها وظلتا تترقبان الاتصال ورن الهاتف وظهر الرقم المجهول على الشاشة . ترددت كاميليا في الإجابة وتحت إصرار أختها أجابت :
    - آلو
    - مساء الخير كاميليا .. ألف مبروك لنجاحك ونيلك شهادة الثانوية . بلعت ريقها وهي تفكر بهذا الصوت الذي سمعته قبل الآن سألته بتحفظ شديد عن هويته فقال:
    - عذرا .. نسيت أن أعرفك بنفسي ..أنا عماد الغانم .. شقيق نسرين. سكتت وكأن أحد سكب عليها ماءا باردا ، كانت مندهشة وعينيها الواسعتين تدلان على ذلك . ظلت صامتة وعماد ساكت أيضا ثم قالت له بعد لحظات :
    - وماذا تريد ؟ ..لماذا تتصل بي؟

    ردحذف
  13. عتذر على جرأته بالاتصال بها وقال :
    - صدقيني رقم هاتفك بحوزتي منذ مدة وأنا متردد في الاتصال .. أخشى فهمك الخاطئ لي .
    وبنبرة غاضبة سألته :
    - من أعطاك رقم هاتفي ؟.. ولماذا تتصل بي ؟
    سكت مترددا ثم قال :
    - أخذت الرقم من هاتف أختي دون أن تدري .. أنا لست عابثا ومن حقي أن أتكلم ويجب أن تصغي لي.
    ظلت كاميليا ساكتة وعماد مسترسل في الكلام :
    - لقد سمعت صوتك صدفة عبر الهاتف .. وصدقني بأني لم أنم ليلتها ونغمة صوتك ترن في أذني .. تعمدت الذهاب لمنزل عمي عندما عرفت بذهابك ..أردت أن أرى صاحبة الصوت الذي تغلغل في أعماق روحي .. ومنذ ذلك اليوم وأنا مشدود لك بقوة لا أجد لها تفسيرا .. سكنتِ في أيامي وأصبحت حياتي جميلة .
    تنهد وظلت ساكتة ومذهولة ولا تعرف ما الذي تقوله أمام كلماته التي تسللت إلى قلبها بدون ممانعة . أحست بصدقه ولم تجد خيارا سوى ذلك ، لكنها قالت :
    - وما الذي تريده مني الآن ؟
    - أنا عازم على إخبار والدي بالأمر لكي أتقدم لخطبتك ..وآثرت الاتصال بك أولا فربما تكونين مرتبطة أو لك رأي آخر..كما أن فارق السن أقلقني ..أرجوك أجيبيني وأعلمي بأن هذا الحديث الذي دار بيننا لن يعرف به مخلوق .. نحن على أبواب الألفين وليس من المعقول أن أذهب لخطبة فتاة كما خطب جدي جدتي .
    ظلت ساكتة للحظات فسألها :
    - هل أنتِ مرتبطة ؟
    لم تتمكن من الكلام وقلبها يدق بقوة عجيبة ، وبصعوبة نطقت وأخبرته بأنها غير مرتبطة ، وبسرعة لا مت نفسها لأنها تجيب على سؤال رجل أتصل وقال لها بأنه مشدود لها ويريد الزواج منها وهي صدقته . لكنها أحست بسعادة وهو يقول :
    - هذا من حسن حظي .
    لم تنطق بكلمة فتابع حديثه بثقة :
    - ستجدين فيّ كل ما تتمنيه .. لن تجدي من يحبك مثلي .. أنا الصديق الذي ستجدين معه نفسك كلما احتجت إليه والذي سيقف بجانبك دائما ..والحبيب الذي ستشعرين بعاطفته وحبه وتعتمدين عليه في كل الأحوال .
    ترددت ثم قالت له رغم فرحتها باتصاله :
    - أنت تتكلم بثقة ..هل أنا مضطرة لتصديقك ؟
    استغرب كلامها فقال لها بانفعال حاول أن يخفيه :
    - قلبي دلني عليك وأظنه صادق ..لا تستغربي اندفاعي نحوك فأنا لا أعرف ما الذي يحدث لي ..إنه النصيب .
    لم تعرف ماذا تقول أمام كلماته التي اخترقت أذنيها ووصلت لقبلها مباشرة ، لكنها آثرت صده حتى لا يظنها فتاة خفيفة تذوب أمام أول كلمة تسمعها من شاب . قالت له باختصار :
    - لست مضطرة لأن اصدق كلامك .. اعذرني علي أن أنهي المكالمة .
    تنهد بغضب لصدها ثم قال :
    - لن أخبركِ بأني صادق فهذا يجب أن تكشفيه بنفسك ..آسف لإزعاجك وسامحيني على اتصالي .. مع السلامة .

    شعرت بأنها خائرة القوى وكأنها ريشة أو ورقة تحركها الرياح في كل الاتجاهات . رمت نفسها على السرير وهي تقول لأختها بأنها لا تصدق ما يحصل لها فلابد أن تعيش في حلم . قرصت شذى خذها وسألتها عما يريده عماد منها فأجابتها :
    - لست مجنونة ولا مهووسة ولا موهومة .. لم أكن وحدي مشغولة الفكر .
    سألتها أختها عما قاله لها فقالت :
    - حصل على رقم هاتفي من جوال نسرين وبقي مترددا لفترة .. هذا فقط .
    أمسكت شذى بيد أختها بقوة وقالت :
    - هل بدأت تخفين عني أمورك؟ مضت أكثر من ربع ساعة وأنتِ ممسكة بالجوال وهذا ما قاله فقط ..؟
    - قال بأنه يريد أن يمضي عمره معي .. ويريد أن يتقدم لخطبتي .
    سألتها إذا ما كانت أخته تعرف بالأمر فقالت :
    - لا أظن ذلك فلقد وعدني بأن مخلوقا لن يعرف بحديثنا .. لا أريد أن يسيء أحد التفكير بي حتى أنني أخبرته بأني لست مضطرة لصديق كلامه.

    حذرتها أختها فقد يكون متلاعبا ، وسجل مكالمتها ليقوم بأمر ما في نفسه ، فهي لا تستبعد شيئا عن أولاد إبليس ، لكن كاميليا دافعت عنه فهي تعرف بأنه مختلف عن الجميع .
    -عماد غير .. هو عاقل ورزين .
    قالت ذلك دون أن تخفي حماسها لمعرفته عن قرب، لتعرف ماذا في قلبه وعقله وأفكاره فلن تكتفي بحب عينيه . تخيلت نفسها تعيش قصة حب معه . كانت متلهفة لمعرفته أكثر ، بيد أن لهفتها لم تبدد خوفها من أن تكون واحدة ممن يتحدث عنهم الناس ، كم هو بشع أن تصبح فتاة حديث المجتمع والناس في القطيف . سيروون قصتها مع حبيبها وسيحرفونها وسيغيرونها وسيضيفون عليها أحداثا لم تحدث . تخاف أن تعرف صديقتها بذلك وينتقدانها كما ينتقدن سماح التي تعرفت على خطيبها في إحدى منتديات الانترنت ومن ثم قابلته عدة مرات وهما الآن خطيبين وسيتزوجان قريبا وسينجبان طفلهما الأول.

    ردحذف
  14. ظلت كاميليا تتحدث مع أختها بشأن عماد واتصاله المفاجئ حتى جاءت أمهما تدعوها لتناول العشاء وتتذمر من جلوسهما في غرفهما معظم الوقت وأردفت :
    - هيا تعالا معي لتناول العشاء فوالدكما وعمكما ينتظران .
    قالت شذى بتذمر :
    - أف .. عمي عبد العزيز هنا .
    حذرتها أمها :
    - أحفظي لسانك يا ابنتي وهذا عمك الكبير والوحيد ..وكوني لبقة في الحديث عنه حتى لا يغضب والدك منا
    تبادلت كاميليا وشذى النظرات وتبعتا أمهما التي توجهت إلى المطبخ لتساعداها . وضعت كاميليا الأطباق على طاولة التقديم وبدأت تدفعها إلى غرفة الطعام وشذى تتبعها ، رتبتا الأطباق وبعدها ذهبت الأم تدعو زوجها الجالس مع أخيه يتحدثان بموضوعات تتعلق بعملها . تفادت كاميليا النظر لوالدها الآتي بصحبة عمها وشقيقها الصغيرة (هديل ) وسلمت على عمها وتبعتها شذى أيضا . رحبت بهما العم عبد العزيز بابتسامة:
    - أهلا بابنتي أخي ..وزوجتيّ ولديّ أيضا
    وألفت عبد العزيز لأخيه وأكمل يقول :
    - ها يا أحمد ماذا تقول ؟ .. كاميليا زوجة لناصر وشذى زوجة لرائد .. بنات العائلة لا يخرجن من العائلة أبدا .
    ضحك الأخوين بسعادة ، لكن أحمد دعاه للجلوس على المائدة وقال له بأنه موافق شريطة أن يتم الزواج بعد أن تنهي كاميليا دراستها الجامعية بنجاح وتتخرج وكذلك شذى أيضا.قال العم لأخيه :
    - وما رأيك بالخطوبة إذن الزواج حالما تنتهي كاميليا من دراستها . فابني ناصر سيسافر أخيرا لينال الماجستير في أمريكا بعد أشهر .. أنت تعرف بأنه طموح وقد عرضت عليه الشركة السفر للدراسة منذ السنوات لكنه رفض .. والآن غير رأيه والنجاح لا يكتمل بدون الدراسة لذا سيسافر وأنا شجعته على ذلك.
    هز رأسه وقال :
    - لكل حادث حديث .
    - أخشى أن تخطب كاميليا لشخص أخر أثناء غياب ولدي .. فالكلام قد يتغير لاحقا.
    وعده بأن كاميليا ستكون لناصر مهما طال غيابه ، وضحكا بسعادة وكأنهما قد أنجزا الاتفاق على صفقة رابحة. تضايقت كاميليا من كلام والدها وعمها وبان الضيق على ملامح وجهها وهي تراهما يأكلان بسعادة . ظلت ساكتة وهي ممسكة بالملعقة تفكر في سرها ولا تعرف ماذا تفعل (ما هذا الذي يحدث لي يا ربي ؟ .. يتصل بي عماد ويخبرني بمشاعره نحوي وبأنه يريد الزواج مني وفي الليلة ذاتها يتفق والدي وعمي على بيعي وشرائي ولكن بالدافع المؤجل .. وبدون أي اعتبار لي وكأن ليست لي أي علاقة بالموضوع). رمت الملعقة على الصحن الفارغ بقوة فأحدثت صوتا ونهضت بسرعة وسط اندهاش الجميع ، ولحقت بها شذى .

    جلست على سريرها والدموع تفيض من عينيها ، قالت لشذى بانفعال :
    - يتفقان على كل شيء وبدون أن يسألاني رأيي بالأمر .. لماذا يحدث لي هذا في اليوم الذي يتصل بي عماد ويخبرني بأنه يريد الزواج بي ؟.. يريدان تزويجي بالمنحط ناصر .
    جاءت الأم فسكتت كاميليا لكن الدموع استمرت في التدفق من عينيها العسليتين ، احتضنتها وطمأنتها بهدوء :
    - لا أحد يستطيع أن يزوجكِ رغما عنك يا حبيبتي .. كما أن والدك قال لعمك بأنه لا زواج ولا خطوبة قبل أن تنهي دراستك .. وهذا الكلام سابق لأوانه .
    قالت لأمها وهي تبكي بأنها لن تتزوج من ناصر لا الآن ، ولا بعد ألف سنة فهو يكبرها بأربعة عشر عاما وسبق له الزواج مرتين وعندما تنهي دراستها سيكون قد بلغ الأربعين . ضمتها أمها لصدها ومسحت دموعها وطلبت منها أن تتصرف وكأن شيئا لم يحدث ، وخرجت .
    مسحت كاميليا دموعها وبدأت تعدل الكحل الذي خربته الدموع ، وقالت شذى :
    -ماذا أقول لعماد لو أتصل بي .. فهو سيخبر أمه وسيطلب منها التقدم لخطبتي بأسرع وقت .. وماذا سيرد عليه أبي ؟ .. وربما يرفضه .
    - أطلبي منه أن ينتظر .. وإذا كان من الذين يقولون كلاما لمجرد الكلام فليذهب بألف سلامة .

    تنهدت وهي تفكر بعماد . هل سينتظرها أربع أو خمس سنوات فخلال أيام تتغير أمور كثيرة في حياة الإنسان وقلبه ..فماذا يحدث خلال سنوات ؟.
    قالت لها شذى بأن هذا أكبر اختبار لصدقه وحسن نواياه واقتنعت بذلك .

    ردحذف
  15. لفصل السادس

    ( لا أحد أتحدث معه ولا أحد أبوح له بما أفكر .. لماذا لا أستطيع إخبار ماجد أو فيصل باني وجدتها .. ما الذي يمنعني ؟ .. هل أخبر أمي وأختي ؟.. هما لن تعودا قبل الفجر فهذا حالهما منذ أن بدأت الإجازة ...سأخبرها بأني أريد الزواج .. متى تعود أمي لأخبرها فهذا ما تتمناه وستفرح بكل تأكيد ).
    هذا ما كان يفكر به عماد وهو مستلق ِ على سريره ، أدار التلفزيون وبدأ يقلب المحطات بحثا عما يشاهده ، لكن عبثا فالليل قد أنتصف ولا شيء يبث غير الأخبار والأغاني والبرامج المملة . أطفأ التلفزيون وقام يبحث بين أسطوانات فيروز التي يرتبها في حامل اسطوانات أنيق ويحتفظ ببعضها في سيارته .أدار الجهاز واستلقى على سريره وبدأ يستمع ..

    نحنا والقمر جيران بيتو خلف تلالنا
    بيطلع من قبالنا يسمع الألحان ..
    نحنا والقمر جيران عارف مواعدنا
    وتارك بقرميدنا أجمل الألوان..

    فتح عينيه في الرابعة فجرا وأمه تربت على كتفه وتوقظه ، فلقد نام بمبلابسه والغرفة مضاءة ومشغل الاسطوانات مازال يصدح بصوت جارة القمر . أخبرها بأنه ينتظرها ولم يخبرها بالسبب . وبعد أن صلى الفجر استلقى على سريره وهو يفكر كاميليا وكيف سيفاتح أمه بموضوع خطبتها ، لابد أنها ستسأله لماذا أختارها بالذات ، حتى نسرين وأمل ستستغربان ذلك . فكر بإجابة يقولها لهن ، سيقول بأنه يريد الزواج بإحدى صديقات نسرين وعندما تعدد له نسرين صديقتها سيختار كاميليا من بينهن ليوهمن بأنه لا يعرفها قبلا . نام على أفكاره لكن الوقت قصير جدا فسرعان ما رن الجوال يعلمه بضرورة الاستيقاظ للعمل .

    أخبره فيصل بأنه تحدث مع الدكتور عبد الكريم ، ووعد بمساعدته في تسهيل قبول نسرين وأمل ، فطلب من ابن عمه الانتظار فلديه شخص يعزه ويود مساعدته في تسجيل أخته . مضت ساعات الدوام مثقلة بالعمل والمواعيد وهو مشغول البال يفكر ويخطط . كيف سيخر والديه ، ومتى يحدد موعد الزواج ويفكر في السكن وبناء الأرض التي يمتلكها . خرج من الشركة عائدا إلى المنزل وفي الطريق خطرت بباله فكرة الاتصال بكاميليا ليسألها عن التخصص الذي تريده برغم الغضب الذي اعتراه في الحديث اليتيم الذي جرى بينهما عندما قالت له بأنها ليست مضطرة لتصديقه . عذرها فهي لا تستطيع أن تظهر له تجاوبها وانجذابها له في هذا المجتمع الفضائحي المحافظ . فكر بأن اتصاله بها سيثبت لها جديته وحسن نواياه . ازدادت دقات قلبه وهو يستمع لرنة الهاتف .. الأولى والثانية والثالثة . كان خائفا من أن لا ترد عليه لكنها أجابته :
    -آلو .
    تنفس الصعداء وهو يسمع صوتها ، فسألها بلهفة ممتزجة بالحذر :
    - مرحبا .. كيف حالك كاميليا .
    أجابت باقتضاب :
    -بخير والحمد الله .
    لم يحبذ إخبارها عن مشاعره وعن الغضب الذي يعتريه كلما تذكر ما قالته ، فقد كانت أول مرة يتصل بفتاة أنجذب لها وتصده. قال لها بتحفظ :
    - اعذريني على الإزعاج .. ولكن ..
    بلع ريقه وسكت ، شعر بأنه غير قادر على الكلام أمام صمتها فتنفس بعمق واستجمع جرأته وسألها :
    - أريد معرفة التخصص الذي ترغبين بدراسته ؟
    سألته باستغراب :
    - ولماذا ؟
    - تعرفين بأن القبول في جامعة الملك فيصل ليس سهلا .. لذا نحن سنتدخل في إتمام الأمر والباقي على الله ..أود أن أحقق لك أمنية تحملين بها فما يسعدك يسعدني بكل تأكيد .
    - شكرا .. لدى والدي واسطة جيدة .
    - زيادة الخير خيرين .
    اضطرت لإخباره بأنها تريد دراسة المختبرات الطبية وسكتت ، لكنه لم يستطيع لجم عنان مشاعره فقال لها بنبره مفعمه بالشوق والصدق :
    -ربما لاتشعرين بما يشتعل في قلبي من عاطفة أشعر بها للمرة الأولى في حياتي .. لا أعرف سببها وإلى ما تهدف .. إلى إني سعيد جدا
    لم يرد أن يقول لها بأنه يحبها رغم إيمانه العميق بذلك ، فكلمة الحب لها وقت وزمان وظروف معينة لم تأت بعد ، تذكر كلام ماجد بأن الاعتراف بالحب يحتاج إلى معاملة ( حكومية طويلة ومعقدة ) . سكتت كاميليا والدهشة من كلام عماد منعتها من التنفس براحة فبدا نفسها مضطربا وهي تستمع لحديثه المسترسل :
    - كنت أفكر بك البارحة طوال الليل وظلت أنتظر والدتي حتى تعود من حفل الزواج الذي تحضره وغفوت قبل وصولها .. سأخبرها اليوم .
    ظلت كاميليا ساكتة وهي ترتعش رعشة غريبة ، ليست رعشة خوف أو برد إنما رعشة مختلفة ، فباغتها بسؤاله :
    - كاميليا .. هل تسمعينني ؟
    - نعم بالتأكيد .. ولكن ..
    أحس بارتباكها فقال :
    - ولكن ماذا ؟!
    - لا تتقدم لخطبتي الآن .. دعنا نؤجل الأمر قليلا.
    أنتفض وقال بخوف :
    - ولماذا .. ما الذي حدث ؟
    أحس بأنه مشتت بين ما تقوله وبين قيادة فأوقف سيارته في جانب الطريق . قالت له:
    - والدي يرفض فكرة الزواج قبل إنهاء دراستي الجامعية .. وهذا مبدأ عنده ولا يمكن أن يغير رأيه .. هو يرفض الخطوبة أيضا فلقد رفض خطوبتي لابن عمي رغم اقتناعه به كزوج مثالي لي .

    ردحذف
  16. حاول أن يقنعها بأن رفض والدها لابن عمها لا يمنعه من المحاولة ، ولكنها فضلت أن لا تعرضه لموقف محرج . سكت للحظات ثم سألها :
    - وأنا .. ماذا عليّ أن أفعل ؟
    أخبرته بالحقيقة التي ستفيدها لتتيقن من صدق نواياه :
    - سأقول لك ما قاله والدي لعمي .. انتظرني حتى أتخرج من الجامعة .. صدقني هذا أفضل .
    - أنتظرك !؟ .. ولكن .. من هو ابن عمك ؟
    - لا عليك منه .. عليك من المبدأ نفسه ووالدي لن يغير كلامه .
    سادت لحظات صمت بدت طويلة قطعته تنهيدة خيبة أطلقها من صدره وتابع الصمت حتى قالت كاميليا :
    - أنا لا أجبرك على انتظاري فالأمر يعود لك.
    ارتفع صوته وهو يرى المرور تقترب منه :
    - بالطبع سأنتظرك .. أنا لم أصدق بأنني وجدت الفتاة التي أريدها شريكة لحياتي وهذا لم أحصل عليه بسهولة .
    طلب منها أن يظلا على اتصال، فهو يريد سماع صوتها وأخبارها والاقتراب منها والتعرف على شخصيتها فهما قد زرعا نبتة صغيرة في تربة صالحة وهذه النبتة تحتاج إلى العناية والماء والغذاء ، وختم كلامه :
    - دعيني أتعرف عليك أكثر .
    أعجبها كلامه فلطالما كانت قضية اختيار الشريك المناسب قضيتها وتأثرت بها وتبنتها منذ طلاق ناهد .

    **********
    تأفف وهو يفكر بالسنوات التي ستفصله عن كاميليا ، أربع سنوات بكامل شهورها وأيامها وساعاتها ودقائقها وثوانيها . فرك جبينه بإصبعه وفكرة أنها تكذب بشأن ابن عمها تنخر في عقله .لكنه تراجع عن ذلك بسرعة فلو أنها لا تريده فلا داعي لتجيب على اتصاله . وفجأة توقف عن التفكير لأن باب غرفته يطرق . دخلت أمه وهي ممسكة بكأس من الماء ، جلست بجانبه وقالت له :
    - أخبرني والدك بأن فيصل تحدث مع أحد معارفه من أجل التحاق نسرين وأمل بالجامعة .
    هز رأسه وطمأنها بثقة بأن كل شيء سيكون على ما يرام فالرجل نافذ وواسطته جيدة . شربت سميرة رشفة من الماء ووضعت الكأس جانبا وقالت :
    - إذا ظهرت النتيجة والتحقت نسرين بكلية الطب سأقيم حفلة كبيرة
    كان ذهنه مشغول بكاميليا وأمر تأجيل الخطوبة فلوى فمه وقال :
    - جيد
    عضت سميرة على شفتيها وقالت لابنها بحنق :
    - ولماذا تتكلم معي بدون نفس ؟
    أومأ رأسه نافيا ذلك ، فسألته إذا كان سيخرج مع ماجد الليلة فهي تعرف بأنه لا يحب الذهاب لمكتب والده كثيرا . تنهد بقوة وأجابها :
    - مزاجي سيء ولا يسمح لي برؤية أحد .
    رمت أمه بكأس الماء الذي بيدها وتساقط على رخام الغرفة وتحول إلى شظايا متناثرة وقالت لابنها بغضب :
    - ولماذا لا يسمح لك مزاجك؟ ..أنت لا تعجبني أبدا وتتصرف وكأنك مريض نفسيا.
    تنهدت وأردفت والدموع تملأ عينيها :
    - أنا تجاوزت أكبر معضلة صادفتني في حياتي كلها .. عندما قتل علاء أحسست بأن الدنيا بالنسبة لي انتهت وبأني لن أرى يوما سعيدا لبقية عمري ..ظلت خمس سنوات وأنا أتعذب وعندما أعدم ذلك البائس أحسست بالراحة وتجاوزت هذه المحنة بقوتي وصمودي .. عشر سنوات مضت وأنا مازالت أتذكر كل شيء وكأنه حدث البارحة لكني يجب أن استمر في الحياة من أجل أولادي وزوجي ..وهذا لا يمنعني من تذكر علاء والبكاء عليه يوما ..وأنت مازلت مكتئبا لانفصالك عن امرأة ستتزوج بعد مدة وجيزه.

    لم يتمكن من الرد على كلام أمه فظل ساكتا وهو يرى دموعها بدأت تترقرق من عينيها السوداويين التي ورث سوداهما عنها ، وأكملت تقول :
    - لا تحاول إيهامي بأن انفصالك عن سوسن ليس سببا لحالتك هذه
    أقترب منها وضمها إليه وهي تبكي على صدره ، فقال لها متأثرا :
    - كوني متأكدة بأن سوسن لا تعنيني البتة .
    مسح دموعها بيديه وقال لها مطمئنا :
    - لا تقلقي عليّ وسأتزوج بفتاة أفضل منها ولكن ليس الآن ..سأبدأ ببناء المنزل وسأؤثثه ومن ثم سأخطب الفتاة المناسبة ونتزوج بدون تأخير .
    زمت شفتيها وسألته:
    - ومتى ؟
    ابتسم وقال :
    -ربما أحتاج لأربع سنوات ليكون كل شيء جاهزا .
    - أنت تستطيع أن تنتهي من ذلك قبل أربع سنوات ..فلما الانتظار ؟
    قبل يدها وأجابها :
    - وهل تظنين بأني سأبني منزلا عاديا ؟!.. سيكون منزلي تحفة فنية تخطف الأنظار ..أريده أجمل بيوت القطيف لذا يحتاج وقت طويل .
    هزت رأسها وأخبرته بأنها ستخرج مع زوجة عمه وستطلب من الخادمة أن تأتي لتنظيف الزجاج المتناثر . خرجت أمه فأقفل الباب وأمسك بهاتفه ليتحدث مع كاميليا ولكنها لم ترد ، فبقي يتساءل ..لمذا لا ترد ؟ ومع من كانت تتحدث قبل قليل ؟ .. هل تشعر بالذي يشعر به وهو جالس لا يعرف ماذا يفعل ؟

    *****

    ردحذف
  17. نالت كاميليا مباركة ناهد التي تلت عليها ما قاله جبران خليل جبران (إذا أومأ الحب إليكم فاتبعوه ، وان كان وعر المسالك ، زلق المنحدر . وإذا بسط عليكم جناحه فاسلموا له القياد ، وان جرحكم سيفه المستور بين قوادمه ) . فكرت بعماد وبالسنوات التي ستفصلهما ، وتخشى أن تأخذه هذه السنوات بعيدا عنها فليس بينهما رابط أو وعد ، فهي سمعت عن الكثير من العلاقات التي دامت أقواها سنة . ودائما ما تكون علاقة عبثية قائمة على التسلية والفراغ القاتل لفتاة وشاب لا يجدا ما يفعلاه في حياتهما . لم تسمع بعلاقة حب حقيقة . علاقة صادقة بين قلبي عاشقين تحلم بها أي فتاة وتعرف بأنها لن تجدها وفي الآخر ستزوج بطريقة تقليدية بكل تأكيد . لم تكن مدركة لما تشعر به ولا التفكير الذي يسيطر عليها ليلا ونهارا . وفجأة فكرت بوالدها العصبي المزاج الذي يخفي طيبته عنهم . ماذا لو عرف بأنها تتحدث مع شاب فماذا ستكون ردة فعله . لو عرف أن بنات القطيف اللاتي لهن علاقات مع شباب ازددن واحدة . لم ترد أن تتخيل ما الذي يمكن أن يفعله بها وتوقفت عن التفكير عندما وصلت نسرين وخرجت معها .

    قضت وقتا طويلا مع أمل ونسرين في التسوق ولم تذهب سماح المتأزمة بسبب موقف عائلتها وأخوتها من حملها . عادت إلى المنزل قبل أن ينتصف الليل فغدا ستذهب إلى الجامعة للتسجيل وسيصطحبها والدها بنفسه .جلست في غرفتها الزهرية اللون كأحلامها التي اصطبغت باللون ذاته عندما رأت عماد لأول مرة ، قالت لأختها وهي ترتب أوراقها في ملف أخضر :
    - لقد أخبرت عماد بأن والدي رفض خطوبتي بابن عمي قبل أن أنهي دراستي الجامعية .. وعليه أن ينتظرني إذا كان جادا فيما يقول .
    تنهدت وأردفت:
    - أنا لاأعرف ماذا أفعل ؟..بقيت أفكر به وأنا مع نسرين وأمل ..صورته لا تفارق مخيلتي ..ماذا لو عرفت نسرين بما بيننا ؟

    اقتربت شذى منها وحذرتها من إخبارهما فهما ستنتقدانها بكل تأكيد فدائما ما كانتا توبخان سماح لعدم تحفظها في علاقتها مع خطيبها . حتى كاميليا كانت مثلهما بالأمس القريب ولكن عماد غيّر كل أفكارها . رتبت أوراقها وكتبت موافقة ولي الأمر مطلوبة ووقعتها نيابة عن والدها وهي تشعر بالسخافة . رن هاتفها وكان عماد هو المتصل ، كانت متلهفة على الرد، فردت:
    -آلو
    جاءها صوته مفعما باللهفة والقلق فلقد اتصل بها مرتين ولم تجبه ، قال لها :
    - أين كنت يا كاميليا؟
    ابتسمت وهي تستشعر قلقه عليها ، فسكت للحظة ومن ثم قال :
    -هل تفكرين بي كم أفكر بك؟..لا أعرف ما الذي يحصل لي منذ ذلك اليوم الذي سمعت فيه صوتك بالصدفة . لا بد أنني موعود بك.
    كانت تصغي له وهو مسترسل في الكلام :
    - سأنتظرك حتى تنهي دراستك ..ولن أضيع الوقت فلدي قطعة أرض قريبة من منزل والدي و سأبدأ بالتخطيط لبنائها ومن ثم تأثيثها لتكون جاهزة ونتزوج بعد تخرجك مباشرة .. هل أنتِ موافقة ؟
    وافقته وهي تتذكر ناهد عندما قالت لها ( عيشي لك يومين حلوين ) ، وبتردد طلبت منه أن لا يخبر أحد بشأنها وأن تبقى سرا في حياته لا يعلم به أحد ، وسكتت للحظة ومن ثم قالت له بأنها تقصد نسرين وأمل .
    -آه..عماد غير..كامل والصلاة على محمد.
    تنهدت وقالت ذلك لأختها بعد أن أنهت حديثهما معه ، فسألتها شذى :
    - ليش غير ؟
    راحت تشرح لأختها ما تقصده ، فسألتها بفذلكة :
    - ما هي طموحات أي شاب قطيفي ؟
    - فلوس ..سيارة..مغازلة البنات ..والزواج من قطة مغمضة تطيعه حتى لو طلب منها أن ترمي نفسها في البحر .
    وافقتها وزادت على ذلك بأن الشاب أيا كان ، يقضي فترة المغازلة في القطيف وضواحيها إذا كان فقيرا ، وإذا ظروفه أحسن بقليل تجده يتأبط ذراع الروسيات في البحرين ودبي ، ويمشي بثوبه وغترته ومعه شقراء بتنورة قصيرة تشاركه العشاء والسهرة والفراش . وتجدينهم في القاهرة والمغرب ودمشق وبيروت أيضا وإذا كان ثريا فيسافر إلى لندن و(ادجوار رود ) يغص بهم ، إلى أن وصل الإيدز القطيف ببركتهم . أغمضت شذى عينيها وقالت بقرف:
    - وع .. الله يغربلهم .
    - لهذا أنا أحب عماد ومتمسكة به .. نبيل ونظيف ورومانسي..وأنا أستحق واحد مثله .
    إذا الرجل المطوّع أفضل ؟
    - كلا .. فهذا يعرف الكثيرات ولكن بزواج المتعة ..تجدينه يتنقل من امرأة مطلقة لأخرى أرملة بموجب ورقة يكتبها له شيخ ..وآه من الشيوخ ومن ورائهم .
    قاطعتها بانفعال : - لا الصايعين ولا المطوعين .. والحل ؟
    - أن نتعرف على النصف الآخر جيدا قبل الارتباط به..أعرفيه وأفهميه وأحبيه .. علمونا أن الرجل هو العدو علينا الابتعاد عنه وهنا مربط الفرس.
    كانت كاميليا مقتنعة بأن سياسة الفصل التام بين الجنسين المفروضة هي سبب المشاكل العائلية والزوجية والحياة العامة . فالرجل لا يعرف بمن سيتزوج سوى صورة عارضة أزياء جميلة رآها قبل عقد قرآن . والمرأة تتزوج برجل بمواصفات عنترة بن شداد وتكتشف لاحقا أن قلبه قلب بعوضة . لقد أبعدوا المرأة وهمشوها وظلموها عندما قرروا أن يكون صوتها ووجهها واسمها وعملها ووجودها في الحياة العامة عورة .




    @@@@@@@@@@@@@

    ردحذف
  18. الفصل السابع

    أستيقظ عماد من نومه ، صلى وبدل ملابسه وتوجه للصالة لم يجد أحد . أتصل بأمه فأخبرته بأنها بصحبة زوجة عمه في منزل إحدى الصديقات ، وبعدها ستذهبان لمنزل عمته فلقد رجع "عصام وريم " من كندا فجر اليوم وطلبت منه أن يأتي لرؤية عمته التي قرت عينيها بعودة ولديها التوأم . راح يبعث في جواله وأرسل لكاميليا رسالة نصية (أصبحت الحياة في نظري جميلة منذ اعتلائك عرش قلبي ..أيامي رائعة منذ رأيتك ..وأصبح لعمري ثمن غالي ) . ذهب مع ماجد إلى سوق السمك فهو يحب شراء سمك الهامور والكنعد الطازج ، ومن ثم دعه ليذهب لمنزل عمته . استقبلته عمته بعناق حار وعاتبته على عدم زيارتها ، لكنه استطاع التملص منها بحجة انشغاله بالعمل . جلس يتحدث مع عصام الذي استأذنه لاستقبال أحد أصدقاءه ، فأمضى الوقت يتحدث مع ريم مما لفت نظر أمه التي لم تخفِ إعجابها بريم خريجة كلية الطب من أعرق جامعات كندا.

    قضى بعض الوقت في منزل عمته ومن ثم عاد مع أمه التي أبدت له رغبتها الملحة في قبول نسرين في كلية الطب ، وتذكر ردة فعلها عندما تراجع عن السفر للدراسة في أمريكا بعد مقتل علاء ، كانت غاضبة ومصدومة وحزينة ويومها اتهمت والده بأنه من حرضه على التراجع . خشي أن يتكرر الأمر ولكن بصورة مختلفة قليلا فوالده يرفض خروج نسرين من المنطقة الشرقية للدراسة .أبتسم عماد وطمأنها :
    - سيكون كل شيء على ما يرام .. ونسرين أجابت على أسئلة امتحان القبول بطريقة جيدة .
    تنهدت سميرة وقالت:
    - لا تأخذ كلامها على محمل الجد ..لقد كانت تقول بأنها تجيب على أسئلة الامتحانات الثانوية بشكل جيد ومن ثم تكون نسبتها أربعة وثمانون بالمائة فقط ..وأمل لا تفرق عنها كثيرا .. كاميليا أحرزت ثمانية وثمانون ..وسماح المشغولة بخطيبها تفوقت عليهن وأحرزت ثلاثة وتسعون .

    استأذن أمه وصعد لغرفته ليتصل بكاميليا ردت بصوتها الرقيق ، فقال لها بسعادة لم تخلو من العتب :
    - ألم ترِ الرسالة التي أرسلتها .
    أعجبتها كلماته وشعرت بأن لها موسيقى رائعة ، وأكثر ما أعجبها هو اعتلائها عرش قلبه ، فسألته بدلال :
    - وماهي مدة اعتلائي العرش ؟
    - أنتِ الملكة ..وهواك سلطان علي وعلى قلبي مدى الحياة ..منذ العام 1999 وحتى النهاية.

    تحدثا عن بداية تعارفهما وكيف جمعت بينهما الصدفة . ضحكت وسألته ما الذي جذبه لصوتها تلك الليلة بالذات وهي صديقة أخته منذ الطفولة .عرفها طفلة وفتاة مراهقة وأحبها شابة صغيرة تصغره بثمان سنوات . سألها إذا ما لفت انتباهها قبلا فقالت له بعفويتها المعهودة بأنها لم تفكر به كرجل يوما وربما فارق السن هو السبب . فعندما كانت طفلة كان مراهقا ،وكبرت وهي لا تراه كثيرا رغم ترددها الدائم على منزل والده . عندما نظر إليها تلك الليلة بتأمل بان واضحا في نظراته التي أغضبتها أحست بأن شيئا ما قد تغير فيها وانجذابها له كان قويا . قالت له:
    - جذبتني عيناك السوداويين وقوتهما وشخصيتك الرصينة وثقتك بنفسك ..لطالما أحببت الارتباط برجل رزين ولم أحلم بمن يكرني بعامين أو ثلاثة ويكون مراهقا بعد .
    كان يود أن يقول لها بأنه يحبها لكنه وجد صعوبة في قولها صريحة ، فلم يقلها لأحد أبدا .بدأ حدثيه:
    - أشعر براحة وأنا أتحدث معك ..
    بلع ريقه ثم قال:
    - أنا ..
    توقف للحظات قبل أن يتم عبارته ، ثم قال:
    - أنا أحبك.

    ردحذف
  19. شهقت كاميليا ولكن بصمت. شعرت بأنها تحلق في السماء وتطير بغير جناحين ، لم تسمع ما قاله لها بعد ذلك .أنهت حديثها وركضت إلى أختها تخبرها بالحدث الأهم . أعترف لها عماد بحبه ، وهي الآن لا تعرف ما الذي تحسه نحوه . تتوق لرؤيته ولعناق عينيه فهو صاحب أجمل عينين سوداويين رأتهما في حياتها . ربما تحبه ولكنها ظلت تشك ولذا طلبت من ناهد الاتصال به واختباره . وعندما نجح في الاختبار بعدم قبوله دعوة ناهد للتعارف وأغلق الخط فرحت كثيرا . طارت من السعادة عندما أتصل بها يخبرها بقدومه ليحضر لها شيئا لم يخبرها ماهيته . اختارت له وقتا يكون فيه والديها خارج المنزل وطلبت من الخادمة أن تفتح له الباب . كانت سعيدة بهديته ، قنينة عطر "ألور" من شانيل ، وباقة من ورود الكاميليا البيضاء كتب على البطاقة المرفقة (الكاميليا ملكة الورود وأنتِ ملكة حياتي ..أحبك كثيرا وعلى الوعد سأبقى ).

    شعرت بمصداقيته ونبله عندما قبلت مع صديقتها في كلية العلوم الطبية لدراسة مختبرات ، لم تكن قادرة على التعبير عن سعادتها فقد وفى بوعده .لابد أنها موعودة به وبأن السعادة ستعيشها بجانبه . شغلت المسجلة التي أذاعت لها صوت نجوى كرم في أرجاء غرفتها وراحت ترقص بفرح أمام المرآة حتى تعبت .

    "كنت صغيرة وكان يوصيني بيي
    صرت كبيرة وعم بمشي ع الوصية
    إذا بعشق ..بعشق مضبوط
    ما بغلط لو بدي أموت
    سموني الوفية.."

    اتصلت به تشكره والامتنان يغمرها . شعرت بأنها تحبه وتجرب طعما لم تذقه قبلا وتحسه تحت لسانها كطعم العسل . لم تغمض عينيها من السعادة وظلت تتحدث مع أختها حتى وقت متأخر ولم تنم إلا بعد شروق الشمس . استيقظت ظهرا على اتصال أمل تخبرها بذهابهن إلى منزل سماح لوداعها ففجر الغد تسافر . كان الوداع كئيبا وسماح حزينة وتشعر بالنقمة على الدنيا كلها ، ابتداء بإخوتها ونهاية بالمجتمع بأكمله فلو عرف أحد بحملها لأصبحت حديث الناس.

    ردحذف
  20. لفصل الثامن

    جامعة فيصل ، حلم الصديقات الثلاث نسرين وأمل وكاميليا . ظلت نسرين معهما ولم تفلح محاولات أمها في جعلها تدرس الطب خارج المملكة . افتقدن سماح بعد أن سافرت مع زوجها إلى "ميتشغان" للدراسة . أصبحن ثلاثة فقط كما كنّ قبل أن يتعرفن عليها في الصف الثاني ثانوي . ارتبطت بهن كثيرا خلال العامين الماضيين وما أن ابتعدت حتى خف وهج هذه الصداقة . كانت تتصل بهن بين وقت وآخر وسرعان ما تناقصت مكالماتها تدريجيا حتى انقطعت بعد مرور ستة أشهر على سفرها .

    أحست كاميليا بالغربة في عالم منفتح ومختلف عن المدرسة ووجودها مع صديقتيها خفف من وطأة هذا الشعور عليها . بدأت تتغير يوما عن يوم ونسرين وأمل لاحظتا تغيرها وقالتا لها عدة مرات (نرى عينيك ترقصان يا ملعونة والسبب إما الحب ،أو الهبل ). كانت تتساءل دائما وهل ترقص العينين على إيقاعات القلب ؟ .. يا لهاتين العينين الفاضحتين والثرثارتين . أخبرتا الجميع دون إذن صاحبتها بما حدث في ذلك القلب الصغير، لم تكونا أمينتين عليها وعلى قلبها أبدا . كانت تتساءل باستمرار ، ما الذي حدث لها وكيف غزا عماد قلبها وأقتحمه بهذه السهولة . لماذا لم تقاومه كما يقوم أبناء الوطن الأوفياء الغزاة الغاشمين . كيف وصل لقلبها وعقلها وأحتلهما ورفع راياته على حياتها بهذه السرعة. ما هي قدرة أسلحته التي لم تستطيع التصدي لها فهو لم يستخدم غير اللطف واللباقة وجاذبيته العجيبة وعينين سوداويين غامضتين وآسرتين .

    توطدت علاقتها بعماد أكثر ، وأصبح يتصل بها مرتين يوميا في اليوم يخبرها عن يومياته وعن عمله وعن حياته التي تغيرت منذ سمع صوتها لأول مرة، وتخبره هي عن دراستها ومحاضراتها . كان يجلب لها الكتب الدراسية الغير متوفرة في المكتبات المحلية يطلبها من الرياض أو الأردن وأحيانا من أمريكا لأخته وابنة عمه ولها. وسرعان ما زادت عدد المكالمات وبدأ يخبرها عن حياته وأفكاره وخططه المستقبلية . كانا يتحدثان عن نفسيهما وشخصيتهما . تعرفت عليه أكثر وأخبرته عن حياتها ووالديها وأختيها .فهي ابنة عائلة نصف متحررة كعائلته بالنسبة لعموم مجتمع القطيف المغلق أبو وجه ووجه ، تبيح أمور ولا تغفر أمورا أخرى . والدها أحد وكلاء الأجهزة الالكترونية يسمح لها بالخروج مع سائقها لأي مكان تريده وحدها أو مع أختها أو مع صديقتيها حسب مزاجه . يسمح لها بكشف وجهها والتنزه في الأسواق والذهاب إلى المطاعم والمقاهي التي بدأت تنتشر في الخبر و الدمام ، ولا يسألها عن مكان ذهابها . والدها المتفتح في الكثير من الأمور ، لن يغفر لها لو تعرفت على أحدهم وارتبطت به بأي علاقة مهما كانت . كان يحذرها دائما من العلاقات المختلطة وخاصة بعد التحاقها بكلية العلوم الطبية وهو مجال تحتك فيه بالرجال العاملين في الحقل الطبي،ويردد على مسمعها هي وأختها بأن الذئب لا يؤتمن على الغنم أبدا . كانت دائما ما تفكر بأن والدها لو عرف بشأن اتصالاتها بعماد لأخرجها من الجامعة وحبسها في المنزل .
    أحبت دودي (عماد) كثيرا كما تحب أن تدلّله ، من شدة تأثرها بقصة حب الأميرة ديانا والمصري عماد الفايد والتي أدت لمقتلها . لم تكن سعيدة فقط بوجوده في حياتها ، بل كانت منتشية والسعادة لا تستوعب ما تشعر به . كانت تحبه كل يوم أكثر كلما أثبت لها صدق نواياه وجديته معها وأبعد عنها طيفا من شكوكها الطبيعية التي تنتاب أي فتاة تتعرف على شاب في مجتمع مغلق بشبكة حديدية أكلها صدأ أبهرها برقته ورجولته وتفتحه لم تستطيع غير الوثوق به وتصديقه ولم يبقى في عقلها أي نوع من الشكوك . كيف تشك به وهو الذي ساعدها في القبول في الجامعة . وعندما أخبرته عن بيت الأحلام الذي تريد العيش فيه ، أرادت بيت أسطوري على هيئة بنائين متداخلين تفصلها حديقة داخلية ووافقها وذهب لاستشارة العديد من المهندسين لتنفيذ هذه الفكرة وكان مستعدا لجلب مهندسين من الخارج لو لزم الأمر.

    ردحذف
  21. حبته بطريقة لم تتخيلها ولا تستوعبها ولا تصدقها . لم يطرأ على بالها بأنها ستحب رجلا يوما ما بهذا القدر. كانت متيقنة بأنها ستتزوج من رجل تعرفه منذ أن يتقدم لخطبتها ، وإن عرفته قبلا فستراه بالصورة المثالية التي يحاول إي شاب سعودي رسمها لنفسه . رجل طموح ومثالي يقدر المرأة ويقدس الحياة الزوجية وتنكشف صورته الحقيقة المختلفة مع الوقت . في فترة الخطوبة سيختار صورة السوبرمان صاحب البطولات الخارقة والقدرات العجيبة في الحياة والمواقف ، والشهم والنبيل والمستعد بالتضحية بحياته من أجل حبيبته .أو الدون جوان صاحب العلاقات الكثيرة ترتمي الفتيات بين قدميه وهو يختارها من بينهن كقصة حب سخيفة لم يسمع عن غيرها في حياته . كانت تتمنى أن تحظى على الأقل بالمثالي وتحبه منذ أن يتقدم لخطبتها كما كانت ترى البنات التي تعرفهن ، حيث يصبح أسمه الحبيب منذ أول يوم تراه فيه . وبعد عقد القرآن تنشأ قصة حب خرافية وغريبة بين يوم وليلة ، وترغم نفسها على التصرف كعاشقة في فترة الخطوبة . كانت تكره صاحب البطولات المزيفة كما تكره اللاهث وراء النساء . كانت مؤمنة بأن قصص الحب الحالمة التي تشاهدها في الأفلام وتقرأ عنها في الروايات لا يمكن أن توجد في السعودية وفي القطيف تحديدا.

    اشد ما تكره الزواج برجل ازدواجي كغالبية الرجال الذي يظنون أنفسهم حراسا للفضيلة . يثابرون على صلاة الجمعة ، ويحرمون الغناء ، ويلوكوا عرض الفتيات كل حسب هواه ويتحكموا بلباسهن ، فمنهم من يرفض عباءة الكتف ومنهم من يرفض كشف الوجه ، أو عمل الفتاة المختلط بحجة العادات والتقاليد التي يجب أن تداس بحذاء ذو كعب عالي برأيها . وما أن يصبحوا في الخارج تجدهم يتلذذون الشرب في المراقص ، وينثرون الورد على أجساد الراقصات ، ويلعبون القمار في الكازينوهات ويرتادوا الفنادق المشبوهة ، حتى عندما يسافرون إلى سوريا لزيارة السيدة زينب نهارا تكون للسهرات والحفلات نصيب في الزيارة أيضا ولكن في آخر الليل ، بعد أن ينام الدين والعادات والتقاليد المطبقة على النساء فقط داخل البلد .

    كانت تشك بوجود حب في بلادها ، تشك بوجود مشاعر تجتاح قلب الإنسان وتغير أفكاره وحياته . مشاعر قوية وغير مفهومة كالتي أصابتها منذ رأت عماد في ذلك اليوم . لم تدرك وقتها بأنه الرجل الذي سيلغى كل أفكارها القديمة وسيحيل كفرها بالحب إلى إيمان لا تشوبه شائبة من الشك ، فهو سحر لم تستطيع فهمه وتفسيره وفكه . وعندما فاجأها بأولى هداياه عطر "ألور " وعبرت له عن إعجابها به أصبح يضيفه لأي هدية أخرى يجلبها . لديها العديد من زجاجات العطر وآخرها أحضرها في علبة أنيقة ضمت زجاجات العطر وساعة ثمينة أخرجتهما من بين أوراق الورد الملونة في تلك اللعبة . بدت متغيرة ، ساهمة وابتسامة الحب البلهاء تزين وجهها دائما ، وتتحدث طويلا عبر الجوال وكلما اتصلتا بها صديقتها تخبرها النغمة بأنها تتحدث . كانت سعيدة وتغني لفيروز دائما وهي التي تحب نجوى كرم بصوتها الجبلي ومواويلها وعنفوانها ، وكثيرا ما سألتاها صديقاتها إن كانت تعرف أحدا ، أو تحب أحدا ..تنفي ذلك ولكن انفعالاتها وتصرفاتها تكذبانها على الدوام . أصرت على جعل علاقتها بعماد سرية ليكون لها طابعا خاصا . لم تخبر أحدا غير ناهد التي باركت لها هذا الحب لم ترد اكتساب سمعة سيئة كالبنات اللاتي يتفاخرن بمعرفتهن فلان وعلان .أو تسجيل نفسها في موسوعة زميلتهن سعاد الذي تجمع فيها اسم كل فتاة بخويها أو صاحبها .أرادت جعل حبها مثالا جيدا لما يجب أن يكون عليه الحب في القطيف والسعودية ، فليست كل العلاقات عبثية ومصيرها الفشل أو الوقوع في الأخطاء وتجاوز الخطوط الحمراء . كانت فرحة لأن حبها طاهر وهي تغالب نفسها ولهفتها لحبيبها وترفض لقاءه في أي مكان عام.

    ردحذف
  22. الفصل التاسع


    يوم شتائي بارد من أيام شهر فبراير والسماء ملبدة بالغيوم وكاميليا جالسة مع صديقاتها بسعادة في كافتيريا الجامعة المتواجدة في الطابق الثاني من المطعم . نظرت إلى الطالبات وهن يتحركن في جميع الاتجاهات ويدخلن إلى المباني المختلفة بعد أن بدأت السماء تلقي بالقليل من قطرات المطر المنعشة . احتست الشاي الساخن الذي تتلذذ به شتاءا وقالت بابتسامة :
    - هذا أول شتاء لنا في الجامعة ..وأريد أن أمشي تحت هذا المطر المنعش
    - ستبتلين ..وربما تمرضين أيضا .
    وضعت دفترها وأقلامها في حقيبتها وقالت لهما بابتسامة وهي تنظر لنفسها في المرآة بأن المطر لا يبللها . وضعت القليل من عطر "ألور" خلف أذنيها ونزلت بسرعة لتستمتع بهذه الزخة المنعشة من قطرات المطر . وحالما ابتعدت عنها شربت أمل رشفة من الشاي وقالت لنسرين بتعجب:
    -لا يبللها المطر .. بعلمي إنها لا تحب كل ما هو شتائي .. هي غربية الأطوار وتخفي عنا شيئا ما .
    وافقتها نسرين وذكرتها بأن عماد ولد في يوم ممطر ولذا هو يحب الخروج تحت زخات المطر الخفيفة والمنعشة دائما يقول بأن المطر لا يبلله . كانت متأكدة وهي تقول :
    -أصبحت ألاحظ عينيها وهما سعيدتين والحب هو السبب .. ولكن تحب من يا ترى ؟.. فهي لا تطيق أبناء عمها ..حتى ناصر الذي يريد الزواج بها ..وليست لها أي قرابة أخرى وأشقاء ناهد كلهم كبار ومتزوجون ..أراهن بأنها واقعة في حب أحدهم .

    ظلت كاميليا تتمشى وحدها والسماء ترشها بقطرات مطر خفيفة وهي تفكر بعماد وقلبها يرقص من حبها له . كانت سعيدة ولا تجرؤ على البوح بمشاعرها الصادقة لصديقتيها المقربتين ، وتود لو تصرخ تحت المطر بذلك دون أن يعتبرها أحد مجنونة . توقفت السماء فجأة عن إنعاشها بقطرات المطر ، فنظرت إلى ساعة يدها المشيرة إلى العاشرة وهو وقت المحاضرة . مشت ببطء متجهة نحو المبنى الرئيسي . استوقفتها أمل ونسرين اللتين جاءتا خلفها بسرعة ، وقالت لها أمل بخبث :
    - لقد تبلل شعرك ..لم أعهدك تحبين المطر هكذا !
    ابتسمت وقالت وفي عينيها بريق خاص :
    - أنا أحب المطر وكنت أتمنى لو ولدتني أمي في يوم ممطر .

    تبادلت نسرين وأمل النظرات باندهاش ،ورفعت كاميليا شعرها البني الداكن وذهبت معها إلى القاعة بعد أن خبأت صورة عماد في قلبها بدلا من عينيها حتى لا يراه أحد. تذكرت كيف كان ينظر لها عندما كانت في سيارته وصوت فيروز يصدح بسعادة ، وراحت تدندن :
    - كان الزمان وكان في دكانة بالفيّ ..وبنيات وصبيان نجي نلعب ع الميّ.
    فتحت ذراعها لعناق لفحة هواء باردة وهي تغني :
    - لالالا لا ..لالالا لا أوعى تنسيني وتذكري حنا السكران.
    تبادلت نسرين وأمل النظرات باستغراب من تصرف صديقتها ، فسألتها أمل :
    - ومنذ متى تحبين فيروز وتغنين لها ؟.. وحنا السكران بعد .
    ضحكت وأجابتها :
    - أحبها من زمان .
    ابتسمت أمل وقالت بمكر :
    - بعلمي تحبين نجوى كرم ..ولم تكوني تغنين غير "ما بسمحلك "و"روح روحي "ومؤخرا "عيون قلبي" ..ستغضب منك نجوى كثيرا . ظلت كاميليا ساكتة وعلى وجهها ابتسامة غامضة ، فضحكت نسرين وقالت:
    - يا لعينة أنتِ متغيرة وتخفين عنا شيئا ما.
    وراحت كاميليا تكمل دندنتها بنشوى:
    - حلوة فبيت الجيران راحت في ليلة عيد ..وأنهدت الدكان وأتعمر بيت جديد.. وبعدو حنا السكران على حيطان النسيان .. عم بيصوّر بنت الجيران.
    أمسكت نسرين بذراعها وقالت :
    - دعينا نذهب للمحاضرة فالدكتورة جويرية لا تتأخر ..بلا حنا السكران بلا خرابيط.

    ردحذف
  23. جلست في آخر القاعة وهي تردد اسم عماد في قلبها . تحبه وتراه جاد في حبها ولا تستطيع التشكيك في صدقه، كانت تحبه كثيرا وتتساءل دائما إذا كان يحبها بالقدر الذي تحبه هي أو أقل أو ربما أكثر . عماد الذي أخبرها بأنه يراها حبيبية وزوجته وأم أولاده ، وشرع في بناء المنزل الذي أرادته . كانت فرحة سعيدة جدا لموافقته على فكرتها ووعدها بتنفيذها بلا تردد.تأكدت من حبه لها وهي سعيدة بهذا الحب ودائما تتساءل عندما تنفرد بنفسها ليلا على الوسادة (ألهذا الدرجة تكون
    الحياة كريمة معي فتمنحني رجلا يحبني بهذا القدر؟!..ومنذ وعده لي بانتظاري حتى انتهاء دراستي وهو لا يتواني عن الاتصال بي والسؤال عني ومساعداتي بالقدر الذي يمكنه بعيدا عن عيون جميع الناس . آه يا عماد .. كم أنت رجل نبيل وكم أحبك وفخورة بك .. لم تتوانى عن بناء منزل الزوجية الذي أردته أنا ولا روابط رسمية بيننا ..الروابط التي يعترف بها الناس وأنا متأكدة أن ما بيني وبينك أقوى من كل الروابط فبيننا حب كبير لم اقرأ عنه ولم أسمع عنه قبلا .. وهذا يكفي )

    تنبهت والدكتورة جويرية تناديها وتطلب منها الإجابة على سؤال طرحته . تلعثمت وسكتت بخجل والدكتورة تقول لها بلهجتها السودانية المحببة :
    - الظاهر أنك وصلتِ للغريقة ..وأنا عمالة أشرح من الصبح وأنتِ مو معايا .
    أحست بخجل وزميلاتها ينظرن إليها وهن يضحكن ، فعماد أخذ الجزء الأكبر من تفكيرها .

    ردحذف
  24. الفصل العاشر.




    "عندي ثقة فيك.. عندي أمل فيك
    وبكفي شو بدك يعني أكثر بعد فيك ؟!
    عندي حلم فيك .. عندي ولع فيك
    وبكفي شو بدك انو يعني موت فيك ؟!"

    استلقت كاميليا على سريرها بعد منتصف الليل تستمتع للاسطوانة التي أهداها إياها عماد . كانت تفكر بما قاله لها البارحة في مكالمتها الرابعة أو الخامسة أو ربما أكثر فهي غير متأكدة من عدد المكالمات بيتهما في اليوم والليلة . طلب منها اللقاء بعيدا عن اتفاقهما بالاكتفاء بالهاتف كرابطة الوصل الوحيدة . قال لها بشوق بالغ ( أرجوكِ وافقي ودعينا نلتقي في أي مكان عام كأي متحابين على هذه الأرض..لن أكلكِ ولن أخطفكِ)

    ترددت كثيرا ، كانت تريد لقاءه والخوف يمنعها . تخاف من والدها لو علم عن علاقتها به فماذا سيفعل . تخاف من المغامرة والدخول في متاهة اللقاءات العاطفية ، وتذكرت ما قاله أحد رجال الدين في إحدى محاضراته عن هذا الموضوع . قال بأن الحب كعاطفة ومشاعر قلبية أمر مباح ، ويصبح محرما عندما يتحول إلى أفعال وممارسات ، كلمسة اليد والقبلة والعناق فربما يؤدي إلى ارتكاب معصية لا تحمد عقبها . كانت تريد لحبهما أن يبقى طاهرا وحلالا بلا ريبة . ولكن بلوغ هذا الحب عامة الأول أصبح عماد يطلب منها اللقاء في الأماكن العامة ولو مرة كل شهر ،فرؤيتها من بعيد عند باب البيت أو في السيارة لا تكفيه .
    ظلت تفكر بنشوى في هذه العاطفة التي تتملكها نحو عماد وتجهل كيف بدأت وأثرت بها بهذه القوة حتى أخرجها عمادها من دوامة الأفكار باتصاله . أجابته وهي مستلقية على فراشها وعينيها تتجولان في جدار غرفتها الزهرية ، قالت له بنعومة :
    - كنت أفكر بك.
    - أخبرني حدسي ولذا اتصلت بك .
    ضحكت وسألته :
    - ومنذ متى حدسك يخبرك عني ؟
    سكت للحظات مترددا فيما يود قوله . كان مشتاقا لرؤيتها فطلب منها ملاقاته في أي مكان هي تريده ، وأقترح عليها تناول العشاء في أحد المطاعم العائلية أو أحد المقاهي في الخبر فرفضت بحجة المسافة ، وعندما عرض عليها اللقاء في مطعم المجمع التجاري على الأقل سألته بدلال :
    - وكيف نذهب سويا ؟!
    حاول أقناعها فراح يخبرها بأن جلساته العائلية هادئة وسينتظرها في مواقف السيارات وتأتي في الموعد ويدخلا سويا . سكتت فقال لها:
    - لا تعتذري حبيبتي ..سأنتظرك مساء الغد في الساعة الثامنة.


    لم تنم تلك الليلة وهي تفكر بعماد وبلقائهما الأول وتخاف لو رآها أحد أو علم والدها بأي طريقة فهو قادر على ذبحها . أوصلها سائقها قبل الموعد وجلست تنتظره في سيارتها . كان قلبها يدق بقوة وهي تنتظره وتفكر في والدها لو عرف بأنها جالسة في هذا المكان لتواعد حبيبها ، تنتظر عمادها الذي أفقدها صوابها . أقصت والدها عن أفكارها وفتحت حقيبتها وأخرجت المرآة وراحت تصحح الكحل الأسود ، وتضع على شفتيها أحمر الشفاه اللامع . رشت القليل من عطر "ألور " على جانبي حجابها وفي معصميها . جاء عماد على الموعد فترجلت من سيارتها لاستقباله والدخول معه في قسم العائلات في الطابق الثاني من المجمع. كانا صامتين وساكنين وأول ما فعله هو الإمساك بيدها برقة أظهرت حبه و اشتياقه لها ، فمنذ أكثر من سنة وهو لا يراها سوى من بعيد في منزلهم ، وأحيانا تمر عدة أيام لا يراها فيضطر إلى انتظارها بالقرب من منزلهم ليراها وهي تهبط من السيارة وتدخل متظاهرة بعدم رؤيتها له.تذكرت كلام الشيخ ، وأرادت أن تبعد يديها عن يديه ولكنها لم تستطيع . شعرت بأنها معه مسيرة لا مخيرة . قال لها بابتسامة :
    - أنا أحبكِ كاميليا.. وسعيد جدا لوجودنا معا.ِ
    أكتفت بابتسامة خجولة فقال لها وعينيه السوداويين تتفحصان وجهها بشوق:
    - أنتِ جميلة جدا .
    وبصوت منخفض وخجول قالت:
    - دودي ..وكأنك تراني لأول مرة .
    كانت هذه أول مرة يراها بهذا القرب بعد سنة وعدة أشهر . بدت عينيها ذابحتين والكحل يعطي نظراتها عمقا خاصا . توقفت عن الكلام للحظة والابتسامة تعلو وجهه ثم قال:
    - عندما سمعت صوتك لأول مرة رسمت لكِ صورة مختلفة ..وعندما عرفت بأنك كاميليا تذكرتكِ وأنتِ طفلة ..أنتِ الآن أجمل بكثير . استرسل في غزله:
    - وحبة الخال في زاوية فمك تقتلني .. أنتِ تبدين كقطعة سكر .

    هددته بدلال بأنه ستخرج من المطعم إذا واصل كلامه وغزاله الذي لم يفتعله ويقوله بتلقائية .. سكت وهو يتفحص وجهها الحبيب بلهفة ، ويمسك بيدها بحب ورقة ، وعندما رفع يده وقربها لشفتيه ليقبّلها ، سحبت يدها فهذا ما كانت تخشاه . لمسات وقبلات ويصبح الحب الطاهر الذي تتفاخر به نوع آخر . قال لها بابتسامة :
    - حتى لو لم تسمحي لي بطبع قبلة على يدك الناعمة فأنا أضمكِ وأعانقكِ بعينيّ.

    ردحذف
  25. وجاء النادل يجلب لهما الكولا المثلجة وقطعتين من الكعك . بسط عماد يده على الطاولة فأمعنت النظر ليده ولفت نظرها أصبعه الخنصر المزين بخاتم فضي به حجر أحمر اللون . سألته :
    - خاتمك جميل .. ما لسم هذا الحجر الكريم ؟
    أجابها وهو يحرك خاتمه المزين بالياقوت الأحمر الذي يلبسه دائما ويتفاءل به، ويعتقد بأنه يقوي القلب ويعدّل المزاج كما قال أرسطو فطلبت منه بدلال واحد مثله . أبتسم وقال:
    - غدا أذهب لزوج عمتي فهو تاجر مجوهرات كبير والأحجار الكريمة تخصصه وسأشتري لكِ أجود حجر ياقوت وأصوغه خاتما جميلا ليدك الحبيبة .
    وبمزيد من الدلال أكملت :
    - أريده في خنصر يدي اليمنى ليتصل بخاتمك وأحدثه ويخبرني عنك.
    ضحكت وأردفت ممازحة :
    - وليتجسس عليك وينتقل لي أخبارك أيضا .
    قال لها بحماس :
    - أمهليني يومين فقط ويكون الخاتم على باب منزلك.
    ضحكت وقالت :
    - شكرا..

    طلب منها أن لا تشكره فلها فضل كبير عليه . أصبحت حياته جميلة منذ أن سكنت فيها ،وأصبح ينام دون أن تبتلعه دوامة الأفكار والتفكير في الماضي والهموم والأحزان . عندما يضع رأسه ليلا على الوسادة لا يفكر إلا بالمستقبل وهي بجانبه . ضحك وأردف :
    - أتخيل نفسي أنام على سرير وأنتِ بقربي وبعد دقائق يبكي أحد أطفالنا ..وأحيانا أتخيل نفسي عائدا من الشركة وأنتِ في استقبالي.
    أغمضت عينيها للحظة وفتحتهما عندما أودع يديها بين يديه ورجف قلبها وهو يضغط عليها ، وسألها بابتسامة وهو يلثم يديها بشفتيه :
    - كم طفلا ستنجبين لي؟
    أخرجت يديها من بين يديه بلطف ،وقالت له بأنها تتمنى أن تنجب ثلاثة صبية وجميعهم يشبهونه ولهم عينيه السوداويين وشعره الفاحم الحريري ، وشخصيته الجذابة ولطفه ولباقته . ابتسم ومرر أصابعه في شعره وقال:
    - أنا أريدهم فتيات ليشبهنكِ.. ولهن عينيك الذابحتين ورقتك .وسأكون أسعد رجل في الدنيا إذا استيقظت من النوم ورأيتك مباشرة والصغيرات يلعبن هنا وهناك.
    ضحكت وسألته :
    - والحل ؟.. بنات أم صبيان .
    - ثلاث بنات وثلاث صبيان لنتعادل.
    ضحكت وهي تقول له بأن هذا مستحيل . كان مفتونا بها وهي تضحك أمامه وتتحدث ولم تشعر بالوقت وهو يمر بسرعة . وعندما اتصلت بها أختها تعلمها بضرورة عودتها إلى المنزل ، استأذنته . خرجا سويا من المطعم وكأنهما زوجين أو خطبين أمام الناس ، وخارج المجمع افترقا . ركبت سيارتها وذهبت، وركب سيارته ومشى خلفها إلى أن وصلت إلى بيتها بسلام.

    *****
    ظلت ذكريات اللقاء الأول بكل لحظاته الجميلة في ذاكرة كاميليا ولا تريد لها مفارقة خيالها . صورة عماد وعينيه ويده القوية وكلماته وحبه . بعد ليلتين أحضر لها الخاتم مصحوب بالورود البيضاء وعطر " ألور " وضعت الخاتم في خنصر يدها واتصلت به تشكره فهذا الخاتم هو أثمن هدية تلقتها في حياتها . استلقت على السرير وهي تحدثه والسعادة تغمرها . أغمضت عينيها وقلبها يخفق بقوة وهي تستمع لصوته وهو يقول لها بأنه يحبها حتى الموت . فتحت عينيها ووجدته بجانبها وعلى سريرها في غرفتها الزهرية والشموع المضاءة في كل زاوية .ظلت ساكتة بذهول ويده تلثم وجهها . كانت يده ففي أصبعه خاتمه الياقوتي ، وعينيه السوداويين هما نفسهما .أرادت أن تسأله كيف دخل إليها وهي في منزل والديها ولم تستطع . ظلت ساكتة ولم تنبس ببنت شفة وعماد يقترب منها أكثر.أصبح قريبا ، وتشعر بدفء أنفاسه ، وتستنشق عطره ورجولته ولطفه . مد يده أسفل وسادتها وأخرج منها تفاحة . ظلت ساكتة بذهول وهو يقربها لشفتيها ويدعوها لتأكل منها . عندما نطقت وحذرته بأنهما سيطردان من الجنة . لم يبالي ودعاها مجددا لتأكل منها ، فرضخت لطلبه .قضمت التفاحة وهو يقضمها من جانبها الأخر ، وفجأة أحست بأنها تهوي من السماء السابعة . صرخت بقوة واستيقظت فزعة . لم تجد عماد بجانبها ولم تجد الشموع في غرفتها فلقد كان حلم .

    ردحذف
  26. الفصل 11

    سنتين من الصدفة والوعد انقضتا وأواصر الحب تقوى وتكبر بين كاميليا وعماد ، الآن هو يحبها أكثر ومتعلق بها أكثر ويريدها قريبة منه على الدوام . يريد أن يلقاها باستمرار ليبثها حبه وشوقه ، لكنها ترفض وتطلب منه الاكتفاء بوصل الهاتف بعد اللقاءات المعدودة لهما في مطعم المجمع التجاري على فترات متباعدة .
    لم يلتقيا منذ ما يزيد على شهرين عندما لمحت كاميليا إحدى زميلاتها تدخل المطعم الذي كانت فيه مع عماد وخافت بأن تكون قد رأتها معه فهي تخشى على حبها أن تشوبه شائبة ،أو تنالها تهمة أو شائعة في شخصها أو سمعتها . تخاف أن تلوكها أفواه القطيفيين المعتادة على مضغ الفتيات وبصق شرفهن ، فالمجتمع بمجمله مهما اختلف تياراته وثقافته مجتمع فضائحي وهذه القصص لها نصيب كبير في أحاديثهم ومناقشاتهم واجتماعاتهم فليس لديهم ما يتحدثون عنه سوى الحديث عن الناس والفتيات خاصة .
    طلب منها ملاقاته ليقدم لها هدية بمناسبة عيد ميلادها ، ورفضت فاضطر لوضع الهدية في كيس ورقي أنيق ووضعه أمام باب منزلها عصر ذلك اليوم وتسللت هي وأخذتها دون أن يلحظها أحد . كانت الهدية عبارة عن زجاجة عطر"ألور"وقرطين ماسيين رائعين ، جعلاها تعيد التفكير بلقائه في أي مكان عام من جديد.
    عرض عليها اللقاء في القلعة الترفيهية فرفضت ، فلقد سمعت الكثير من القصص التي تحدث هناك ، اتفقا على الذهاب إلى المطعم التجاري . استمتعت بشرب العصير وهو يحدثها عن البيت ، وأخرج لها كتالوج جلبة من محل الأدوات الصحية لتختار السيراميك وأطقم الحمام والمغاسل . اختارت ما أعجبها وقالت له:
    - سيصبح البيت تحفة فنية فخمة .
    هز رأسه وقال بثقة :
    - هذا ما يقوله المهندس أيضا .. لقد عرض عليّ فكرة استقدام رسام إيطالي ليرسم لوحات جميلة في أسقف المنزل بالكامل .. ما رأيكِ بالفكرة ؟
    - مدهشة .. ولكنها مكلفة بالتأكيد .
    - أنا عماد الغانم .
    - بدأت تتفاخر بعائلتك !
    ضحك وقال:
    - من حقي أن أعيش بسعادة مع قطعة السكر التي أحبها في بيت يليق بها ويرضيها .
    ضحكت وهو يخبرها بأنه سيشتري جميع أجهزة المنزل من محلات والدها المنتشرة في المنطقة الشرقية . ثم أخبرها بنيته شراء مزرعة فلطالما أحب الطبيعة والهدوء , والمزرعة ستصبح مكانا جيدا للاستجمام والضيافة . تلفتت لساعتها فقد اتفقت مع أمها أن لا تتأخر فهي استأذنتها بالخروج إلى القرطاسية لنسخ محاضرة هامة للامتحان .
    عادت لبيتها وأضاءت الشمعة المعطرة وأدخلت شريط نجوى كرم في المسجل ، وبدأت نجوى تصدح بصوتها ..
    " يا عيون قلبي كيف بدي نام
    لمحة بصر هالعمر واللي بحب ما بينلام
    هالكون صار صغير حملني حبيبي وطير
    على عالم تاني يكون كلو غرام "

    ظلت تفكر بعماد وهي ممسكة بالمحاضرة وتعرف بأنها ستحصل على علامة منخفضة فهي ساهمة طوال محاضرات الكيمياء الحيوية وخصوصا عندما تلقي المحاضرة الدكتورة منى بهدوئها الغريب فتنام أحيانا ، وإذا ظلت مستيقظة فيكون عقلها وتفكيرها معه.

    *****
    أشترى عماد مزرعة في "الجيش" إحدى قرى القطيف الجميلة . كانت مزرعة ببعض أنواع النخيل كالخلاص والخنيزي والغرى ، وعدد من شجر الكنّار واللوز وأشجار الليمون والكثير من أشجار الزينة . بها استراحة مجهزة بغرفتين نوم وحمامين ومطبخ صغير ومجلس كبير به جلسة عربية أنيقة وغرفتين للحارس والعاملين . بها إسطبل صغير للخيول كان صاحب المزرعة الأول يربي فيه ثلاثة خيول عربية أصلية اشتراهم مع المزرعة وقرر الإشراف على تربيتهم والعناية بهم واكتساب هواية جديدة. أصبح يقضي وقت فراغه في المزرعة بهدوء وبعيدا عن الناس والعمل ، وينام هناك نهاية الأسبوع ويتمتع بامتطاء الخيل والعناية بهم رغم كونه لم يفعل ذلك قبلا ، وكثيرا ما يزوره ماجد ويتسلى معه . تغيرت حياته الرتيبة ، أصبح فيها امرأة يفكر بها على الدوام ، يحبها ويرى فيها زوجته وشريكه في مشوار الحياة ، وعمله وهذه المزرعة التي يستريح فيها نهاية الأسبوع .

    ردحذف
  27. ذات نهار ربيعي مشمس جلس في استراحة مزرعته يراقب الحقول عبر النافذة والعمال يقومون بري الأشجار والمزروعات في الصباح الباكر من يوم الجمعة ، وتناول فطوره الذي أعده بنفسه ، فاصوليا حمراء مع الفلفل الأسود وعصير الليمون والخبز وعددا من حبات الرطب التي قطفها بنفسه . شعر بالهدوء وقمة التصالح مع نفسه وأصوات الطيور هي وحدها المسموعة في هذا المكان البعيد عن ضوضاء المدينة . خرج يتمشى بين أشجار الليمون وهو يفكر في السنتين اللتين انقضتا سريعا ، سنتين من الإنجازات على الصعيدين العاطفي والعملي .ظل يفكر بكاميليا التي كانت منذ البداية حافزا مهما له في كل جوانب حياته ، جعلته متفائلا وسعيدا ولا يهدأ ليلا ونهارا من العمل والتخطيط والتفكير بالمستقبل ، وكما يقول الجميع بأنه رجع لسابق عهده ولكنهم لا يعرفون السبب.

    أحس بشوق كبير لصاحبة الصوت الرقيق . ظل ينتظر الوقت ليتقدم أكثر ويتصل بها ، وعندما أشارت الساعة إلى العاشرة أتصل بها ليقول لها عما يشعر به في تلك اللحظة . رن الهاتف الرنة الأولى والثانية والثالثة والرابعة وبعد الخامسة استيقظت من نومها وأجابته . قال لها بشوق :
    - أحبك كثيرا .. ولا أعتقد بوجود رجل على الأرض يحب امرأة كما أحبك أنا .
    ضحكت بسعادة وقالت وهي تتثاءب:
    - صباح الخير دودي.
    - صباح النور يا قطعة السكر ..أنا جالس وحدي في المزرعة وليس لدي ما أفعله غير التفكير بك.
    عاتبته بدلال لأنها تعرف بأن عائلته ستذهب لزيارته في المزرعة ولم يدعوها ، وأغلقت السماعة بعد أن طلبت منه أن ينتظر قدوم نسرين فستجلب له رسالة منها . ظل ينتظر والديه وأخته في المزرعة على أحر من الجمر ويحصل على رسالتها . أراد أن يتحايل على الوقت ليمر بسرعة فأشرف على العمال وهم يضعون ثمار الليمون والرطب الناضجة في صناديق فلينية ليأخذها معه مساءا ويوزعها على عائلته ، ثم ذهب لإسطبل الخيول وامتطى أحب هذه الخيول إلى نفسه ، الخيل الأصلية السمراء اللون بشعر وذيل أشقر وراح يتمشى في أرجاء المزرعة .

    في الواحدة ظهرا لمح سيارة والده العائلية تدخل من بوابة المزرعة ويقودها السائق فاتجه نحوها . حيا والديه الذين نزلا من السيارة ولمح كاميليا جاءت بصحبة نسرين وأمل ولم يكن مصدقا بأنها فعلا أمام عينيه فهي لم تخبره بقدومها عندما اتصل بها صباحا .
    ارتسمت الابتسامة على وجهه وهو يحاول أن يخفي أثر المفاجأة السارة ، وبسرعة نزلت كاميليا وهي تخفي عينيها بنظارتها الشمسية ومرت بجواره دون أن تلتفت إليه . لم يكن مستغربا من قدومها مع عائلته فهي صديقة مقربة لأخته ولابنة عمه ولكنها تعمدت عدم إخباره.اقتربت منه أمل ونسرين تتحدثان معه وتطلبان منه أن يساعدهما على امتطاء الخيل لاحقا ، واقتربت منهم كاميليا وهي مازالت تتحاشى النظر لعينيه دخلن الاستراحة بينما هو يتحدث مع أحد العمال ، وأمه مع الخادمة تستعدان لتجهيز الطعام .

    جلسوا سويا على الأرض حول السفرة لتناول الطعام كبسة اللحم ، ونسرين توزع صحون السلطة ، وعماد يقطع البطيخ وكاميليا تسترق النظر إليه . لم تأكل كثيرا واكتفت بعدد قليل من ملاعق الأرز ، ومن ثم أكلت السلطة والبطيخ .أعد عماد الشاي وسكب للجميع . شرب وهو يتحدث مع والده الذي أحتسى كوبه ونام مباشرة . أستند عماد على أحد المساند ممدا رجليه على الأرض ، وممسكا بالجريدة وعينيه على كاميليا الجالسة بين أمه وأخته وابنة عمه يتحدثون بصوت منخفض ، فظنهن يتحدثن بأمور نسائية لا يجب أن يسمعها ،أو حشّ (نميمة) من الوزن الثقيل على أحد . نهض وخرج من الاستراحة وعينيّ كاميليا وراءه ، فلحقت به أمل تطلب منه أن يحضر الفرس ويساعدهن في ركوبها

    خرجت كاميليا مع نسرين وأمل خارج الاستراحة ينتظرن قدوم عماد، لكنها أحست بالغيرة من أمل لقربها من عماد وهي تمازحه وتحدثه عن الفارسية . ولا تعرف كيف طرأ ببالها لحظة بأن أمل تحمل في قلبها عاطفة ما نحوه ، وربما تحبه أيضا وتتمنى الزواج به . اقترحت على صديقتيها المشي بين أشجار الليمون المتقاربة .أرادت الابتعاد عنه حتى لا يرى وجهها وآثار الغيرة واضحة عليه .غطت عينيها بنظارتها الشمسية عندما أحست بدمعه تتأرجح على رمشيها ، وعندما سمعن صهيل الخيل خرجن من بين الأشجار ووقفن عند نخلة متوسطة الطول وجاء عماد . امتطت نسرين الفرس بمساعدة عماد ، وابتعدا تاركين كاميليا تتحدث مع أمل ، وبعد دقائق عادا لنقطة الانطلاق حيث نزلت نسرين واقتربت أمل من الفرس وركبت وسار عماد معها .

    ردحذف
  28. ابتعد تاركا كاميليا تغلي غيرة لا تستطيع الإفصاح عنها ، فهي لا تريد احد أن يقترب منه .أخذت نفسا عميقا وهي تقول في سرها ( هذا الرجل لي ولا أسمح لأحد أن يقترب منه) ، وبعد دقائق عادات أمل وعماد خلفها ممسكا بلجام الفرس . دعتها لركوب الفرس فأجابت بنبرة غاضبة بأنها لا تحب الحيوانات . قالت جملتها واستدارت لنسرين وأمل وطلبت منهما المشي بين الأشجار، وذهبن مبتعدين عن عماد الذي امتطى الفرس واتجه للإسطبل ثم عاد إلى الاستراحة ليجلس بصحبةأمه .وعندما بدأت الشمس تستعد للغروب استأذنها للخروج لرؤية الشمس وهي تذوب بين أحضان السماء ، كان يعشق غروب الشمس ومنظر شروقها ويرى فيهما إعجازا إلهيا كبيرا . خرج يتمشى ببطء ويراقب الشمس الغاربة وتفكيره محصور بكاميليا . أحس بأن حبه لها ليس عاديا وبأن قلبه الصغير يحمل
    حبا كبيرا ولهفة يشعر بها للمرة الأولى في حياته . تمنى لو يصرخ باسمها ويسمعه الجميع ويعرفون بحبه، تمنى لو يذهب إليها ويضمها بين ذراعيه لتذوب بين أحضانه كما تذوب الشمس بين أحضان السماء أمام أعين الناس جميعا بدون خجل .

    عاد لمنزله بعد يوم ممتع قضاه في مزرعته وما أسعده أكثر هو المفاجأة السارة التي أعدتها له كاميليا عندما جاءت مع عائلته . تناول عشاءه مع والديه وصعد لغرفته وبدأ يستعد للنوم ، وقبل أن ينام أمسك بالهاتف ليحادث كاميليا ، كان يريد إخبارها بأنه غارق في حبها حتى أذنيه ، لكن لهجتها في الحديث بدت متغيرة . لم تكن قادرة على منع نفسها من الشعور بالغيرة رغم اقتناعها بأن عماد وأمل كالأشقاء تماما . أخبرته بذلك وطمأنها وأكد لها بأن أمل مثل نسرين وندى تماما وأستسلم للنوم بعد حديث طويل . أستيقظ خائفا قبل شروق الشمس بلحظات عندما رأى كاميليا في المنام تتمشى على شاطئ البحر والأمواج تفصلها عنه وهي تهرب من رجل بشع المنظر ،كانت تناديه وتطلب مساعدته وهي تبكي بحرقة وهو لا يستطيع مساعدتها وبعدها سقطت الحجارة من فوقه . بلع ريقه وتعوذ من الشيطان ونهض من السرير وشرب كوبا من الماء وعاد إلى سريره مجددا وهو يفكر بهذا الحلم الذي يراه للمرة الثالثة ويتكرر بنفس تفاصيله .

    ردحذف
  29. الفصل 12

    استيقظت كاميليا من نومها قرابة الخامسة عصرا ، غسلت وجهها بالماء البارد ووضعت الكريم المرطب برفق. كانت تنتظر اتصال عماد بعد ما ينتهي من زيارة المهندس المشرف على التصميم المنزل داخليا . أخرجت من حقيبتها محاضرة مادة الأحياء الدقيقة وبدأت تقرأها وهي تتذكر صورة الدكتور عبد الرحمن وهالة الرعب التي يحيط بها نفسه . كان يخيفهن ويهددهن بأنهن لن يتمكن من الإجابة على أسئلته في الامتحان ، وحالما رن هاتفها وعماد هو المتصل ألقت المحاضرة جانبا وأجابته . أخبرها باتفاقه مع المهندس في تأثيث المنزل بطابع إيطالي كلاسيكي بفخامة فوافقته . حدثا ككل يوم وطلب منها ملاقاته فاعتذرت برصانة وذكرته بأنهما يعيشان في القطيف وليسا في باريس . سألها عن الفرق بين الحب في القطيف وباريس ، فأخبرته بأن الفرنسيين هم أكثر شعوب الأرض حرية في التعبير عن مشاعرهم ، والسعوديين أقلهم . لم يقتنع بكلامها فالحب بالنسبة له لا يتأثر بالجنسية . قالت له بعفوية:
    - لقد زرت باريس مرة وأنا في المرحلة المتوسطة وذهلت عندما رأيت عاشقان يتطارحان الغرام تحت ظل شجرة في إحدى الحدائق وودت لو طلبت لهما الشرطة .
    لم يكن عماد يحب السفر كثيرا . زار القاهرة وسوريا وبيروت مع عائلته ، وقبرص وأثينا في طفولته .أصبح السفر مع عائلته هو الأفضل بالنسبة إليه ، فسمعة الرجال السعوديين الذين يسافرون لوحدهم بالخارج سيئة ويعتبرها تهمة لا يريد أن تلتصق به ، كان يذهب إلى دبي للمشاركة في الاستثمارات العقارية والمالية بين وقت وآخر.سكت للحظات وتذكر الموضوع الذي كانا يتحدثان به قبل الحديث عن السفر ، فسألها:
    - ولماذا لا تودين لقائي ؟
    بلعت ريقها وقالت:
    - هربا من عيون المتلصصين ..فهم .. يعتقلون الحب .. وربما يغتالونه أيضا .
    سكت للحظة وهو يفكر بما قالته وأحس بأن عبارتها قاسية ، وأكملت :
    -إنها الحقيقة ولذا أريد أن أجعل حبنا سرا .. يقولون بأن أصعب حب هو الذي لا تستطيع البوح به .. في مدينتنا هو عيب وقلة أدب وعلينا أن نخفيه .

    فلحت هذه المرة في التملص من لقاءه برغم اشتياقها إليه . تريد من هذا الحب أن يكبر أكثر ويبقى حرا وطاهرا ونقيا . لا تريده كالحب الذي تسمع عنه . شاب مراهق يلقي برقم هاتفه في ورقة على مجموعة فتيات وأي واحدة تلتقطه وتحادثه تكون حبيبته .أو حب فتاة تعجب بشاب يدرس معها كما يحصل لزميلاتها وتختاره حبيبا وتبدأ قصة حب بائسة تحسدها عليها طالبات الأقسام النظرية وكليات البنات اللاتي ضاعت من بين أيديهن فرصة التعرف بشاب قد يصبح زوج المستقبل . حبها لعماد مختلف فلقد التقت عيونهما وأرواحهما في نقطة واحدة ، كنقطة التقاء السماء بالبحر .

    كان عماد في طريق عودته إلى المنزل عندما أتصل بكاميليا مباشرة وأخبرته بأنها ستذهب مع شذى إلى المكتبة لشراء جهازيّ كمبيوتر محمول لكل منهما . عرض عليها فكرة الذهاب إلى هناك ليراها فرفضت لأنها ستمر بنسرين وستذهب معها . تنهد واكتفى ببعض التوصيات بشأن مواصفات الجهاز المناسبة وأنهى المكالمة وفكرة الذهاب لرؤيتها هناك تداعب تفكيره . سيذهب وإذا رأته نسرين وسألته سيلفق لها أي إجابة . حسم أمره وذهب إلى المكتبة الواقعة في كورنيش الدمام .أوقف سيارته في الموقف ودخل متجها بسرعة لقسم الكمبيوتر.
    بحث عنها بعينيه وهو يصطنع النظر باهتمام لبعض الأجهزة المعروضة وينتقل من جهاز لآخر حتى وجدها وهي تتحدث مع أحد الموظفين الفلبينيين وبصحبتها نسرين وشذى . أقترب منهن أكثر وراح يسأل أحد الموظفين عن برنامج حماية جيد للكمبيوتر . التفتت كل من نسرين وكاميليا له في اللحظة ذاتها ابتسم وهو يتصنع المفاجأة . سأل أخته إذا ما كانت بحاجة لشيء ما فأخبرته بأنها جاءت من أجل كاميليا التي أشاحت بوجهها عنه وذهبت مع أخته لقسم المحاسبة . اشترى البرنامج الذي سأل عنه ودفع ثمنه وخرج دون أن يحظى بكلمة أو نظرة.
    عاد لمنزله وجلس على مكتبه وهو ينتظر اتصالها . لم ينم كالمعتاد ولم يقرأ جريدته وظل ينتظرها . اتصلت به في التاسعة ووبخته للحاقه بها فهو لم يجد فرصة مناسبة ليكلمها وسرعان ما هربت منه عندما رأته . أعتذر منها فهو لم يتمكن من لجم عنان نفسه عن الذهاب إلى المكان الذي توجد فيه ليراها ولو للحظة .أخبرها بأنه يحبها ومستعد لرؤيتها حتى لو كانت ثانية واحدة . ظل يتحدث معها حتى نام دون أن يتناول غذاءه وعشاءه .

    ردحذف
  30. الفصل 13

    تمددت كاميليا على سريرها في غرفتها المظلمة ، ونور الشمعة المعطرة برائحة الخزامى تبعث بضوء خافت ورائحة عطرة تركت أثرها في أرجاء الغرفة . كانت تفكر بعماد وكيف ستسافر عنه وتتركه لأسبوعين . تمنت لو أن هذا السفر يلغى لأي سبب. تمنت لو يتأخروا عن موعد الطائرة وتقلع عنهم لتبقى هنا ولا تبتعد عنه أبدا ، حتى ولم تراه فيكفي بأن تحسه قريبا منها وتجمعهما مدينة واحدة . لم تتخيل أنها ستسافر خارج البلاد بعيدة عنها وتفصلها عنه آلاف الأميال ، وكيف ستقضي أربعة عشر يوما في مدينة العشق والرومانسية وحبيبها بعيد عنها . ستحسد باريس بالتأكيد وعشاقها يأتوها من كل مكان وهي وحيدة ومن تحبه سيبقى بعيدا عنها . أحست تلك الليلة بأنها لا تحبه فالحب قليل ، وهي تعشقه ومجنونه بهواه لدرجة لا تصدقها .

    تلك الليلة بالذات أقرت واعترفت بخشوع وطمأنينة أمام نفسها وأمام شمعة التي تراقص لهيبها بسبب لفحات هواء المكيف بأنها تحب عماد بشكل يخرق حدود الطبيعة . حب هي لم تتوقعه ولم تفكر به . حب خارج عن المألوف كمن تحبه تماما فهو رجل غير عادي في كل شيء ، بتفكيره وبأخلاقه ونبله . ظلت تنتظر اتصاله وهي تعد الساعات المتبقية لها قبل أن تقلع الطائرة في التاسعة صباحا . ظلت تنتظر اتصاله والوقت يتقدم والشمس توشك أن تشرق . نهضت من سريرها ورفعت ستارة نافذتها لتنظر إلى الشمس وهي تبعث نورها تدريجيا على كل الدنيا.وعندما فقدت الأمل في اتصاله بها أمسكت بهاتفها واتصلت به عدة مرات ولم يجبها . تساءلت إذا ما كان نائما ، ولكن كيف يستطيع النوم بدون سماع صوتها وخصوصا أنها مسافرة للخارج .

    رجعت إلى فرشفها وظلت تتقلب وهي تراقب الشمعة التي بدأت تذوب تدريجيا . أحست بقبلها يذوب مثلها والقلق بدأ يزداد في نفسها .. تتساءل عن سبب عياب عماد وعدم اتصاله وهو الذي لم يفعلها يوما . ثلاث سنوات وهو يتصل بها صباحا ، وبين المحاضرات ، وبعد عودتها من الجامعة وقبل أن تنام .

    ظلت يقظة حتى استيقظ الجميع فرحين بالسفر لقضاء إجازة الصيف في باريس بعد انقطاع السفر منذ خمس سنوات . جاءتها الصغيرة هديل تدعوها لتناول الفطور معهم . لم تكن كاميليا قادرة على التفكير بالأكل وهي لا تعرف عن عماد منذ الأمس . ذهبت إلى غرفة شذى بقلقها ، وقالت لها والدموع مترددة في الخروج من عينيها المتعبتين من السهر :
    - هذه المرة الأولى التي يتصرف معي بهذه الطريقة ..أنا خائفة ولا أعرف ما الذي حدث له ؟..أخشى أن مكروها قد أصابه.

    اقترحت شذى عليها الاتصال بنسرين فإذا كان عماد مصابا بأذى لا سمح الله ستخبرها ،واتصلت بها وردت عليها بمرحها المعتاد وأخبرتها بأنها في المنزل تشاهد فيلما مع أمل . تمنت لو تسألها عن عماد لتطمأن عليه ولكنها لا تستطيع فهي لا تعلم شيئا عن علاقتها به . مضت الساعة الأخيرة بسرعة وبدأت تستعد للخروج وهي تنتظر لهاتفها كل حين لتتأكد من عدم وجود مكالمات لم يرد عليها ، فربما أتصل بها عماد وهي لم تنتبه . ركبت السيارة وتوجهوا إلى مطار الدمام وبدأ والدها بإجراءات السفر وهي وأمها وأختيها جالسات على المقاعد ، وفجأة رن هاتفها فأخرجته بسرعة من حقيبتها إلا أن المتصلة كانت أمل . تحدثت معها ومع نسرين وبدأت تنتظر اتصال عماد فقد كان آخر حديث بينهما عصر الأمس .

    ذهبت مع عائلتها إلى صالة المسافرين وجلسوا ينتظرون موعد ركوب الطائرة ، وهي مازلت مشغولة الفكر فأخرجت هاتفها ولتصلت بعماد لم يرد أيضا . ركبت الطائرة وجلست بجانب شذى في الجانب ايمن من الطائرة ، والديها وهديل في المقاعد الوسطى ، وبدأ المضيف بطلب من الركاب ربط أحزمة الأمان وإغلاق جميع أجهزة الجوال ، فأغلقت هاتفها مرغمة بعد أن يئست من اتصال عماد

    مضت ساعة على إقلاع الطائرة وكاميليا مازالت قلقة وتفكر بعماد وتحاول إيجاد مبرر لتصرفه الغريب معها ، وبعد قليل جاء المضيف يوزع عليهم سماعات الأذن والصحف فأخذت منه نسخة من جريدة اليوم علها تمنع نفسها من التفكير ولو قليلا . قرأت الصفحة الأولى فقط ووضعتها في جيب الكرسي الذي أمامها . وضعت سماعة الأذن وراحت تتسلى بسماع الأغاني ، وعندما بثت أغنية السيدة فيروز ، تذكرت عماد الذي فاجأها بهذا الجفاء . دعت ربها أن يكون بخير ونذرت بالاستغفار ألف مرة إن كان عماد يخير ولم يهجرها .
    " بعدك على بالي يا قمر الحلوين
    يا سهر بتشرين يا ذهب الغالي
    بعدك على بالي يا حلو يا مغرور
    يا حبق ومنتور على سطح العالي"

    ردحذف
  31. الفصل 14

    مياه السين هادئة في هذا النهار المشمس والقوارب تحمل السائحين في نزهات نهرية لرؤية معالم المدينة بشكل واسع ، والمنظر خلاب من على جسر "ألكسندر الثالث" المذهب ، أو جسر العشاق كما يسميه الباريسيون . وقفت كاميليا تراقب القوارب والناس وهي تلمح عماد واقف على مسافة بعيدة منها حتى لا يلحظه والدها ، يراقبها من بعيد ويتحين الفرصة للاقتراب منها . وأثناء التقاطها لبعض الصور التذكارية تعمدت أن تلتقط له عددا من الصور وهو واقف ينظر إلى النهر من على الجسر وبعيدا عنها .
    جلست مع عائلتها على أحد مقاهي الجسر المنتشرة تشرب القهوة الفرنسية وقلبها مع عماد القريب والبعيد في الوقت نفسه ، كانت تتمنى لو تمسك بيده وتتمشي على هذا الجسر كبقية العشاق الذين يظهرون حبهم أمام جميع الناس بالقبلات والعناق والورود . تريد أن يكونا قريبين من بعضهما أكثر ويتقاسمان كل شيء حتى نسمات الهواء التي تدخل لرئتيهما . تريد أن تكون معه في رحلة بحريه واحدة بدلا أن تقضي ساعة من الوقت وهي في قارب وهو قارب آخر يراقبها ويحرسها بقلبه المتلهف . تمنت أن تجلس معه في طاولة واحدة في جادة الشانزلزيه تشرب القهوة بدلا من أن تجلس في طاولة وهو في طاولة أخرى ويتواصلا بالنظرات . تمنت لو تستمع لحديثه وغزله وهو يجلس معها بين الأزهار الزاهية والتماثيل التي تخلد شخصيات تاريخية بارزة في حدائق "اللوكسمبورغ"

    كانت تتمنى أن تصعد معه لقمة برج إيفل في ساعة الغروب كما فعلت ذلك اليوم ، وتستمع له وهو يصرخ بأنه يحبها . لكنها كانت في قمة البرج وهو بعيد لا يستطيع الاقتراب منها وعائلتها تحيط بها كحراس يحرسون ملكتهم . تمنت لو كان بصحبتها وهي تتسوق في أسواق الزينة والعطور والأزياء والأناقة . أرادت أن تكون في باريس معه فقط. ولكن لا فائدة فها هو الأسبوع سينقضي ولم يستطيع عماد أن يكلمها وجهه لوجه سوى تلك الليلة التي قبّلها لأول مرة ولم تتكرر رغم طلبه منها . كانت خائفة وتريد لحبها أن يبقى بعيدا عن الفعل لكي تكون مرتاحة البال .
    كان يتحدث معها يوميا ويتغزل بها من بعيد ، ويعشق عينيها العسليتين المزينتين بالكحل الأسود دائما ، وحبة الخال الصغيرة بجوار زاوية فمها لها مكانة خاصة في قلبه . كان معها بعيدا وقريبا ، يراها ولا يستطيع أن يقترب منها كثيرا كما يتمنى . يود أن يقول لها بأنه معجب بجمالها وأناقتها أكثر في باريس وبأنه سيفقد عقله كلما رأى خصرها يتمايل أمامه ولكنه يؤجل الحديث لحين عودته إلى الفندق.كل ليلة يطلب منها ملاقاته أمام باب جناحهم الخاص وهي ترفض فلا تريد لما حدث في تلك الليلة أن يتكرر . ومضى الأسبوع وحان موعد عودته ، ووافقت على لقاءه في بهو الفندق في ليلته الأخيرة .

    خرجت للقائه وحجابها المزركش على رأسها بعد أن تعمدت جعله ينتظرها لأكثر من نصف ساعة . وجدته مستندا على الجدار وما أن رآها حتى اقترب منها . أمسك يدها وهي تتلفت وراءها كل دقيقة . حاول أن يضمها إليه فقاومته بادئ الأمر وسرعان ما استسلمت له وهو يحيطها بذراعه ويشمها . همس في أذنها بأنه يحبها وينتظرها في القطيف . طلبت منه أن يتصل بها حالما تحط طائرته في أرض المطار لتطمأن عليه أخرجت نفسها من بين ذراعيه وودعته ودعتّ أن يصل بالسلامة .

    ******
    "بكتب اسمك يا حبيبي ع الحور العتيق
    تكتب اسمي يا حبيبي ع رمل الطريق
    ولما بيدور السهر تحت قناديل المسا
    يبقى اسمك يا حبيبي واسمي بينمحى "

    قاد سيارته التي تركها في المطار عائدا إلى منزل والديه الذي وجده خاليا كالعادة . دخل لغرفته واستحم واتصل بأخته نسرين وأخبرته بوجودها مع والديها في منزل ندى لتناول الغذاء فذهب إليهم هناك . نهضت أمه بسرعة تعانقه وكأنه غلب عنها لأشهر وعانقه والده وأختيه وابن عمه وابنتيّ أخته الصغيرتين فهم لم يتعودوا على غيابهم عنهم . تناول غذاءه وهو يتحدث معهم عن رحلته القصيرة وكيف أفادته في تجديد نشاطه وكيف استمتع في باريس التي يزورها للمرة الأولى وبالطبع حذف اسم كاميليا من حديثه ، ولكن نسرين أخبرته بأنها سافرت مع عائلتها في اليوم ذاته . قالت ندى مخاطبة زوجها :
    - سأخطط لرحلة طويلة في الصيف القادم ..أريد أن أذهب لإيران ومن ثم أعرج بيروت وأختم الرحلة في جنيف أو مدريد فأنا لم أسافر منذ سنوات .
    - لا أستطيع ترك العمل .
    وقالت الأم لابنتها :
    - الناس يحسدونا على الفاضي .. سنسافر إلى شرم الشيخ لمدة أسبوع وهذا أضعف الإيمان .. سافري معنا ودعي عماد يحجز لكِ مع الطفلتين .
    وأكملت وهي تضحك :
    - ماذا نفعل بأزواجنا إذا كانوا لا يحبون السفر ويفضلون العمل .. علينا أن نتركهم ونسافر مع أولادنا.

    ردحذف
  32. أستمر الحديث الودي بين عماد وعائلته حتى غادر الجميع منزل ندى قبل غروب الشمس وعادوا إلى المنزل وأخرج لهم عماد الهدايا التي أشتراها للجميع . أخرج معها اللوحات الزيتية والتحف التي اشتراها من باريس ليضعها في منزله ومنها مجسم نحاسي لبرج إيفل يبلغ ارتفاعه متر اشتراه ليكون ذكرى للأسبوع جمعه بكاميليا في باريس ، وقرر أن يضعه في صالة منزله في ركن فرنسي خاص يمثل هذه الذكرى.

    ***
    أستيقظ عماد من النوم في الساعة التاسعة والنصف على صوت رسالة نصية وردت في هاتفه ، وبعثت بها كاميليا ( بونجور دودي .. اشتاق لك كثيرا وتمنيتك معي وأنا أزور متحف اللوفر .. تجولنا في المتاحف الانتيكا والخزف والمجوهرات .. صدقني بأن باريس بانتعاشها وحيويتها وسحرها بدت كئيبة بعد سفرك ) ، وجاءت الرسالة الثانية لتكمل حديثها وقرأها والابتسامة تعلو شفتيه ( والدي يفكر في تمديد إقامتنا لأسبوع ثالث وأمي تشجعه وأنا لا أريد .. وغدا سنذهب إلى دزني لاند الباريسية وسنقضي ثلاثة أيام هناك ومن ثم سنعود لقلب باريس ) . نهض من فراشه وغسل وجهه وحلق ذقنه وارتدى ملابس صيفية مريحة بعيدا عن الملابس الرسمية التي يلبسها في العمل ، قرر عدم الذهاب إلى الشركة ذهب لمنزله ليطمأن على سير العمل وخصوصا أنه سافر إبان قدوم الرسام الإيطالي ومعاونيه الذين أتى بهم لرسم اللوحات الخاصة بسقف المنزل . كان المنزل في المرحلة الأخيرة وبقي إنهاء عمل اللوحات في السقف ومن ثم صبغ المنزل من الداخل وإكمال تثبيت الواجهة الحجرية للمنزل من الجهة الخلفية والسور . وبعدها تبدأ مرحلة التأثيث .

    ردحذف
  33. الفصل 15

    رتبت كاميليا ملابسها الجديدة التي أشترتها من باريس في الدولاب وهي تشعر بفرح لعودتها بعد ثلاثة أسابيع من السفر . شعرت بحنين إلى الوطن وحنين لعماد بشكل خاص . أحست بالشوق يدغدغها وبالحاجة الماسة للإتصال به والتحدث معه مطولا . اتصلت به وتحدثت معه لمدة جاوزت الساعة ، وأخبرته بشوقها الذي بدأ يكوي أضلعها فحاول أن يطفئ حرارة لهيب الشوق بإخبارها بحبه وشوقه لها ولليوم الذي يجتمع فيه شملهما . اخبرها بأن الحب قي قلبه يزداد يوما عن يوم وبدأ يخشى تأثيره على روحه . طلب منها اللقاء في أي مكان عام ، قال لها برقة :
    - أنا مشتاق إليكِ وأريد رؤيتك ..أرجوكِ لا تعتذري لأي سبب .
    أرادت أن تكون رزينة فاعتذرت منه وأردفت :
    - قريبا نتزوج ونصبح لبعضا وأرجوك لا تلح عليّ كثيرا .
    رضخ لرغبتها وإنتهى الحديث ومن ثم أخرجت دفترها الخاص بكتاباتها وأشعارها وخواطرها وأشواقها ورسائلها وأمسكت بالقلم وبدأت تكتب ..
    "أحبك في كل الأحوال
    في الحل والترحال
    في الليل والنهار
    وعندما تشرق الشمس وعندما تغرب
    أنا أحبك دائما .."

    ثم كتبتها في جوالها وأرسلتها له في رسالة نصية وخبأت الدفتر في درج مكتبها ونزلت إلى المطبخ لترى أمها إذا كانت بحاجة إلى المساعدة أم لا فعمها عبد العزيز سيأتي لتناول الغذاء معهم . كان كل شيء جاهزا وبقيت السلطة فتطوعت شذى بإعدادها بسرعة قبل أن يأتي والدها ويغضب إذا وجد الغذاء لم يجهز بعد . جاء الأب وبصحبته العم عبد العزيز وابنه ناصر وكان لهذا الخبر وقعا قاسيا ومفاجئا عليها . بلعت ريقها وهي تفكر وتتساءل بينها وبين نفسها ( متى عاد ناصر من أمريكا ؟.. لابد انه عاد أثناء سفرنا إلى باريس .. عاد ليجثم كابوسا على قلبي .. ولكن لا يستطيعون إجباري على القبول به مهما فعلوا .. فلدي من أحارب من أجله ) . بدأت تساعد والدتها وأختها في ترتيب طاولة الغذاء بلا رغبة وهي تشعر بالقلق ، وراحت تأكل ببطء وبلا شهية وهي تلاحظ ناصر وهو يرمقها بنظراته المزعجة . شعرت بالغثيان وهي تجبر نفسها على البقاء على المائدة كي لا يغضب والدها العصبي المزاج والذي يغضب لأي سبب . وما أن إنتهوا من الغذاء حتى صعدت لغرفتها وبدأت تستعد لاستقبال صديقتها نسرين وأمل اللتين ستأتيان لزيارتها .

    ارتدت بنطلون أسود وقميص حريري شفاف باللون ذات وتزينه دوائر بيضاء ، وربطت حول عنقها إيشاربا حريريا أبيض ورشت القليل من عطر "ألور" حول معصمها وخلف أذنيها ، والياقوت الأحمر يزين إصبعها وبقيت في غرفتها تنتظر صديقتيها اللتين جاءتا في الساعة الرابعة . عانقتهما ،وبدأت تخبرهما عن رحلتها وكيف وجدت باريس تلك المدينة الرومانسية الحالمة بليلها الساحر ونهارها المفعم بالحركة والنشاط . راحت تحكي لهما عن الرحلة وكيف كانوا يشعرون بالسعادة لدرجة أن والدها مدد الرحلة أسبوعا ثالثا ، وأعطتهما الحقائب التي اشترتها لهما من متجر شانيل في باريس . انتقل مجرى الحديث إلى أهم الأحداث أثناء غيابها ، ومن أهم ما حصل هو خطبة نسرين إلا أن أمها رفضت العريس لأنه من قرى القطيف . وبرغم من رفض نسرين فكرة الزواج قبل الثلاثين ، إلا أنها حمدت ربها لأن العريس لم يكن بالمستوى المطلوب ، فلو كان طبيبا متخرج من أمريكا ، أو أحد أبناء كبار العائلات لزوجتها به رغم عنها ولن يمنعها أحد

    *****

    ردحذف
  34. عادت نسرين إلى منزلها بعد أن قضت وقتا طويلا مع صديقاتها وجلست في الصالة بصحبة أمها وشقيقها يشاهدون التلفزيون بصوت منخفض وهم يأكلون الفاكهة وبعد دقائق جاءت ندى وحدها ، وقالت لهم بابتسامة :
    - لدي خبر طازج .
    سألتها أمها بفضول كبير عن فحوى الخبر ، فأخبرتهم بأن عصام يريد الزواج بأمل وتكلم مع فيصل وغدا ستذهب العمة نورة وزوجها من أجل خطبتها . بلعت الأم ريقها وأخذت نفسا عميقا واستدارت نسرين قائلة :
    - جيد ..أمل تستحق الزواج بابن عائلة .. الحمد الله بأنني لم أوافق على النخلاوي (القروي ) الذي تقدم لخطبتك .
    بلعت ريقها وأردفت تقول لابنها:
    - لقد كانت سلوى تلمح دائما برغبتها ورغبة زوجها بزواجك من ابنتها ..ولكن سرعان ما وافقت على عصام فهو عريس لقطة .
    تبادلت نسرين النظرات مع عماد وهما يبتسمان بصمت ، لكن الأم قالت لنسرين :
    - وهل يعقل بأنكِِِِِِِِِِِِِِِ لا تعرفين بهذا الأمر ؟
    ضحكت وأخبرتهم بالجزء الذي لا يعرفونه من الخبر وهو أن عصام تحدث مع أمل وأخذ منها الضوء الأخضر . استدارت سميرة وجهها متجهم وقالت لابنها :
    - عصام يصغرك بخمسة أعوام وهاهو سيتزوج .. أما أنت فتريد أن تكون من جماعة العوانس من الرجال .
    تدخلت ندى عندما استشعرت غضب شقيقها وقالت:
    - ما هذا الكلام ياأمي .. عماد سيتزوج قريبا بكل تأكيد .
    تأفف عماد منزعجا فقالت له ندى بابتسامة :
    - ما رأيك يا أخي لو نبدأ بالبحث عن العروس .. وفي الحقيقة هناك واحدة تعجبني وهي زميلة لي في المدرسة وهي جميلة وراقية ومن عائلة محترمة و تناسبك .
    صرخت أمها فيها بصوت مرتفع ونفاذ صبر :
    - ولماذا نبحث بين الفتيات والعروس المناسبة موجودة ؟.. حسب ونسب وجمال ودلال وذوق وأدب ..ومنذ أن عادت من كندا وأنا أدعوا الله أن تكون من نصيب عماد .
    وأكملت بنبرة أقل حدة تخاطب ابنها الساكت :
    - صدقني يا ولدي .. ريم عروس مناسبة .. هي طبيبة وتعمل في مستشفى القطيف المركزي وستخصص في النساء والولادة ولن تتعامل مع الرجال المرضى .. هي جميلة ورزينة ولن تجد أفضل منها أبدا .. كما أن عمتك أخبرتني بأن عادل ابن عم ريم قد تقدم لخطبتها للمرة الثانية ورفضته .
    تأفف وقال لها بأنه لايريد الزواج حاليا ، وإذا غير رأيه مستقبلا فهو سيختار المرأة التي يريدها وحتى ذلك الوقت سيبقى عانسا . قال جملته الأخيرة وصعد لغرفته تاركا أنه تتذمر ، فلحقت به ندى مسرعة وبقيت نسرين تستمع لكلام أمها فهي لا تجرؤ على الذهاب لأي مكان وهي غاضبة .
    جلست ندى بجانب عماد والضيق باد على ملامح وجهه الهادئة وقالت له بتفهم وهدوء كبيرين :
    - لا تنزعج من كلام أمي فهي لا تقصد إغضابك ولكن هذا هو أسلوبها .. هي تريد أن تراك متزوجا وسعيدا كبقية الشبان الذين في مثل سنك .. ماذا تنتظر يا أخي فالعمر يجري .
    تنهد وقال بغضب وحدة :
    - أمي باتت تزعجني ..أخبرتها مرارا بأني سأتزوج عندما أريد أنا ذلك ولكنها لا تفهم .. وتظل تتكلم وتعيد وتزيد في الموضوع وبأسلوب ساخر أيضا ..إذا أردت أن أتزوج بفتاة ما فلا يهمني عائلتها وعملها أو تخصصها حتى ولو كانت طبيبة ذكورة .
    ابتسمت وغمزته بعينيها وسألته :
    - وهل هناك فتاة ما في بالك وتريد الزواج بها ؟..أخبرني .
    ابتسمت عينيه السوداويين عندمالاحت صورة كاميليا أمامهما وأراد أن يخبرها وأصبح أسم كاميليا على طرف لسانه ،لكنه تذكر وعده لها بكتمان الأمر فتراجع وقال لأخته المنتظرة لجوابه بأن الوقت لم يحن بعد .وتفاجأ عندما قالت بأنها تذكرت علاء الذي كان يقول بأنه سيتزوج أمل عندما يكبر . ترحم على أخيه وهو ينظر لخاتمه الياقوت وقال :
    - قالها لي أكثر من مرة .
    أمسكت بيده وطلبت منه وعدا بالزواج بعد أن ينتهي من تأثيث منزله مباشرة . قال لها مبتسما :
    - أعدك .. وعد رجل لرجل .
    ضحكت وطلبت منه أن يحجز لها ولابنتيها معهم إلى شرم الشيخ وأصرت على أن يسافر معهن ، ولم تخرج من غرفته قبل أن تأخذ منه وعد آخر .

    ردحذف
  35. الفصل 16



    علموني هنّّ علموني
    على حبك فتحولي عيوني
    والتقينا وأنحكى علينا
    علموني حبك ولاموني ..
    قاد سيارته متجها إلى "المجيدية "وهو يستمع لفيروز ، بعد أسبوع قضاه مع أمه وشقيقتيه في مدينة شرم الشيخ الساحرة . قضاه في مياه البحر يسبح ويحمل طفلتي أخته على ظهره ويلهو معهما ، ويركض مع نسرين على الشاطئ ، وندى وأمه منشغلات بمراقبة النساء بملابس السباحة . وذهلتا عندما وجدتا عدد من السعوديات اللاتي يسبحن بالبيكيني ومن ثم يجففن أجسادهن ويرتدين عباءاتهن . كم كان الشاطئ ساحرا وكأنه في مكان آخر من هذا الكوكب . تمنى لو كانت كاميليا معه في شرم . يسبحان سويا ويركضان على رمال الشاطئ ، وتغمرها أمواج البحر الأبيض المتوسطة الرائعة . قرر أن يلف معها العالم كله عندما يتزوجان ، ليتركا أثرا منهما في كل أرجاء المعمورة .
    صعد لغرفته وأتصل بكاميليا لكنها لم ترد عليه ، فأرسل لها رسالة نصية يطلب منها الاتصال به للضرورة . يريد أن يقول لها بأنه يحبها ويشتاق إليها كثيرا وهذا أمر طارئ بالنسبة له . أستحم وأتصل بماجد يخبره بعودته من شرم ودعاه لزيارته . نزل ليشرب الشاي مع والديه وأمه، وبسرعة استأذن والديه وصعد لغرفته وأمسك بجريدة " اليوم " وبدأ يقرأه وهو ينتظر اتصالها ، وعندما وصل إلى الصفحة الثقافية ، لفت نظره عنوان إحدى الزوايا (همسات من قلبي )..

    ((أحبك في كل الأحوال
    في الحل والترحال
    أحبك في الليل والنهار
    وعندما تشرق الشمس وعندما تغرب
    أنا أحبك دائما ..

    أحبك في وطني
    أحبك يا عزتي ويا أهلي ويا سندي
    أحبك كلما ابتعدت عنك
    وكلما اقتربت منك ..
    أحبك في الغربة وفي الوطن
    أنا أحبك دائما ..

    أحبك وعبير الورد يفوح
    وخيالك في قلب باريس يلوح
    أحبك بالقلب والعين وبالروح
    أنا أحبك دائما ..))
    كاميليا الناصر

    راح يتأمل السم وتذكر مطلع هذه الكلمات فقد أرسلتها كاميليا له كرسالة نصية على جواله بعد عودتها من باريس . تأكد من ذلك واتصل بها لم ترد عليه وبعد مدة وجيزة اتصلت به ، قالت له برقة :
    - لم أكن منتبهة لهاتفي عندما إتصلت .. حمد الله على السلامة .
    ضحك وسألها :
    - ومتى بدأتِ بالكتابة في جريدة "اليوم"؟.. سافرت لأسبوع فقط وحدثت كثير من التغيرات .
    - ساعدتني ناهد في نشر إحدى همساتي التي كتبتها لك .
    وعدته بأن تكتب له همسة أخرى بين وقت وآخر ، وطلبت منه أن يتابع الصفحة الثقافية بإهتمام . كان معجبا بما كتبته ومشتاق إليها فدعاها للقائه واعتذرت فقال لها بنبرة مختلفة :
    - أصبحتِ ترفضين لقائي باستمرار .
    - وماذا أفعل؟.. عليك أن تتفهم وضعي .. بت أخاف أن يراني أحد معك.. هل ترضى لي ذلك ؟
    وأخبرته بأن إحدى زميلاتها رأتها معه آخر مرة وتعرفت عليها رغم النقاب وراحت تسألها عنه . تنهد بقوة وطمأنها بأنه لا يريد أن يسيء لها أحد وإن كان ذلك على حسابه . أحست برغبته للقائها وبأنها قست عليه قليلا فأخبرته بأنها ستحاول أن تنسق للقاء سريع في مطعم المجمع نهاية الأسبوع .

    ظل ينتظر نهاية الأسبوع بفارغ الصبر ليراها . انتظرها في سيارته أمام المجمع وما أن لمح سيارتها تتوقف حتى نزل ووقف قرب البوابة ورآها تنزل من سيارتها وهي تضع النقاب على وجهها وطلبت من سائقها أن يذهب إلى الصيدلية ليشتري لها بعض الحاجيات ومن ثم يعود لاصطحابها إلى البيت . اقتربت من البوابة وهي تمسك بحقيبتها ودخلا إلى المطعم سويا .أزاحت نقابها أمامه فأنبهر بجمال عينيها وفهما البراق . أخبرها عن حبه وأشواقه فمنذ عودتها من باريس وهو لم يراها . طلب لها الكولا المثلجة وتفاجأت عندما أحضر لها كعكة التراميسو من محل الحلويات . ظل يراقبها وهي تأكل بلذة وضحكت وهو يقول لها بأنه يتمنى أن يكون مكان الشوكة التي تدخل فمها وتلامس شفتيها . أخرجت من حقيبتها ميدالية زجاجية أنيقة محفور عليها آية الكرسي وتتدلى منها خرزة زرقاء صغيرة وطلبت منه تعليقها على مرآة سيارته لتحفظه من الشر والحسد . شكرها وقبل يدها . نهضت عندما أتصل بها سائقها يخبرها بأنه ينتظرها في الخارج . إتصل بها مجددا . طلب منها ملاقاته الأسبوع القادم ولو لدقائق قليلة لكنها اعتذرت منه ، ففي الخميس المقبل سيعقد قرآن أمل بعصام وستحضر الحفلة لتحتفل مع صديقتها .

    ردحذف
  36. الفصل 17

    غطت جسدها وعماد مستلقي بجانبها على العشب الأخضر ويده تتسلل بين وقت وآخر ليتحسس مكان ما تحت عباءتها . ضربته على يده موبخة فامسك بيدها وطبع قبلة رقيقة في باطنها . مدت له اليد الأخرى وهي ممسكة بتفاحة حمراء . قضمتها ويده تداعب كتفيها ، ثم سقطت في الماء وغاصت ولم تر عماد بقربها . استيقظت فزعة وإستعاذت من الشيطان ومن هذا الهوى الذي غير مجرى أحلامها . كانت أحلامها رموزا غير مفهومة لا تجد لها تفسيرا ، ومنذ أن عرفت عماد وأحلامها حميمة .

    عادت للنوم واستيقظت في الواحدة وبدأت تستعد للخروج مع صديقاتها إلى "الخبر " لتناول الغذاء . وبعد ساعة كن في السيارة يعبرن شارع الهدلة وهن يستمعن إلى موجة الإف أم . تناولن الغذاء ثم ذهبن إلى المقهى في كورنيش الخبر. أحضر لهن العامل الفلبيني قهوتهن المفضلة وهن جالسات في القسم العائلي حيث يجلس الرجال والنساء سويا دون عوازل . استغربن وجود إحدى زميلاتهن في الجامعة بصحبة شاب يتلاطفان علنا رغم أنها غير مرتبطة .
    - دعونا نحلل شخصية كل فتاة موجودة بناء على مظهرها .
    قالت أمل ذلك تدعوهن لفتح باب النقاش في قضية الفتيات ، وابتدأن بامرأة مغطية بالسواد كليا وترتدي قفازات وجوارب سوداء سميكة وتجلس مع زوجها وطفلها . قالت كاميليا تعليقا عليها :
    - مسكينة .. لو كنت مكانها لانتحرت ..الدين يسر .
    ضحكت نسرين وقالت :
    - ليس بالضرورة تدين .. ربما ترتدي هذه الأشياء رغما عنها أو للتستتر ..

    ناقشن بالخصوص أوجه المرأة القطيفية من كل جوانبها . الفتاة التي تعرض نفسها في جميع المناسبات وحفل الزواج أمام الخاطبات . واللاتي يسجلن أسماءهن في الجمعيات الخيرية لدى الشيوخ . واللاتي يبحن عن وظيفة إلى أن أصبح ثلاثة أرباع بنات القطيف مصورات وخبيرات تجميل على غفلة ، فامتلأت المدينة بالاستيوهات النسائية ومراكز التجميل التي أصبحت تنبت مثل الفطر . صرخت نسرين فجأة بشكل لفت إليها الأنظار ، وبختها كاميليا عندما نظر لهن جميع الموجودين . قالت وعينيها ستخرجان من محجريهما :
    - آخر خبر .. ابنة جيراننا ( اللي نحطهم تاج وقلادة) سافرت مع أمها وأختها إلى البحرين لتجهض البيبي وبعدها ستتزوج من والده .. وزوجة عمها أخبرت أمي بذلك .
    - ولماذا يجهضونها مادامت ستتزوج به ؟
    زمت نسرين شفتيها وقالت :
    - والدها أصر على إجهاض الطفل الحرام .. وهنا حياة المرأة مرتبطة بولي أمرها ومالك هذا الجسد .. وهو سبب السعادة والنحس والشقاء والرفاهية .
    انفعلت كاميليا وقالت :
    - ولماذا تسكت النساء على هذا الحال ؟.. ويحاربن أي امرأة ترفع صوتها لتساعد بنات جنسها .
    أجابت نسرين وأمل تهز رأسها باقتناع :
    - لقد تعودن على التعاسة وعيشة الجارية التي تريد ملبسها ومأكلها وتنام مستورة .. لذا نحتاج ثورة ثقافية اجتماعية كبيرة .. أصبحنا نمجد القبيلة ونتحكم بشرائعها .. ونتمسك بالعادات والتقاليد على خلاف الدين .. العادات الجميلة تندثر والقبيحة تبقى .

    ردحذف
  37. الفصل 18

    استلقى عماد على سريره ، كيف ينام وهو يفكر بالغد وما سيحمله من أنباء سارة بكل تأكيد ، فغدا تظهر نتائج امتحانات كاميليا . النتائج التي انتظرها منذ أربع سنوات لتكون إشارة مرور لدخوله دنيا السعادة التي سيعيشها معها . تقلب على فراشه وهو يتذكر كيف كان يتقلب تلك الليلة قبل أربع سنوات خلت . سنوات طويلة وقصيرة في الوقت ذاته ، أحس بطولها عندما كان يعيشها يوما بيوم ، وأحسها قصيرة وهو يتذكرها الآن بعد أن مضت ، وبرغم من أن السنوات جعلت عمره واحد وثلاثون عاما إلا أنه فرح بمرورها . أغمض عينيه في ظلام غرفته وهو يبتسم ويحدث نفسه مسرورا ، فمنزله جاهز الآن وأنهى تأثيثه بالكامل بمعاونة كاميليا التي يأخذ رأيها ويستشيرها بكل شيء بقيت غرفة النوم فهو يريدها أن تكون من اختيار صاحبتها لذا سيشتريها بعد أن تتم خطوبتهما .

    منزله المميز بالذوق الإيطالي في الأثاث والديكور ، أعجب كل من رآه والجميع ينتظر أن يعرف هوية العروس التي تنعم بالعيش فيه . المنزل بناه على شكل بنائين جانبيين تتخللهما حديقة داخلية . في الجانب الأول الصالة الكبيرة المفتوحة على المطبخ الخشبي الأنيق ، وبأحد أركانها طاولة طعام صغيرة لأربعة أشخاص وأحد الجدران مغطى بالمرايا ، وركن فرنسي خاص وضع به مجسم برج إيفل وبعض التحف التي اشتراها من باريس ، ومجلس كبير يطل على مائدة طعام على قدر عال من الفخامة . وغرفة استقبال خاصة وحميمة أعدها بديكور تراثي القديم بدا واضحا في السقف الخشبي وصبغ الجدار والأثاث . كما أن سقف الصالة مرتفع والمزين بلوحات رسمها فنان إيطالي يضيف الفخامة على المنزل . وفي الجانب الأخير للصالة إطلالة جميلة على الحديقة الداخلية بواسطة بوابة زجاجية كبيرة مغطاة بستائر مخملية بيضاء مزينة . كانت الحديقة جميلة وبها بركة سباحة على جانبها أحواض سيملؤها لاحقا بالورد وطاولات خشبية مظللة ، وتغطي الحديقة قبة كبيرة مفرعة بشكل هندسي بديع لتدخل منها أشعة الشمس . على يسار الحديقة توجد البوابة الزجاجية ذاتها بستائر داكنة تطل على غرف النوم الخمس وغرفة المكتب في جهة القلب كما تقول كاميليا . في الخارج غرفة السائق والحارس وبوابة حديدية كبيرة.

    ذهب للشركة صباحا وظل يفكر بكاميليا أثناء عمله وهو ينتظر اتصالها ويطمأن قلبه . غمره الفرح عندما رن هاتفه وجاءه صوت كاميليا منتشيا وفرحا ، قالت له بدلال :
    - لقد عدت للتو إلى المنزل والحمد الله نجحت في كل المواد .. تخرجت ولم يبقى سوى..
    وقبل أن تكمل قاطعها والابتسامة تزين وجهه :
    - ولم يبقى سوى الزواج يا بعد روحي .
    ضحكت وقالت بأنها تقصد سنة الامتياز الباقية لها قبل نيلها وثيقة التخرج ، وستقضي هذه السنة في مجمع الملك فهد العسكري . هنأها ودعا الله أن يوفقها ، وسكت للحظة ثم أردف منتشيا :
    - اليوم سأخبر أمي بأني مستعد للزواج .. فهي تلح علي كثيرا .
    تظاهرت بالغيرة وسألته :
    - وبمن تريد تزويجك ؟
    - لاحظت تلمحيها نحو ابنة عمتي ريم .. لكني أخبرتها بأني من سيختار العروس وأنت اختياري .
    طلبت منه أن لا يخبر أمه بأمر علاقتها فهي لا تريدها أن تسيء التفكير بها حتى بعد زواجهما . مرر أصابعه في شعره ووافقها على ما طلبت أرادت أن تنهي المكالمة لأنها ستنام قليلا وبعدها ستذهب إلى الخبر لشراء قماش فستان الذي ستخيطه لحفل زفاف أمل. قالت له ممازحة :
    - يجب أن أبدو بغاية الجمال فربما تراني إحداهن وتعجب بي وتخطبني لابنها .

    عاد عماد إلى المنزل مبكرا ووجد والديه جالسان في الصالة يتحدثان وهما يشربان الشاي . جلس بقربهما ووجهه يشع بالسعادة ، والحب والرضا يسكنان سواد عينيه ، قالت له أمه بابتسامة :
    - نجحت نسرين في جميع المواد وستبدأ سنة الامتياز بعد شهر .. حتى ولو كان تخصصها مختبرات طبية إلا إني سعيدة بتخرجها وسأقيم لها حفلة .
    ضحك الوالد وقال لابنه :
    - الحمد الله .. تقبلت أمك الأمر أخيرا .
    لوت سميرة فمها وطلبت من زوجها أن يسكت فهي مازالت تحمله مسئولية عدم التحاق نسرين بكلية الطب . ضحك عماد وطلب منهما أن لا يتشاجرا فهو يحمل لهما خبر سعيدا . سألته أمه بلهفة عن الخبر فأجابها بابتسامة ووجهه بدأ يحمر :
    - سأتزوج .
    صرخت سميرة بقوة :
    - قلّ لي بأنك جاد .. أنا لست مصدقة .. الحمد الله الذي هدّاك واستجاب لدعواتي .
    أبتسم الأب وقال لابنه مشجعا :
    - الحمد الله وقرارك صائب .. لكن أنا لدي ما أقوله أيضا .
    سكت عماد لكن أمه سألت زوجها بلا مبالاة :
    - وماذا تريد ؟
    زم الأب شفتيه وطلب من ابنه أن يسافر إلى دبي للمشاركة في مشروع استثماري كبير . سأل عماد والده عن موعد السفر فأخبره بأنه حجز له في الطائرة المسافرة في التاسعة مساء اليوم .
    نهض حسن ودعا ابنه للذهاب معه إلى المكتب ليشرح له بقية الأمور وقال لزوجته مبتسما :
    -لا تخافي سنتحدث في أمر زواجه بعد عودته .

    ردحذف
  38. جهزت سميرة حقيبة ابنها ، وبعد صلاة المغرب ودعته وهي تدعو له بالتوفيق والسعادة تغمرها لأنه جاء من بنفسه ليخبرها برغبته بالزواج . وبسرعة أمسكت بسماعة واتصلت بندى لتخبرها بالأمر ، وما أن وصل عماد إلى مطار دبي حتى عرف جميع العائلة بالأمر .

    وصل إلى بهو الفندق برج العرب الشامخ بكبرياء في مياه الخليج ، وحجز له غرفة مريحة خاصة برجال الأعمال تطل على البحر بمنظر خلاب للغاية . شرب كوبا من الماء البارد وعاود الاتصال بكاميليا التي اتصل بها قبل إقلاع الطائرة ولم تجبه فأرسل لها رسالة نصية يخبرها بضرورة الاتصال به . تناول عشاءه في مطعم الأكلات البحرية في الطابق الثاني من البرج ، وعاد بسرعة لغرفته . استلقى على سريره ينتظر اتصال كاميليا بشوق وعندما انتصف الليل اتصلت به وأخبرته بأنها ذهبت إلى السوق مع أخته وابنة عمه ومن ثم ذهبن لمنزل والديه وتناولت العشاء مع أمه وعادت لتوها إلى منزلها . فرح فعلاقة كاميليا بأمه جيدة منذ الآن وستكون مميزة جدا بعد أن يتزوجها . أخبرها بأنه سيبقى في دبي لثلاثة أيام ، وهو يشتاق لها كثيرا . ظلت تتحدث معه حتى أخبرها بضرورة نومه ليستيقظ مبكرا ويذهب إلى مقر الشركة .

    استلقت على سريرها واطفأت الأنوار وأغمضت عينيها . تهيأ لها بأنها تسمع عماد يقول لها ( حبيبتي .. بعد أن أعود من دبي سأتقدم لخطبتك مباشرة وسنتزوج بأسرع وقت ممكن .. سنكون معا لمدى الحياة ) . لم تكن تعرف إذا ما كانت صاحية وتسمع صوته حقا أو نائمة تحلم به . نامت أكثر كلماته الرقيقة المفعمة بشوق مشتعل في قلبه منذ أربع سنوات ، نامت والأحلام الوردية تحاصرها وتأخذ معه إلى دنيا السعادة والحب والفرح . استيقظت عصرا وعلامات الراحة على وجهها . نظرت لنفسها في المرآه ووجدت الابتسامة مرسومة على شفتيها والحب يظهر في عينيها العسليتين وتخشى أن يفضحا أمرها أمام والديها . نزلت لتناول الطعام وجلست في المطبخ . سكبت المكرونة بالدجاج والسلطة الخضراء في صحنها مع شذى همسا ، وجاءتهما هديل مقاطعة تطلب أوراق النعناع للعم عبد العزيز الذي يريد إضافتها إلى الشاي . تأففت كاميليا وقالت :
    - أرى أن زياراته كثيرة وأوامره كثيرة أيضا .

    أعطتها شذى صحنا به أوراق النعناع الطازجة ، وأكملت كاميليا طعامها وقلبها يخفق بطريقة غربية لم تعرف سببها . بعد مدة جاءت هديل مرة أخرى تطلب منها الذهاب لوالدها في المجلس ، تعجبت وتساءلت ماذا يريد منها الآن استيقظت من النوم لتوها . حذرتها شذى من التأخر عن والدها وإلا سيغضب وسيحدث لهن مشكلة هن في غنى عنها . ذهبت تطرق الباب وهي تقدم رجل وتأخر أخرى ودخلت عندما أذن لها والدها .سلمت على عمها وقبلت رأسه وجلست بجانب والدها الذي قال لها مبتسما بأن عمها يريد تهنئتها بنجاحها . أحست براحة وأخذت نفسا عميقا ولكنها شعرت بقلبها سيتوقف ووالدها ينهي حديثه :
    - وجاء اليوم يطلبك زوجة لناصر وأنا موافق واتفقنا على عقد القرآن بعد أسبوع وموعد الزواج بعد ثلاثة أشهر .
    ظلت كاميليا ساكتة لا تقوى على فعل شيء ، لا الكلام أو الرفض أو الاعتراض أو الانتفاض إذا لزم الأمر . لم تكن قادرة على التنفس ووالدها يتكلم وكأن كل شيء قد انتهى . بدا نفسها سريعا ومضطربا والدم ينسحب تدريجيا من وجهها ووالدها يسألها والابتسامة لا تفارق وجهه :
    - هل لكِ شروط ؟.. أو شيء تودين قوله .
    بلعت ريقها وهي تنظر لأبيها متجاهلة نظرات عمها ، قالت بصوت خرج من حنجرتها بصعوبة :
    - لست موافقة على الزواج من ناصر .
    خرجت عينين والدها من محجرهما وتغيرت سحنة وجهه لدرجة أنها توقعت أن يقف ويصفعها ويهفو عليها باللكمات والضربات لكنه ظل صامتا ومندهشا ، بينما قال العم بلهجة ساخرة :
    - ولماذا ترفضين ؟
    ردت وصورة عماد في عينيها بأن ناصر يكبرها بخمسة عشر عاما وسبق له الزواج مرتين كم أنها لا تشعر بأي توافق بينهما . شعرت بقلبها ينقبض بقوة فأطرقت رأسها ساكتة والدها يقول لعمها متجاهلا إياها :
    -لا عليك منها يا أخي .. كاميليا صغيرة ولا تفقه شيئا في هذه الحياة . بدأت الدموع تتجمع في عينيها وكررت لوالدها بأنها غير موافقة .
    فما كان منه إلا أن مسك بيدها بقوة وصرخ بها :
    - ستتزوجين من ناصر وانتهى الأمر .. لقد دللتك كثيرا ولكن الزواج ليس مزحة .. تزوجي من رجل كناصر ..أم أنك تريدين الزواج من يحف حواجبه ويصبغ شفتيه بالحمرة ..وأبن عمك أولى وأحق بك.

    توجهت كاميليا لغرفتها وتبعتها شذى ، راحت تبكي وتصرخ بقوة رافضة الزواج من ناصر ، وجاءت أمها على أثر صوتها .أخبرتها والدموع تغرق عينيها وجهها بما حصل فطلبت منها أن تهدأ وذهبت لزوجها . دخلت المجلس وجهها خال من أي تعبير ، وقالت لزوجها بهدوء :
    - أخبرتني كاميليا بأنك تريد تزوجها من ناصر .
    عبس وجهه وقال لها بحدة :
    - نعم .. وسنعقد القران بعد أسبوع .. والزواج بعد ثلاثة أشهر لأن ناصر أشترى منزلا جاهزا وسيبدأ بتأثيثه وبعدها يتزوجان مباشرة ..أنا لا أحب فترة الخطوبة طويلة .

    ردحذف
  39. أخرج من جيبه مظروفا به مهر ابنته وأعطاها إياه وطلب منها أن تذهب مع كاميليا إلى الأسواق لشراء ما تحتاجه . بلعت ريقها وهي ترى عزمه على إتمام الزواج خرجت من المجلس وظلت تنتظر خروج العم عبد العزيز لتتكلم مع زوجها الذي أجتمع بها مع ابنته التي جاءت وأثار البكاء على وجهها وهي تلهث بقوة . جلست بالقرب من والدتها بصمت ، فطلب منها والدها الاستعداد للزواج بعد ثلاثة أشهر . أحست بأن جرعة من الشجاعة والجرأة دخلت إلى قلبها وقالت لوالدها بأنها لا تريد المهر ولن تتزوج رغما عنها . صرخ الأب بقوة وقال :
    - من قال بأني لن أرغمك ..أنا مستعد لذبحك إن لزم الأمر لتوافقي على الزواج من ناصر .
    تدخلت الأم وقالت لزوجها :
    - ما نفع الزواج إذا لم يحصل قبول بين الطرفين .. لا تكن عنيدا يا أحمد .
    طلب منها أن تسكت ولا تتدخل بينه وبين ابنته ، فقالت :
    - هي ابنتي أيضا ولن أسمح لأحد بتزويجها رغما عنها .. لسنا في الجاهلية .
    أمسك أحمد بشعر زوجته وشده بقوة وقال لها وأوداجه منتفخة :
    - كلمة أخرى في هذا الموضوع وأطلقك ..لن أسمح لأحد أن يخرب علاقتي بأخي الذي رباني بعد وفاة والدي .. أدخلني شريكا معه في المؤسسة التي كونها هو ولم أكن أملك فلسا .. ومن أجله أنا قادر على نحركما كما تنحر الخراف .

    ظلت كاميليا صاحية حتى الفجر تبكي في غرفتها ولا تملك حلا غير البكاء والنحيب وهي تفكر بقرار تزويجها الإجباري بناصر ، كانت تبكي بنحيب موجع وحرقة كلما أتصل بها عماد ولم تجبه . لم تكن تعرف ماذا تقول له وهي تسترجع كلماته البارحة ، كم كان متشوقا لليوم الذي يجتمع فيه شملهما ويتزوجان . أقفلت هاتفها وعينيها تحرقها من البكاء وهي تفكر بطريقة تقنع فيها والدها ، وعندما لم تهتدِ لحل ظلت تبكي حتى نامت من التعب . نامت وعماد في دبي قلق عليها وشعور غريب يراوده ، أحس بالضيق كلما أتصل بها ولم تجبه . تعب من التفكير والأفكار تأخذه إلى كل الاتجاهات ، تمنى لو كان قريبا منها فربما يشعر بها وبما يزعجها ، كان بعيدا بناره المشتعلة في صدره والقلق والخوف وصورة كاميليا في ذلك الحلم الذي يتكرر في منامه جاءت أمام عينيه لتقلقه أكثر.

    ردحذف
  40. الفصل 19

    ثلاثة أيام مرت ببطء شديد وصعوبة حاول عماد خلالها إنهاء ما طلبه منه والده ليعود سريعا إلى القطيف . ركبت الطائرة وهو يفكر بكاميليا ، وعن السبب الذي يجعلها تتجاهل اتصالاته ولا تريد عليه وهي التي لم تفعلها خلال أربع سنوات . ما الذي يمنعها من الرد عليه ولو برسالة تشرح فيها ظروفها . ألا تشعر بالخوف والقلق الذي يعتمل في قلبه ويكويه وهو يشعر بأنه بعيد مكبل اليدين واللسان .لم يعهدها يوما جافية ،هو الذي لا يستطيع الذهاب إليها ولا يستطيع السؤال عنها عند أخته على الأقل . هي حنونة ورقيقة وعاطفية ولكن ما الذي يمنعها من الإجابة .

    مساء الثلاثاء هبطت الطائرة في مطار الدمام في الساعة السابعة أنهى بسرعة إجراءات الجوازات والجمرك وركب سيارته التي تركها في مواقف المطار الخاصة ، وأتجه بسرعة جنونية نحو منزل كاميليا في حي الخامسة ودقات قلبه تزيد من توتره . أوقف سيارته أمام البيت المقابل لبيتها وظل يراقب الحركة الساكنة في الحي الهادئ . أخرج هاتفه من جيبه وأتصل بها ولم تجبه ، فكتب لها رسالة نصية ( أنا واقف أمام البيت الآن وسأنتظرك لعشر دقائق .. وإذا لم تتصلي بي سأسأل عندك لدى أي شخص يفتح لي الباب وليحصل ما يحصل ) . ظل ينتظر في سيارته وعينيه على هاتفه حتى اتصلت به ، وسألته بنبرة حزينة :
    - متى عدت من دبي ؟
    بلع ريقه وأجابها :
    - لقد جئت من المطار لمنزلك مباشرة .
    وأكمل يعاتبها :
    - لماذا لا تجيبين عليّ ؟..أنا قلق عليك حبيبتي بطريقة لا يمكنك تصورها ولا الإحساس بها لأنك لو شعرت بما أشعر به لما تركتني هكذا .
    جاءه صوت بكائها حارا حزينا ويائسا ، قال لها :
    - تكلمي بحق الله يا كاميليا .. ما الذي حصل ولماذا تبكين ؟.. هل حصل مكروه لأحد أفراد عائلتك .
    ظلت تبكي للحظات ثم قالت له بصوت متقطع :
    - تقدم لخطبتي ابن عمي ناصر والدي سيجبرني على الزواج به .. ومنذ ثلاثة أيام وأنا حائرة ولا أعرف كيف أتصرف .. لم أعرف كيف أواجهك ولا أعرف ماذا أفعل .
    انخرطت في البكاء وعماد ساكت من أثر الصدمة فهذا ما لم يفكر به ولم يحسب حسابه أبدا . طلب منها أن تهدأ وقال لها :
    - دعيني أتقدم لخطبتك وأخبري والدك برغبتك بالزواج مني .
    ترجته أن لا يخبر والدها بأنه يعرفها أو رأها في حياته وألا يزيد الأمور تعقيدا . غضب من كلامها فكل ما يهمها أن لا يعلم أحد بعلاقتهما . قال لها بحدة :
    - لا تخافي فلن أخبره .. ولن أبقى مكتوف اليدين .. أنا الآن سأنزل من السيارة وأطلبك للزواج .
    ترجل من سيارته وهو يحس بألم يعتصر قلبه ، وأفكاره مشتتة ومشى بخطوات بطيئة وهو يفكر بكاميليا وبكائها الذي قطع نياط قلبه . دق جرس الباب وفتح له السائق وطلب أن يقابل سيده . وقف في الحديقة ينتظر وكاميليا تراقبه من نافذة غرفتها وبعد دقائق قليلة استقبله والدها بملامح وجهه القاسية . أدخله في مجلس الرجال وهو متوتر لا يعرف كيف يبدأ بالحديث ، لكن والد كاميليا استأذنه وعاد يجر عربة التقديم المحملة بالشاي والفاكهة وسكب له كوبا من الشاي وساد الصمت . بلع عماد ريقه والد كاميليا ينظر إليه بدهشة فقرر البدء بالحديث . قال وهو يضع كوب الشاي على الطاولة القريبة منه :
    - في البداية أود أن أعرفك بنفسي .. أنا عماد الغانم .. عمري واحد وثلاثين سنة وأعمل في إدارة شركة والدي الخاصة .
    أبتسم والد كاميليا وهو يهز رأسه وقال :
    - نعم .. عرفتك وعرفت والدك .. كما أن لعائلتي صداقة قوية بعائلتك .
    سكت عماد فعاد والد كاميليا بالترحيب به وسأله بم يستطيع مساعدته فتنفس يعمق وقال :
    - في الحقيقة أنا .. جئت طالبا الزواج من كريمتك .
    رفع والد كاميليا حاجبيه باستغراب وسأله :
    - ولماذا جئت وحدك ؟
    بلع ريقه واخذ نفسا عميقا وقال كاذبا :
    - والدي وعائلتي على علم بالموضوع وأنا جئت بنفسي لأطلب يدها وإن شاء الله سيأتي والدي وعائلتي كلها إذا سمحت بذلك وحددت لهم موعدا .
    حدق به وسأله عن أي واحدة من ابنتيه يتحدث ، فقال له بأنه يريد الزواج بكاميليا وأبدى استعداده لأي شيء . رطب شفتيه وهو ينتظر رد والدها الذي قال :
    - يؤسفني أن أخبرك بأن ابنتي كاميليا مخطوبة لابن عمها وستتزوج بعد مدة ..لقد جئت متأخرا .. سلم على والدك كثيرا .

    أحس عماد بأن الزيارة انتهت وعليه أن يذهب فوالدها لم يدع له فرصة . ركب سيارته متجها إلى منزل والديه الذي وجده خاليا . دخل غرفته والألم يعتصر قلبه واليأس هو ما يشعر به ، ظل يفكر مستنكرا ما حدث ولا يعرف ماذا يفعل .

    ردحذف
  41. أبهذه البساطة تتبخر الأحلام ويذهب الحب ، أبهذه السهولة تسرق كاميليا من بين يديه وهو لا يستطيع فعل شيء ؟، بعد أن انتظرها أربع سنوات . أين النصيب وفلسفته ، وأخرجه اتصال كاميليا من أفكاره وتشتته ، قال لها بألم :
    - والدك يقول بأني جئت متأخرا .. لماذا لم تدعيني أتقدم لخطبتك قبل أربع سنوات ؟
    قالت موضحة :
    - لأنه رفض خطبتي لناصر وقتها متعذرا بإنهاء دارستي الجامعية .
    أطلق آهة حزينة وقال بأسف :
    - ما كان يجب عليّ إطاعتك .. لو خطبتك منذ البداية لأختلف الأمر .
    وبسرعة أجابته:
    - حتى ولم تقدمت لخطبتي وقتها فسيرفض لأنه مقتنع بناصر .
    تنهد بعمق وقال :
    - أنت لا تشعرين بما يجول في قلبي .. أشعر بأني سأنهار .. المنزل الذي بنيته من أجلك جاهز .. حتى المجسم الذي اشتريته لبرج إيفل وضعته في صالة المنزل كما اتفقنا .
    سكت للحظة ثم طلب منها أن تقنع والدها بأي وسيلة . راحت تبكي وقالت له :
    - كيف أتصرف وهم سيعقدون قراننا في الأسبوع المقبل .. عليك أن تساعدني .
    ******
    ظل عماد في غرفته بلونها الأصفر الكئيب لم يبرح مكانه منذ أن انتهى الحديث بينه وبين كاميليا . بقي على نفس الوضع مستلقيا على سريره يحدق في سقف الغرفة وفكره محصور بها وبالحل المناسب الذي يبحث عنه . أحس بأن السعادة التي يشعر بها منذ تعرفه إليها اختفت فجأة . وللحظة طرأ سؤال غريب على تفكيره . لماذا أصرت كاميليا على منعه من التقدم لخطبتها قبل أربع سنوات ؟ وطلبت منه مرارا كتمان علاقتهما حتى على أخته وابنة عمه وهما صديقتيها المقربتين ؟.

    فكر بعمق في الموضوع ، وتساءل في نفسه .. هل كانت تتسلى معه ومن ثم تتزوج بابن عمها . ربما كانت لعوبا كغيرها وتعرف بأن علاقتهما ستنتهي يوما ما كبقية علاقات العبث في البلد . أغمض عينيه وقلبه ينفي أن تكون الفتاة التي أحبها عابثة ولعوب بهذه الطريقة وهو الذي أحبها بصدق ربما ينذر وجوده . تأرجح بين قلبه ومشاعره وبين عقله وأفكاره ، وكيف يخلص نفسه من هذا الوسواس الذي بدأ ينخر في عقله ؟.. حاول إبعاد الفكرة وخلع ملابسه وأستحم بالماء الفاتر وأطفأ أنوار غرفته واستلقى على سريره وذاكرته تبحث عن دليل يدين حبيبته . لأول مرة ومنذ توفي علاء شعر بأن قلبه يبكي وأن دموعا مخفية تريد أن تخرج من عينيه . وجاءت نسرين مع أمه إلى غرفته حالما رأتا سيارته خارجا وأخبرتهما الخادمة بقدومه . كلمته أمه بهدوء وهو ساكت يغطي وجهه بلحافه ويتظاهر بالنوم وسمعها وهي تقول بأنها ستتحدث معه صباحا .

    مرت ساعات الفجر الواحدة تلو الأخر وهو مازال على سريره ويفكر بكاميليا وبالمنزل الذي بناه من أجلها . الألوان ونوعية الأثاث ومخطط البيت وموديلات الستائر ولون الرخام والخشب المستخدم . كلها ساهمت في اختيارها أحس بأنه سيختنق وهو يفكر بحلمه الذي يحتضر ويديه مكبلتين وحبيبته لا تجد حلا غير البكاء إن كانت صادقة أصلا .

    ردحذف
  42. طرأت بباله فكرة تساعده في كشف حقيقة عاطفتها ، سيخبرها ويرى كيف تكون ردة فعلها وكيف تتصرف . جاءت أمه من جديد واقتربت منه تدعوه للنهوض والذهاب للشركة فالساعة تشير إلى السادسة صباحا . نهض وهو يشعر بصداع في رأسه لأنه قضى الليل يفكر ويتذكر . ارتدى ملابسه ودلالات المزاج السيئ واضحة على وجهه . جلس مع والديه وهو يضع يده على جبينه من شدة الألم ، وطلب من والدته دواء مسكنا فأحضرت له قرصين مسكنين ابتلعهما بسرعة وتناول قطعة كعك بصمت . سألته أمه :
    - هل أنهيت ما طلبه منك والدك في دبي .
    أومأ إيجابا بوجهه المتجهم وأخرج الأوراق الخاصة بالمشروع من حقيبته وأعطاهم لأبيه الذي شكره ونهض مستعدا للخروج فسألته أمه بقلق :
    - ألم تنم جيدا .. تبدو وكأنك مريض .
    - لا داع للقلق .. مجرد صداع.

    ودع والديه وخرج متجها إلى الشركة وبدأ العمل رغم أفكاره المشوشة والقلق من المجهول يعصر قلبه بيدين قويتين . ظل يعمل حتى أخرجه اتصال كاميليا به من دائرة العمل ، ولأول مرة شعر بأنه لا يريد الإجابة عليها ولا يريد أن يسمع صوتها المخادع لكنه أجاب . سمع صوتها المحبب إلى نفسه ، الصوت الذي جذبه إليها وكأنه مسحور وشعر بأنه أسير ضعيف لها ولصوتها . قال لها بحزن بدا في نبرة صوته :
    - لم أنم البارحة .. أشعر بأني سأفقدك .
    فاجأها كلامه فقالت له :
    - هل استسلمت بهذه السرعة وأنا المقتنعة بأنك ستحارب من أجلي ؟.. لا تخيب ظني بك .
    قال بغضب :
    - ماذا أستطيع أن أفعل ؟.. هل تريدني أن أقتل ابن عمك لنتخلص منه ونرتاح ؟..أعطني أمرا بذلك وسأفعل ..المهم أن تثبتي لي بأنك صادقة ولم تتلاعبي بي طيلة هذه السنوات .
    أجابته باستنكار :
    - وكيف تفكر بأنني أتلاعب بك .. لا بد أنك فقدت عقلك لتفكر بهذا الأمر ..أنا أحبك يا مجنون وأنت ..
    سكتت ولم تتم عبارتها ، فسادت لحظات الصمت قطعه عماد عندما طلب منها دليلا يثبت له بأنها صادقة وما أن أنهى كلامه حتى قالت له وهي تبكي :
    - ماذا تريد مني أن أفعل ؟..أنا لم أغادر غرفتي منذ ثلاثة أيام .. ولم أتحدث مع والدي ولا أكل شيئا .. حتى نسرين وأمل جاءتا لزيارتي البارحة ولم تصدقان بأنني بهذه الهيئة .. أبدو كمريضة .
    سألها بسخرية :
    - هل عرفت نسرين وأمل بنبأ زواجك السعيد ؟
    تنهدت وقالت له :
    - عماد أنا مستعدة للموت على ألا تشك بي ولو للحظة فأنت تظلمني .
    بدأت تبكي بحرقة فقال لها بغصة :
    - صارحي والدك بأمر علاقتنا واخبريه بما بيننا وبأنك تعلمين بأنني تقدمت لخطبتك وتريدين الزواج بي وأنا مستعد لمقابلته مرة ثانية وثالثة .
    رفضت وفضلت الموت على أن تخبر والدها بأنها تعرف شابا وتحبه وتريد الزواج به فلن يتسامح بهذا الأمر وقد يقتلها . تنهد عماد وقال بألم حاول إخفاءه بالتظاهر بالقوة :
    - لن أتمسك بك وأنتِ لا تريدين المجازفة أبدا .. لقد سلمت أمري للبعد والفراق وأنتِ لا تعذبي نفسك تزوجي بابن عمك وحاولي أن تكوني سعيدة .
    قالت له وهي تشعر بخيبة من انسحابه :
    - لا تكن متخاذلا ..أنا لا أستطيع أن أنساك وأعيش سعيدة مع غيرك .
    تنهد بقوة وأحس وكأن روحه ستخرج من جسمه وقال لها :
    - أنا إنسان متصالح مع نفسي وقلبي بريء كأحلامي .. ومتأكد بأن الدنيا ستقف بصفي يوما ما وستمنحني السعادة التي أبحث عنها .. وأطلب منك عدم الاتصال بي ..أتمنى لك السعادة في حياتك وبعيدا عني .
    بكت بألم وتمنت أن يكون ما تمر به حلم مزعج وستستيقظ منه قالت له بيأس :
    - هل ستتخلى عني ؟..أين وعودك ..أين كلامك ؟
    صرخ فيها بصوت مرتفع :
    - وماذا أفعل لك ؟.. كوني شجاعة وأخبري والدك بعلاقتنا .
    تأففت وقالت له محذرة :
    - لا ترفع صوتك في وجهي .. والدي لن يقبل بالأمر وسيؤذيني وربما يؤذيك أيضا ..أنا أعرفه جيدا وهو متشدد في هذه الأمور..و..
    قاطعها بنفاذ صبر :
    - أنا مشغول الآن .. إذا أخبرت والدك بالأمر أتصلي بي ..إلى اللقاء .

    أغلق الهاتف وأسند رأسه إلى المكتب وهو يشعر بمرارة ما بعدها مرارة ، أحس بالضعف والدمعة الكئيبة ترقص بألم في زوايا قلبه . أحس بأن الدنيا تدور وتضحك عليه وهو لا يستطيع إيقافها ، وبأن قلبه لا يتحمل صدها هي التي تنكرت له قبلا . كان دائما يفكر بأن الدنيا تسرق منه السعادة وكأن ثأرا بينهما ، وها هي اليوم تسرق منه السعادة التي شعر بها منذ تعرفه إلى كاميليا .

    ردحذف
  43. الفصل 20


    غسلت كاميليا وجهها وهي تفكر بعماد الذي لم يتصل بها منذ خمسة أيام وهي لم تتصل به أيضا فهي لا تريد أن تذل نفسها أمام من تحب .
    بدأت تجفف وجهها المتعب وعينيها المرهقتين من السهر والبكاء .وضعت كريما رقيقا على جفنيها ، ولبست خاتمها الياقوتي بيدها وهي تتذكره يوم جاء ووضعه على باب منزلها فجرا مع باقة ورود بيضاء . خلعت الخاتم من أصبعها وقبلته بحب وأعادته إلى مكانه في خنصرها .سألته عن عماد ، ماذا يفعل وكيف يعيش خمسة أيام دون أن يسمع صوتها ،لكن الياقوت بقي صامتا . ظلت تتأمل وجهها في المرآة وهي تتذكر كلام عماد وغزله بها ، كان مفتونا بها والآن يهجرها .
    جاءت شذى ممسكة بصينية بها طبق من السلطة وكوبا من اللبن، ووضعتهما على المكتب وقالت لأختها :
    -أرجوك يا أختي .. لا تعاقبي نفسك بهذه الطريقة.. تناولي طعامك فأنت منذ أسبوع تعيشين على الماء والتفاح وهذا لا يجوز .
    جلست على سريرها وتنهدت قائلة :
    -لا أشعر بالرغبة في الأكل ..أكلت قهر.
    - أف .. قطع الحب وسنينه.
    قالت لأختها وهي تشرب اللبن :
    -لست مصدقة بأن خمسة أيام مرت ولم أسمع فيها صوت عماد .. عمادي الذي أحببته تخلى عني بسهولة وتركني .
    اقتربت منها شذى وطلبت منها أن تنساه وتخفف على نفسها ، فتنهدت بغصة وهي تشعر بأنها هشة و ضعيفة بعدما تخلى عنها . مازال حبه يوجع قلبها بعدما أدار ظهره لها ولم يترك سوى عينيه السوداويين لتزيد من عذابها . هبت بسرعة لهاتفها الجوال عندما رن فربما يكون عماد هو المتصل ، ولكنها شعرت بالخيبة سريعا لأن نسرين هي المتصلة تدعوها للخروج والذهاب إلى السوق ومن ثم تناول العشاء في أحد المطاعم . اعتذرت منها ودعتها بدلا من ذلك إلى زيارتها بصحبة أمل ، وقامت لتغير ملابسها وتستعد لقدوم صديقتها .

    جاءت نسرين لوحدها لأن أمل ذهبت إلى السوق مع أمها ، ولم تستطيعا إبعاد مجرى الحديث عن الموضوع المهم وهو زواج كاميليا التي قالت :
    -والدي يجبرني على الزواج بالزفت ناصر بلا أي احترام لي أو لرأيي....والمشكلة بأني أمقته .. أنا الآن أنتظر حكم الإعدام .. ولا أعرف متى سيصدره القاضي .
    كانت نسرين جادة عندما قالت:
    -تبا لهذا الوضع وهذا التخلف الذي نعيشه .. كيف تتزوج فتاة رغما عنها .. أين حقوق الإنسان وحقوق المرأة الضائعة.
    طرأت ببال نسرين فكرة فاقترحت على كاميليا أن توسط أحد أقاربها للتفاهم معه لكنها قالت لها بأن أخوالها يكنون الجبيل ماعدا سعيد وهو على خلاف معه.
    ابتسمت نسرين وسألت صديقتها هل يوجد حبيب من حيرتها ويعزز رفضها لابن عمها ، وحاصرتها قائلة :
    -أنت تبدين عاشقة وترفضين الاعتراف . إلى متى ستنكرين وعينيك تقول ذلك ؟.. اعترفي وبلا نحاسة.
    تنهدت كاميليا بألم اثبت لنسرين شكها ، وقالت وهي تغالب دموعها:
    -لا وجود لهذا الحبيب .. يوجد فارس أحلامي الذي أحبه منذ ولادتي وشعوري بأني أنثى تبحث عن نصفها الأخر في هذه الحياة .. وهو ليس ناصر بالتأكيد.

    قضت نسرين وقتا مع صديقتها واستطاعت أن تخفف عنها قليلا ، ثم عادت إلى منزلها كانت أمها جالسة مع عماد يتحدثان بصوت منخفض في أحد أركان الصالة الواسعة . اقتربت منهما وتنبهت لوجه أخيها العابس وأمه تتحدث معه عن ريم ، فقاطعتها بمرح وسألتهما عم يتحدثان .
    سكت عماد بينما أجابت أمها بتذمر :
    -عن القضية الأزلية ذاتها .. زواج عماد .. أنا أفكر برفعها إلى الأمم المتحدة فربما يساعدني "كوفي عنان "
    ضغط عماد على شفتيه وهو يستشعر سخرية أمه التي عرضت عليه أن تتحدث مع عمته بشأن ريم، فتأفف ونهض متجها لغرفته تاركا أمه تتذمر من تصرفاته، وتقول لابنتها:
    -منذ أن عاد من دبي وهو بمزاج سيء ولا يتجمل الحديث معي .. في اليوم الذي سافر فيه أخبرني وسعادة الدنيا كلها تشع من عينيه بأنه يريد الزواج .. لا أعرف ما به وهو يقلقني كثيرا .. سأقوم لأبخره باللبان والحرمل .

    ردحذف
  44. أومأت نسرين موافقة وقالت :
    - بات يحيرني أيضا ..أمس جاء ماجد لزيارته وتهرب من لقاءه وطلب مني أن أقول له بأنه نائم.
    تنهدت الأم وسألت ابنتها عن كاميليا إذا ما سيزوجها والدها من ابن عمها رغما عنها . هزت نسرين برأسها وقالت :
    -سيعقد قرانها خلال أيام .. المسكينة بدت متعبة وشاحبة فهي تحبس نفسها في غرفتها لا تخرج ولا تأكل وبدون فائدة.
    -يؤسفني زواجها بهذه الطريقة .. ولكن لا شيء بيدنا وربما تسعد مع ابن عمها .
    وأكملت مستدركة تخبر ابنتها بأنهم سيذهبون إلى البحرين من أجل التسوق قبل زفاف أما وسيبيتون هناك ليلة واحدة .
    صعدت نسرين لغرفتها وبدلت ملابسها ثم ذهبت لتتحدث مع عماد علها تخفف من توتره . وجدته على سريره يشاهد برنامجا في التلفزيون لكنه أغلقه حالما دخلت أخته وجلست بجانبه.
    سألته بابتسامة :
    -ألا تستمع لفيروز ؟
    لم ينطق بحرف فأردفت تخبره بأنهم سيذهبون إلى البحرين ودعته للذهاب معهم ، لكنه لوى فمه وقال لها بأنه لا يريد الذهاب لأي مكان.يريد البقاء وحده لمراجعة حساباته وإعادة النظر في مسار حياته . سألته:
    -هل أنت منزعج من أمي ؟
    هز رأسه نافيا فقد تعود على كلامها وعلى سخريتها . تنهد بقوة وأحست بأن وراء تنهيدته هم كبيرة ، فأمسكت بيده بعطف وطلبت منه أن يفتح لها قلبه فهما أصدقاء برغم الفارق في السن . كانت تنظر إلى وجهه وهي تتحدث ورأته وهو يغمض عينيه السوداويين للحظات وعندما فتحهما رأت الدموع الحارة تغلفهما . أخرج من صدره آهات حزينة . عانقته وهو يقول بأنه عاجز عن فتح قلبه لها . قالت له بتفهم كبير :
    -عندما تشعر بأنك بحاجة للحديث والبوح عما تخفيه في قلبك .. لا تتردد فقلبي يتسع دائما.
    شكرها وتنهد بحيرة فهو غارق في بحر لا يعرف فيه شاطئ ولا مرسى ولا يعرف بدايته أو نهايته . خرجت نسرين تاركة أخاها لوحدته ولتفكيره المحصور بكاميليا ، تارة يتذكارها وهي في السيارة وعينيه تسترقان النظر لها عبر المرآة . يتذكر أحاديثها وضحكاتها وعينيها والكحل الأسود وحجابها الملون وهي تمشي في شوارع باريس بملابسها الأنيقة تذكر تلك القبلة الوحيدة في منتصف ليل باريس عندما أهداها ورورد الكاميليا وكم أحبها
    ****

    ظلت كاميليا جالسة في غرفتها وتتحدث مع شذى في جو هادئ نسبيا حتى جاءت أمها بابتسامة مصطنعه ، تخبرها بأن قرانها سيعقد غدا. هزت رأسها والدموع تتدفق من عينيها :
    -لا أريده .. ساعديني يا أمي .
    بلغت الأم ريقها والدموع تنحدر من عينيها فزوجها هددها بالطلاق لو تدخلت . قالت لابنتها بانكسار :
    -أرى رضوخك أمرا لا مفر منه .
    بكت كاميليا بحرقة كبيرة على صدر أمها وهي ترى كل أحلامها تتكسر أمام رغبات والدها وعناده وتسلطه وجوره . بكت أكثر وهي تفكر بحياتها مستقبلا وحب عماد يغفي في قلبها بكل هناء وراحة . ظلت تبكي وهي تفكر بالاستسلام تارة وبالتمرد على والدها والرفض تارة أخرى . بكت بنجيب وهي تتذكر كلمات عماد الأخيرة عندما طلب منها الاتصال به فقط عندما تخبر والدها بأمر علاقتهما . ومن بين الدموع والبكاء ورياح اليأس التي تعصف بها طرأت ببالها فكرة قد تنقدها من هذا الزواج الإجباري ، ولكن عواقب هذه الفكرة وخيمة ونتيجتها غير مضمونة.أسرعت تقفل باب غرفتها بالمفتاح وأمسكت بهاتفها الجوال للتحدث مع عماد الذي لم يرد على اتصالاتها المتكررة ، وبسرعة كتبت له رسالة نصية وأرسلتها ، تخبره بأنها تريد الحديث معه لأمر هام . ظلت حتى شروق الشمس وهي تترجى اتصاله بدون جدوى . نامت على مخدتها المبللة بالدموع واستيقظت ظهرا وشذى تطرق بابها المغلق وقد جلبت معها وجبة خفيفة لتأكلها . فتحت لها الباب وعينيها متورمين من البكاء، وبسرعة طلبت منها الدخول . رن هاتفها الجوال فهبت له مسرعة فربما حن عماد عليها وقرر الاتصال ، إلا أن ظنونها خابت مجددا كانت نسرين هي المتصلة تخبرها بذهابها مع والديها إلى البحرين عصرا وتسألها إذا ما كانت تريد أن تشتري لها شيئا من هناك ، شكرتها فلا مزاج لها لأي شيء ، ونهضت لقفل الباب بالمفتاح وقالت لأختها :
    - منذ البارح وأنا أفكر بطريقة ما لمنع هذا الزواج البائس .. ولأني أحتاج مساعدة عماد اتصلت به مرارا ولم يرد علي .. سأذهب إليه في منزله وأتحدث معه .
    عضت شذى شفتها وقالت :
    - لابد أنك جننت .. لقد فقدت عقلك بكل تأكيد لتفكيرك بالذهاب لمنزله .
    أخبرت أختها بأن نسرين ووالديها سيذهبون إلى البحرين بعد ساعة وعماد سيعود في الخامسة إلى المنزل كالمعتاد وستذهب لتعرض فكرتها عليه .
    حذرتها شذى وطلبت منها أن تتعقل فلو عرف والدهما سيذبحهما معا كدجاجتين وينتف ريشها ، ولكن كاميليا مستعدة لكل شيء فقالت لأختها :
    - كيف سيعرف ؟ ..أنا سأتحدث مع عماد وأنت أبقي في السيارة لانتظاري.

    ردحذف
  45. ترددت شذى لكنها لم تشأ أن تدع أختها تذهب له وحدها . بسرعة استأذنت كاميليا وشذى أمهما في الخروج لزيارة أمل لبعض الوقت للترفية عن نفسيهما . ركبت كاميليا السيارة وطلبت من السائق التوجه إلى منزل نسرين واتصلت بها لتتأكد من ذهابها إلى البحرين مع والديها ، واطمأنت لسير خطتها بالطريقة الصحيحة . أحست برعشة وكأنها تتركب جريمة وخائفة أن يراها أحد وقلبها ينبض بقوة ظنت أن جميع سكان القطيف يسمعونه . كانت خائفة وهي تفكر بعماد وكيف سيستقبلها ، وهل سيوافق على فكرتها الرهيبة . أوقف السائق السيارة أمام المدخل الرئيسي . بقيت شذى تنتظر أختها بخوف ووجل وترجلت كاميليا وهي تحس برجليها ستتجمدان ودقات قلبها العنيفة تزعجها . بيد مرتعشة ضغطت على جرس الباب والأفكار تزيد من توترها . ظلت تنتظر للحظات ولم يجبها أحد ، فضربت الجرس مرة أخرى وقلبها يكاد أن يتوقف ، وبعد لحظات فتح الباب ورأت عماد أمامها . نزعت نظارتها الشمسية والتقت عينيها بعينيه المندهشتين والمشتاقتين لها ، كان الحب والشوق ظاهر في سواد عينيه ولا يستطيع إخفاءه مهما فعل . بلع ريقه وقال لها برقة وكأن شيئا لم يكدر صفوهما أبدا :
    - لماذا أنت هنا يا كميليا .. نسرين غير موجودة .
    هزت رأسها وهي تتلفت خلفها وقالت له :
    - أعلم بأن عائلتك في البحرين .. ولكني أريد التحدث معك بأمر هام ولهذا اتصلت بك ..ولأنك لم تجبني اضطررت للقدوم .
    وأكملت تعاتبه :
    - لماذا تعاقبني بهذه القسوة وكأنني مذنبة ؟.. أنا لا أستطيع فعل شيء وعليك أن تصدقني .. وجئت لأبرهن ذلك.
    دخلت كاميليا داخل المنزل ووقفت قرب الباب المفتوح على مصراعيه وقالت له بأن قرانها سيعقد غدا ولديها حل مناسب ووحيد لمنع إتمام هذا الزواج ، وطلبت مساعدته ، سكتت للحظة وهي تراقب عينيه السوداويين وهما تتفحصان وجهها بشوق ، وقالت لها :
    - أنا متعبة وأشعر بأني على حافة الجنون.
    بلع ريقه وسألها عن الحل الذي جاءت من أجله ، فأغمضت عينيها للحظات وقالت له :
    - سأذهب إلى منزل خالي سعيد وسأبقى لثلاثة أيام حيث والدي لا يستطيع أن يفكر بوجدي هناك فهما على خلاف كما تعلم .. بينما أخبره لاحقا بأنني كنت معك في أي مكان .. سأوهمه بأني هربت معك وبعدها سنتزوج رغما عنه .
    ظل عماد ساكتا للحظات وعينيه ستخرجان من محجرهما من شدة اندهاشه من فكرة كاميليا الجهنمية ، قال لها بهدوء :
    - كيف تفكرين بهذا الحل ؟ .. نهرب معا لثلاثة أيام .. تخيلي الفضيحة وما سيحصل .
    حاولت إقناعه بفكرتها :
    - نحن سنوهمهم بذلك والله شاهد علينا .. وبعد الزواج نخبرهم بالحقيقة .
    ارتفع صوته قليلا :
    - لن يصدقنا أحد وقتها .. والدك سيقتلك حتما .. كما أن أمي سترفض زواجي بك.
    قال جملته وبتعد عنها . جلس على أول مقعد صادفه وأسند رأسه على يديه . شعر بالحيرة ويريدها فهو يحبها ويريدها زوجة له ولكن ليس بهذه الطريقة ، قال لها :
    - إن الأمر ليس سهلا كما تتصورين ونحن لا نستطيع تقدير عواقب
    شعرت كاميليا بالخيبة مجددا وقالت له والدموع تنحدر من عينيها :
    - أنا فتاة من أسرة محترمة وسأضحي بسمعتي ومستعدة لكل ما سيحدث .. وأنت رجل وتخاف من الفضيحة !؟
    سكت لثوان قليلة وأردفت :
    - غدا يعقد قراني .. كيف يطاوعك قلبك على التخلي عني ؟ .. وعدتني بأن نكون معا
    أقترب منها كثيرا وعينيه تتفحصان وجهها الجميل رغم التعب . تذكرت ما حدث في باريس والسعادة التي كانت تشعر بها ، وتنهدت وهو يمد يده ويضعها على جانب رأسها . أحس برغبة كبيرة في تقبيلها ولم يفعل ، قال لها :
    - أرغب بأن نكون معا .. ولكن ليس بهذه الطريقة.
    بكت أكثر وابتعدت عنه ، فقال لها بنبرة حادة وعينيه السوداويين تصوب سهماها نحوها :
    - لا تبك أمامي فموافقتي مستحيلة .
    استدار وهو يفرك جبينه وقال :
    - أرجوك أذهبي إلى منزلك .ز لو كنت تريدني حقا لسمحتي لي بالتقدم لخطبتك قبل أن يصبح الأمر بهذا السوء .. لو تقدمت لخطبتك قبل أربع سنوات مرة واثنتين وثلاث لوافق والدك وكان كل شيء مختلفا .

    رد